البخور.. حضوره قوي في ليالي العمر، من التقاليد المصرية العريقة، أن تضع العروس، وقت عقد القران ، وحولها الأم والحماة وفتيات الأسرتين، قدميها في ماء معطر بماء الورد، وفي فمها سكرة كناية عن طيب كلماتها ويملأ المكان عبق البخور لمنع الحسد وصد العين، وآيات من القرآن الكريم تتلى حتى تكون حياتهما هادئة.

 

يعتبر البخور من أغلى الأخشاب على الإطلاق على مستوى العالم، شجرة عمرها خمسة آلاف عام، منشؤها منطقة الشرق الأوسط والصين واليابان، وعلى مدار التاريخ يتم تداوله عبر العالم كسلعة قيمة جداً غالية الثمن نادرة حالياً بسبب تعرض شجر العود المعروف باسم «آكيلاريا» للخطر، وكانت تجارة البخور وخاصة دهن العود الذي اشتهرت به منطقة الخليج، هذه التجارة قديماً عماد وأساس الاقتصاد بين الشرق والغرب مروراً بجنوب شرق آسيا.

وكلمة «البخور» عند الصينيين تعرف باسم «شان شينانجّ» وقد لعبت الصين بصفة خاصة دوراً كبيراً في انتشار البخور، خاصة ما يعرف باسم «العود» إلى دول العالم كله.

والعود يتدرج في لونه وكثافته، وأصبح يندرج تحت 20 نوعاً يبدأ من الأغلى سعراً خمسين ألف دولار لكل كيلو غرام منه، وأحياناً أكثر من ذلك بكثير حسب العرض والطلب العالمي عليه.

وشجرة البخور «آكيلاريا»، لكل جزء منها عبق خاص وميزة متنوعة، ولكنها في مجملها من الجذور والساق والأغصان جميعها له عبق خاص حتى قبل تصنيعه، وتعمر شجرة البخور من خمسين عاماً وحتى مئتي عام، شجرة راسخة على امتداد تاريخ النباتات في المناطق التي تنبت فيها.

وهناك شجرة بخور مكثف العبق يزرع في اليمن والسعودية ومصر وبعض دول الشام غير الباردة المناخ، يعمر فقط لمدة خمس سنوات، لا يزيد ارتفاع الشجرة على خمسة أمتار، بينما الشجر المعمر يفوق ارتفاعه عشرين متراً.

ولكن هناك شجر بخور في جنوب شرق آسيا واليمن، يعرف باسم الشجر «المعتق» شجر البخور دائم الخضرة ينبت على أغصانه زهور بيضاء وهي رقيقة لها رائحة نفاذة تدخل أيضاً في صناعة منظومة البخور التي تحتوي على أجزاء من خشب الأشجار الذي يخلط في مراحل تصنيعه بالزهور.

وبخور العود، الأغلى ثمناً، عبارة عن خشب داكن ناتج عن عملية تحول الخشب الأبيض الرقيق في الشجرة إلى خشب داكن اللون يتدرج في ما بين البني بتدرجاته حتى الأسود منه، ويحتوي العود على دهن خاص وزيوت طيارة ذات عبق ورائحة مميزة تكونت على مدار السنين، ويتم استخلاصه على أيدي خبراء في صناعة البخور، بشق ساق وجذوع الشجرة وتشكيل أنفاق تحفر داخل خشب الأشجار.

ذلك باستخدام آلات حادة متخصصة منها اليدوي والكهربائي، وبطرق غاية في التخصص تبدأ عملية تصنيع البخور عامة ودهن العود بصفة خاصة في مراكز متخصصة، وينتشر دهن العود المصنع جاهزاً في منطقة دول مجلس التعاون، وهو من أغلى أنواع العود في العالم.

وهناك أسرار لهذه الصناعة وكيفية «فلترة» الخشب الذي يوضع على حطب مشتعل بعد تكسير الخشب وتلميعه، وتبدأ عملية احتراقه ببطء شديد، ويظل العود على اللهب لفترة ما بين سبعة إلى ستين يوماً تحت إشراف الخبراء في هذا المجال، وهذه المراحل تعرف باسم «التقطير والتركيز»، ولمعرفة جودة البخور بعد تصنيعه سواء أكان سائلاً أم على شكل دهون لزجة أو عيدان، يوضع قليل منها في ماء فاتر، فإذا طفى على السطح كان غير أصيل وإذا تركز في قاع الماء داخل كوب الاختبار كان أصيلاً مميزاً، وهو الأغلى ثمناً.

وبعد عملية التقطير هذه يضاف مسحوق خشب البخور والعود إليها مع إضافة نوع خاص من السكر يستخرج من «اللحاء»، ويوضع الناتج في قوالب خاصة على شكل دائرة، يعرف ذلك باسم «بخور المعمول» يضاف إليه عطر بخور تم تصنيعه من قبل لتركيز العبق القوي فيه، ويمكن تشكيله أيضاً على شكل كريم أو سائل أو عيدان أو مسحوق.

أما المتبقي من خشب البخور يصّنع منه السبح ذات العبق الجميل وهي منتشرة في المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج، ويصنع منه كذلك علب المجوهرات المعروفة بالتركي باسم «شكمجية».وتعتبر اليمن، حسب ما يطلق عليها، اسم «مملكة البخور»، حيث اشتهرت اليمن قديماً بتجارة البخور وبالقوافل التجارية التي كانت تسير قوافل التجارة بالبخور عبر رحلتي الشتاء والصيف .

