القلب حكاية تروى بشغف ولهفة.. فهو الإعجاز في الخلق. وحين ينبض تكون الحياة، وحين يتوقف يعلن الموت حضوره فيغيب الإنسان إلى عالم آخر، عالم الخلد والبقاء, وفيه لا تتوقف القلوب ولا تحزن بين الضلوع.
حين يطل الوليد من رحم أمه إطلالته الأولى على الدنيا.. دنياه هو، يُربت على ظهره بدقات خفيفة، فتكون أول صرخة للحضور، وأول نبضات قلب خارج الرحم، هنا فقط تحرر شهادة ميلاد جديدة لصغير يزيد تعداد العالم «بواحد».
منبع الحياة
القلب والحياة وجهان لعملة واحدة، ومن هنا كانت أهميته كركيزة للبقاء، ومن هنا أيضاً كان الإعجاز، فكيف ذلك؟
يزن القلب رطلاً ونصف الرطل (وحدة قياس). وكلما ينبض يرفع بالدم المحمل بالأوكسجين للجسم كله، من خلال العروق والشرايين، وإليه يصب الدم الذي يحتاج لإعادة تكرير، ويبقى في صمت وعضوية ينبض.. ويدفع بالحياة للجسم كله، ويحميه من العدم والموت.
ومن هنا كانت أهمية هذا العضو الساكن بين ضلوع الصدر في تجويف آمن تماماً، ومن هناك كانت أهمية الدرس الأول في كليات الطب ومعاهده. إن تشريح القلب يبدي كم هو غاية في إعجاز الخلق، إذ يتكون من أربع حجرات، وشرايين تختلف في السُمك، ومن أهمها على الإطلاق: شريان الأورطي.
إن القلب عضو حيوي، وحساس للغاية، فهو العضو كما يسميه أهل الطب والحكماء صاحب رد الفعل العضوي والطبيعي لما يلّم بالإنسان. ويبلغ عدد دقات القلب في الدقيقة الواحدة في الوضع العادي أو المحايد نفسياً وصحياً للإنسان البالغ 72 نبضة في الدقيقة الواحدة.
ويزداد عدد الدقات إلى 75 في الدقيقة الواحدة بالنسبة للسيدة الحامل، إذ يكون ضغط البطن على الصدر، أكبر من المعتاد، وأما دقات قلب الوليد والصغار حتى سن العامين فتكون سريعة نظرا لصغر حجم الجسم، ولسرعة الحركة وكثرتها، فتصل إلى معدل 76 نبضة في الدقيقة.
أنات قلبية
يتألم القلب في صمت ويذبل بين الضلوع، فيضيق التنفس ويمرض الإنسان، ولهذا التألم أعراض كثيرة ومتعددة ومختلفة من مرحلة عمرية إلى أخرى، ففي الصغر قد يتعب القلب نتيجة أعراض الحمى الروماتزمية التي تصيب الصغار بنسبة 10% تقريباً. وحسب إحصاءات الهيئة العامة لصحة القلب في بريطانيا أيضاً تضطرب نسب المعدلات الخاصة بدقات القلب ونسبة ضخ الدم خلافا للمعدلات الطبيعية للجسم، لأسباب كثيرة، منها عيب خلقي بالقلب، والأهم في ذلك وقوعها جراء وجود ثقب فيما بين الأذين والبطين:
«مجرات القلب» وذلك وفقاً لتشريح القلب طبياً. وهنا لابد من إجراء عملية جراحية بعد ثلاث سنوات من ولادة الصغير الذي يعاني من هذا العيب الخلقي. وبهذا يكون الطب حقق قفزة طبية للأمام، وهي المعروفة بعمليات القلب المفتوح، والتي بدأت للمرة الأولى في بريطانيا في أواخر الخمسينات من القرن الماضي.
ويعتبر دكتور بول سميث الطبيب الأول على مستوى العالم، وقتذاك، الذي غامر بمشرطه ليفتح القلب ويشفي الداء ويلملم الثقب، وذلك في مستشفى في وسط لندن: مستشفى «هامر سميث»، وترتبط التسمية باسم عائلة «سميث» التي يعمل معظم أفرادها في مجال طب القلوب.
