«متنزه نهر لندن»، مشروع عبارة عن فسحة خضراء عائمة على امتداد الضفة الشمالية لنهر التايمز، في العاصمة البريطانية، يمتد من جسر ميلينيوم وكاتدرائية سانت بول، وصولا إلى برج لندن وجسر البرج، ويربط بعض المواقع السياحية الرئيسية للمدينة التي تنقصها الفضاءات المفتوحة.
ولكن المشروع يقبع الآن، بين سندان حجج «قدرته على تحقيق سعادة الجمهور»، ومطرقة «اهدافه التجارية وقلة كفاءته». وذلك طبقا لما يطرحه متخصصون مخولون بتقديم آرائهم حوله. وبذا فإنه يتأرجح في النظرة اليه، بين قيمة السعادة المجتمعية والهدف الاستثماري.
يقام المشروع، والذي صممته شركة الهندسة المعمارية «غنسلر»، لمدة خمس سنوات، وبعد ذلك، يمكن إزالته في حال لم يرض أذواق الجمهور وهو يصنف من نمط معماري جديد في القرن 21 ،يدعى معمار «الفضاءات الزائفة» ، ولن يكلف المشروع دافعي الضرائب فلسا واحدا، حيث ستقوم شركة إدارة الأصول «فينوس» من سنغافورة، بدفع التكلفة الإجمالية، أي ما يوازي مبلغ 50 مليون جنيه إسترليني، واستثمرت الشركة 5 ملايين جنيه في تطوير الفكرة.
جدل
المشروع الجديد الذي يقام على غرار مشاريع تطوير أخرى نفذت بالفعل على ممتلكات عامة خلال العقود الماضية الأخيرة، يثير الجدل في بريطانيا، حيث يلقى استحسانا من قبل بعض السياسيين والمسؤولين الحكوميين، بما في ذلك عمدة لندن. ووصفه دانيال مويلان من مؤسسة «نقل لندن»: «يحسن عملية ربط المدينة، وتصميمه الرشيق يمكنه ان يجلب السعادة والفرح لمنطقة كانت مهملة سابقا».
ولكن جريدة الأوبزيرفر البريطانية، في تقرير حديث لها، طرحت جملة تساؤلات حيال مخططات المشروع وتصاميمه وأدوات تمويله، إلى جانب قضايا السلامة والجوانب الجمالية والاجتماعية والأمنية الكامنة في طياته، وركزت على الجوانب المتعلقة بالملكية الحقيقية لمثل هذه المشاريع، التي يجري تمويلها من قبل القطاع الخاص في إطار انتشار نوع خاص من أشكال تطوير الممتلكات العامة في القرن الواحد والعشرين.
ينتقد المتخصص في مجال المعمار وفنونه، روان مور، في تقرير الجريدة، أولا، الصورة التي يتم ترويجها للمشروع، بوصفه متنزها ينتمي إلى عالم قصص الخيال، تستطيع عامة الناس التنزه على ضفافه، اذ سيضفي استكمال تجهيزه خلال موسم صيف 2012، غنى على دورة الألعاب الأولمبية واحتفالات اليوبيل الماسي لتولي الملكة اليزابيث الثانية عرش بريطانيا.
وذلك عبر توفيره لموقع مثالي يتيح مشاهدة موكب من ألف مركب يعتزم تنظيمه لهذه المناسبة، اذ يجري تجسيده على أنه مشهد للوحة من لوحات المهرجانات المائية في سيرينسيما في البندقية قديما. ويتساءل مور عما إذا كانت التحسينات التجميلية للممتلكات العامة، تضيف جاذبية إلى الموقع فعلا، من دون أي تكلفة، كما يدعي مؤيدو المشروع. وبالمقابل، يقول جون نايلوز من شركة فينوس: إن الشركة تسعى لبناء المتنزه بشكل جميل، وأنها لهذا الغرض ضاعفت الميزانية للشركة المعمارية غنسلر.
«لا مجانية»
لا يرى مور وجبة مجانية في هذه الصفقة، كما تدعي شركة فينوس، فالشركة برأيه لا تقدم هذه المبالغ لزيادة الوعي بعلامتها التجارية، على الرغم من أن هذا يشكل عاملا لإقدامها على هذه الخطوة، وإنما الأساس هو في إيجاد موقع للاستثمار في داخل لندن، حيث تزمع الشركة جني الأموال من خلال تأجير أجنحة في المتنزه بمعدلات جزيلة للمناسبات والمعارض الخاصة بالشركات، وربما بيع فضاءات لشركات تلفزيونية خلال الألعاب الأولمبية، وهذا يعني ان المتنزه لن يكون فضاء عاما، كما تدعي الشركة،.
وإنما فضاء خاصا يسمح بدخول عامة الناس إليه، بناء على شروط وقيود محددين. ويعتبر مور أن هذه الفضاءات التي يحار المرء بين تسميتها عامة أو خاصة، ويطلق عليها تسمية «بابلويد» ليست سيئة على الدوام، فالمدن مؤلفة من أماكن على درجات من العمومية، بما في ذلك المتاحف والمطاعم والمسارح والمتاجر والمراكز التجارية وأنظمة المواصلات.