والتي كانت تمر عن طريق صحراء «مأرب» و«شبوة» ثم «حضرموت» ثم تتوغل إلى داخل المدن في عدن وصنعاء، وما زالت آثار الطريق هذا، موجودة كأثر حتى يومنا هذا، مثلما تفرد اليمن بصنع البخور الأكثر تميزاً، وما زال يصنع بالطرق القديمة التي كانت يصنع بها ويعرف أسرارها الأجداد والآباء المتخصصون في هذه الصناعة ذات التميز العالي، وأجود أنواع البخور في اليمن هو البخور العدني وهو الأكثر تميزاً على الإطلاق، يليه البخور الحضرمي.

ولاستخدام البخور طقوس وعادات وتقاليد، تختلف من بلد لآخر على امتداد عالمنا العربي بصفة خاصة، ففي مصر يعتبر البخور أحد الطقوس اليومية في البيت المصري العريق الذي ترتبط جذوره بزمن جميل في مفرداته وطقوسه وما زالت «ست الحبايب»، الأم في مصر، تحضّر المبخرة التقليدية القديمة بعد صلاة العشاء، تضع فيها الفحم وعليه البخور الذي اشتهرت به منطقة الحسين وخان الخليلي.

حيث يباع فيها أجود أنواع البخور المصري والتي تقوم «ست الحبايب» بشرائه بنفسها من محل كانت جدتها من زبائنه، حيث تطلب «تحويجة» بخور خاصة لا يعلمها غيرها وصاحب المحل، وعندما تقوم ست الحبايب لصلاة الفجر، توقد منقد البخور وتطوف به في البيت قارئة المعوذتين والصمدية، يعقب ذلك التوجه إلى الله بالدعاء لأسرتها وأسرة أسرتها وللمسلمين الأحياء منهم والأموات.

وطلب الستر وحسن الخاتمة، ويدموعها تبلل وجنتيها، تضع البخور في ركن تحت لمبة «السهرايا»، وترتدي الملابس البيضاء استعداداً لصلاة الفجر، تأخذ المبخرة بجوارها وترتل القرآن يعقبه مرة أخرى الدعاء بالستر والصحة وهدوء البال.

وماذا بعد؟ لابد لزمن جميل أن يفرض حضوره وبقوة حالياً المفردات الأصيلة لا ينال منها الزمن وحتى وإن كان لاهثاً مجنوناً، تبدأ ست الحبايب، مثلما كانت تفعل «الست أمينة» بطلة نجيب محفوظ في الثلاثية، بتبخير حمام «سي السيد» مع الدعاء له بطول العمر والهدايا والرضا.

وماذا عن المناسبات الجميلة في مصر المحروسة وحكايتها العطرة مع البخور؟بعد طقوس الفجر، يبدأ اليوم بتحضير كل ما لذّ وطاب لإفطار شهي يجمع الأهل والحبايب، تبخر البيت كله وخاصة أكواب الشاي التي يصب فيها الشاي «المنقع» بعد الإفطار.تبخر المساجد في مصر قبل كل صلاة، وينثر ماء الورد في الأركان وعلى امتداد البساط المزركش الجميل.

في مقاهي خان الخليلي والمقاهي المتناثرة في القاهرة الفاطمية تنتشر رائحة البخور وخاصة في شهر الشهور.. شهر رمضان الكريم أيضاً تنتشر رائحة البخور في ساحات الذكر، وأماكن رقصة التنورة، فيكون التجسيد بين عبق البخور وروحانيات الذكر وجماليات رقصة التنورة التي يعرضها كبار المتخصصين في هذا الفن.

والذي شاهدناه في عبقرية وحضور آسر في فيلم «ألوان السماء السبعة» بطولة ليلة علوي وفاروق الفيشاوي وحسن مصطفى وسوسن بدر، حيث يدور الفيلم حول فكرة النقاء والسمو من خلال راقص التنورة الذي يلمس الأرض ويطير إلى السماء ونحن معه على دقات الدفوف وعبق البخور.

في الأفراح وليالي الملاح البخور تنثر رائحته حول العروس في ليلة الحناء، ويوم الزفاف. أما منطقة الخليج التي تتميز أسواقها بأجمل أنواع العطور التي تطيب بها النسوة ملابسهن، وينثر البخور في المنازل، وينتهي به الزيارات الاجتماعية كنوع من الطقوس وعادات وتقاليد المجتمعات الخليجية التي تهتم بكل الأصالة وتراثيات الماضي الجميل.

وماذا عن البخور وانتشاره ورموزه في الفن السابع في مصر؟

حضور عطري قوي ورائع، جسدته السينما في فيلم «السكاريا» لنجيب محفوظ، وفيلم «البيضة والحجر» لأحمد زكي ومعالي زايد، والعديد من الأفلام والدراما التليفزيونية، وأشهرها مسلسل «الحاج متولي» الذي كان «الصبيان» في محلاته يبخرون محلات القماش بعد أن تفتح كل صباح للتعطير وجلب الرزق وإبعاد الحسد. البحور بكل أنواعه ومناسباته المتعددة في عالمنا العربي، هو رمز لزمن جميل، البخور جزء من مفرداته وامتداد لعاداته وتقاليده وأيضاً معتقداته.