يتأوه القلب راجياً، بأن يكف صاحبه عن تناول الدهون والشحوم، حتى لا يصاب بمرض الكولسترول والدهون الثلاثية «تراي غليسرايد» وهو الاسم العلمي لها، فهذه الدهون الصغيرة تترسب داخل جدران شرايين القلب وتتلفها، وفي هذه الحالة يحتاج الإنسان إلى عملية توسيع لهذه الشرايين.
وهي تعرف علمياً باسم «باي باس»، عندما تضيق شرايين القلب خاصة الرئيسية منها، يحدث عبء هائل للقلب، قد يؤدي إلى تضخمه، فتكون الأعراض كثيرة، ومنها: سرعة النبض وضيق في التنفس وغثيان والشعور الهائل بالوهن وتغيير في لون بشرة الوجه إلى الاحمرار الداكن.
ولكن القلب يعفو ويصفح عن صاحبه الشره لحب الدهون ويعود ليسكن آمناً بين الضلوع فينبض بالقدر الطبيعي، بعد أن يتعافى من العملية، وذلك بعد أسبوع على إجرائها.
ولأن للقلب مكانة خاصة جداً، مقارنة بكل أعضاء الجسم فهو يسمى تجاوزا العضو الــ«VIP»، لأنه إذا مرض وتألم لابد وأن يُسلّم الإنسان لكبار الأطباء من المشاهير في علاج القلوب، سواء بالجراحة أو العقاقير والراحة، ووضع المريض في حجرة خاصة جداً هي حجرة «العناية المركزة» intenseur ليكون القلب مسيطراً عليه تماماً عن طريق توصيله بأسلاك خاصة بأجهزة عالية التقنية ترصد حالة القلب على «الهواء مباشرة»، حسب الاصطلاح الإعلامي المعروف، لأن هذه الأجهزة تعمل بمجرد توصيل القلب بها عن طريق الأسلاك. وتظهر النتيجة على شاشات عالية التقنية وراء المريض ذي القلب المتوعك.
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة في الولايات المتحدة الأميركية أن سكان المدن المزدحمة، ذات التلوث البيئي والصوتي، تكون نسبة أمراض القلب فيها أعلى بنسبة 60% من ساكني الريف الخالي من التلوث البيئي والصوتي، والبعيد عن الضغوطات العصبية اليومية التي قد تطيح بصحة الإنسان، وخاصة بصحة القلب الذي يتنفس النقاء، بعيداً عن تعقيدات العواصم والمدن الكبرى.
لهب ونبضات
يضيق القلب بين الضلوع وتضيق الرئتان ذرعاً لدى مدمني التدخين، حيث يترسب النيكوتين فيهما فيحول دون التنفس الصحيح.. فيمرض المدخن ويطاح بحياته في لحظة فارقة قُدر له مفارقة الحياة وكف القلب عن النبض، معلناً الوفاة وسط ضبابية الدخان، ليس فقط دخان السجائر، وإنما أيضاً الأدخنة الصاعدة من عوادم السيارات والمصانع والمطلة من بين الأسلحة التي تنفث الأدخنة خلال الحروب والثورات والشغب، والخروج على الاعتدال المعروف في المجتمعات جميعها.
وإذا كان للقلب اختيار لاختار أن يعيش بين ضلوع إنسان واعٍ، يتنفس النقاء أثناء العدو الصباحي، يسيطر على أعصابه أثناء نوبات الغضب التي لا يخلو منها يوم، لا ينفث غضبه من خلال دخان السجائر والأرجيلة، يتوازن ليهدأ القلب وترتاح النفس، ولا يكون ذلك أبداً إلاّ بحكمة الإنسان الذي يحاول أن يمرر أيامه في سلام، وأن يطمئن بإرادة حكيم وفكر فيلسوف وحنكة طبيب.