وكل من «كناري وارف» و«برودغايت» تم بناؤهما على مواقع لم يكن وصول عامة الناس إليها دون تقييد، وخاصة أحواض بالنسبة للأولى، ومحطة سكك حديد، بالنسبة للثانية، والآن تقدم لعامة الناس، اكثر مما كانت تفعل سابقا. ويتصور مور ان احتمال عقد صفقة مع القطاع الخاص، يمكن ان تجري فقط بعد أن يتضح بشكل لا جدال فيه، أن اللمسات العامة للمكان لا تجري المساومة عليها.
ولكنه يرى هذا الوضع بعيدا عن تصميمات غنسلر لمتنزه نهر لندن، حيث الطموح الهندسي وارتفاع الميزانية تم إغداقهما على الصفائح المعدنية ذات اللون الفضي. وهي ايضا حاوية للأجنحة المولدة للمال، في حين لم يقدم لعامة الناس سوى تصميم لساحة بابلويد، ذات مقاسات ومناظر عادية، وكذا بعض الأشجار والمقاعد المقبولة نوعيا، ودرابزون من معدن ستانليس ستيل، ووعود بوضع لوحات تفسر تاريخ المنطقة المحيطة.
تقارن «الأوبزيرفر» هذا المتنزه، مع مشروع هاي لاين في نيويورك، المصنوع من جسر سكة حديد قديمة، حيث تشير إلى تشابه المشروعين من ناحية شكل المساحة. ولكنها تجد أن جزءا كبيرا من نجاح هاي لاين، يتعلق بالزرع وتصميم الحدائق، وهو ما ينم عن ذكاء وخيال في الطريقة التي جرى بها تحويل بقايا موقع صناعي إلى مكان للترفيه، في حين لا يوجد أي دليل يشير إلى هذا المستوى من التعمق في التفكير، في تصاميم شركة غنسلر لمشروع متنزه نهر لندن.
وكذلك، لا يوجد ذاك الهزل الموجود في مشروع باريس بلاج، أي التحويل السنوي لمصارف نهر السين، إلى مسبح. أو بركة الماء العائمة التي أقيمت في كوبنهاغن، وأنه على الرغم من ان شركة غنسلر تشكل مكتبا هندسيا دوليا بحوالي 3 آلاف طاقم عمل، لا يوجد في محفظتها دليل قوي يشير إلى تلك اللمسة أو البراعة لابتكار مشروع على هذا المستوى.
وبدلا من ذلك، فإن تصميم المتنزه يقدم تحسينا طفيفا لضفة النهر، عدا عن اتساع الضفة والطابع الأكثر حميمية بالعلاقة مع المياه، فإنه في المقابل يفقد الناس ذلك الإحساس بالتجوال غير المقيد والتجمع، ليصبح هؤلاء اكثر وعيا بعملية البيع الجارية في الأجنحة، واكثر إدراكا لواقع أنهم في ساحة مدارة، ويسيطر عليها حراس بالزي الرسمي.
ويتفق معه في هذا، جون نايلور، من شركة فينوس، اذ يوضح انه سيكون المشروع على مثال عالم ديزني، فهناك إحساس بالأمان من أي اعتداء أو إزعاج من متشردين أو باعة، باستثناء بائعي الشركات في الأجنحة، الأمر الذي يدفع الناقد المعماري مور، إلى طرح تساؤلات حول حاجة سكان مدينة لندن إلى مثل هذه الحماية.
وفي الوقت الذي يشكل المتنزه جناح استقبال ضخما، في ممشى جميل في الأساس، يرى النقاد في تصميم الصفائح المعدنية ذات اللون الفضي، تطفلا على المباني الجليلة، مثل «اولد بيلينغايت ماركت». والمتنزه برأيهم لا يبدو ملائما للمناسبات التي يمكن ان تجري في داخله. وأما الغرض الوحيد الذي ينم عن هندسة المشروع، فيتمثل بحب الظهور، ويرجح انكشاف أسس المتنزه خلال فترات الجزر، وظهورها بمظهر غير جذاب عندما تنحسر المياه.
ولكن الناقد المعماري مور يرى في متنزه نهر لندن فكرة جيدة، إذا، حسب رايهو ستمثل «هاي لاين» بحريا، وهذا ما يتطلب تنفيذ الأمور بشكل مختلف. فإذا تم التمويل من خلال فرض ضريبة على الأعمال في المدينة، لن يبقى مجرد فرصة ربحية ترويجية لشركة واحدة. وإذا كانت هناك فترة زمنية أطول من هذا التدافع المجنون الجاري حاليا حتى صيف 2012، ربما قد تحظى تصاميمه بمزيد من الاهتمام الذي تستحقه.
وقد يكون من المفيد تراجع شركة غنسلر عن التصاميم التفصيلية، ودفع المشروع بالقوة والعزم المطلوبين لصالح ممارسات تشطح في التفكير إلى مستويات على غرار مشروع هاي لاين. ويمكن عند ذلك أن يظهر المتنزه العائم الجميل إلى الوجود، بشرط موافقة سلطة ميناء لندن.
لا تعفي «الأوبزيرفر» هذا المشروع، من جملة اشتراطات، اذ ترى وضوح غياب الدليل على وجود استعداد لمعالجة عدة قضايا، وإذا لم تتم معالجتها، فإن متنزه نهر لندن سيحوي مناسبات خاصة بشركات الأعمال الكبرى، بدلا من فعل أناس عاديين، ويفترض بالتالي أن ترفض «شركة لندن» المشروع، عندما يعرض عليها.