إن العالم العربي مليء بأطباء القلوب وأدويتها، فهناك أطباء يخلصون القلب من شوائبه ومن جنون الإنسان، وينقسم أطباء القلوب إلى متخصصين في طب القلوب وآخرين متخصصين في جراحتها، وفي الطب النفسي الذي يعالج علل النفس والدماغ، والتي لا تقل خطورة على وظائف القلب، والذي يصيبه الهبوط الحاد أو السرعة الكبيرة في ضخ الدم، وبالتالي ارتفاع عدد دقاته في الدقيقة الواحدة.
ومن كبار أطباء العالم د. سميث البريطاني الذي يدرس تكنيك عمليات القلب التي يجريها. ويدرس في مستشفيات العالم كله ويوجد في عالمنا العربي، الدكتور الشهير دكتور مجدي يعقوب الذي ولد في عام 1935 في مدينة بلبيس في محافظة الشرقية في مصر. وبعد دراسته للطب والتخصص في جراحات القلب من القاهرة، حصل على درجة الزمالة الملكية في انجلترا في العام 1962، من ثلاث جامعات بريطانية، هي:
لندن وأدنبرة وغلاسكو. وعمل باحثاً في جامعة شيكاغو الأميركية في العام 1969. وعمل في مستشفيات عالمية. كما ترأس فيها أقسام القلب وجراحاته، ثم رئيساً لمؤسسة زراعة القلب في بريطانيا في العام 1987.
إن القلب، يبقى بمثابة الشاهد على الحب الأول في حياة الإنسان، يرق وتُسرع دقاته كلما طل الحبيب، وتعتلي وجه وقسمات الفتاة حمرة بسبب نسبة ضخ الدم، فتزداد الفتاة جمالاً، ويدق أيضاً دقات كطبول الحرب عندما يخفق الحب، ويضيق الصدر حسرة وندماً على الحبيب الضائع.
ويفرح القلب ويرقص، وبفرحه يزداد الإنسان قوة ودفعاً للأمام، فالقلب يذكر غدة صغيرة فوق الكلى لتفرز ما يعرف طبياً باسم الإدرينالين وهو هرمون يزيد من نشاط الإنسان، ومن هنا يطلق العلماء على القلب «المايسترو» والمخ «الرجل الحكيم»، معاً ينظمان حياة الإنسان ليستمر في مسيرة تتوقف بمشيئة الله.
فنون "القلب"
إن الحب والفنون يحركان القلب، والعديد من الأفلام العربية والأجنبية تتخذ من القلب موضوعاً أو رمزاً لها، مثل «رد قلبي» و«قلبي دليلي» و«حبيب القلب»، جميعاً تطل من زمن شموخ السينما المصرية. وكذلك اتخذ الطرب الجميل من القلب أغنية على عود فريد الأطرش فكانت «قلبي ومفتاحه» .
وللأعياد مع القلب قصص، فكان الفراعنة يحتفلون بعيد «براع دت» وهو عيد في اعتقادهم يؤلف القلوب ويزيد التزاوج في الربيع، وعيد «الفالنتاين» أو «عيد الحب» الذي يحتفل به العالم، ويهدي المحبون "الدبدوب" الأبيض الذي يحتضن قلبا أحمر متوهجا حباً، وزهوراً حمراء ترمز للحب والجمال معاً أيضاً. كما تصنع حلويات على شكل قلوب تتزاحم في محلات بيع الحلوى والفنادق.
منظومة للعشق
ان القلب والحب والعشق منظومة الإنسان في مسيرته، «عن العشق والهوى» و«لعبة الحب» و«قلوب حائرة» جميعها أفلام للقلب فيها البطولة وللرومانسية فيها معنى. والقلب رمز الحياة، يموت موتاً رمزياً في حالات الحزن والجفاء، يذبل داخل الضلوع وينزف دماً مع الدموع، يموت حين يموت الحنين، يموت بعدما مات الحنين وتوارت الأحلام خوفاً في القلوب بين أحزان السنين. فرفقاً بالقلوب.. هي الحياة وطيف العاشقين.