وراء الجمال والتجميل يلهث الإنسان، وكأنه يحتمي وراء ملامح ورتوش بالفرشاة واللون لإبراز كل ما هو جميل بالفطرة، ولكن وراء كل هذه الرتوش، وخفة الألوان هذه فن ودراسة وعادات وتقاليد شعوب العالم كله، فلكل شعب طريقة تجميل انتزعها من عادات الأجداد وصفحات تاريخ الفن في مجال التجميل، مع إضافات وتقنيات حديثة لا بد وأن تفرض حضورها القوي والجميل أيضاً.

 

رحلة مع تجميل الشعوب المختلفة، نبدأها معاً لنرى ـــ ليس فقط الجمال ـــ وإنما ثقافة تلك الشعوب وطريقتها في التجميل، وأيضاً غرائب هذا الفن الذي ينعكس على الوجوه.

من على ضفاف النهر الخالد ـــ نهر النيل ــــ الشاهد على التاريخ والحضارات، تكون البداية.

كيف كان يتجمل الفراعنة بناة الأهرام الذين تركوا من ورائهم بصمات غامضة يصعب فك أسرارها، ومنها كيف تجميل هؤلاء الذين لا تزال أطلالهم على العالم مدهشة.

نساء ورجال القدماء المصريين هي حكاية فن التجميل، ابتدعوه وتجملوا به، وظل ثابتاً على الوجوه حتى الآن دون أن تبهت الألوان وتتداخل الرتوش، فماذا كانوا يفعلون؟

من قاع النهر كانت البداية، يغوص الرجال في قاع النهر لاستخراج الطمي من المنبع، فهو طمي مغذ للبشرة ويحفظ لها طراوتها وينظفها من الشوائب العالقة بها، ويحميها من أشعة الشمس المتسللة عبر السحب، وهذا التكنيك الذي بدأ منذ سبعة آلاف عام تستخدمه صالونات ومعاهد التجميل العالمية حالياً..

في صناديق من الزجاج المحكم الإغلاق يعبأ طمي النهر عالي الخصوبة، به تبدأ العروس الفرعونية طقوس التجميل قبل العرس بأربعين يوماً.

سيدة تعرف باسم «بت فيهن» وهي كلمة فرعونية تعني فن التجميل على أيدي المتخصصات والمتخصصين من الرجال.

تؤخذ حفنة من المطي الخصب وتكتسي به العروس من الرأس للقدمين بعد إضافة مسحوق العنبر، ومسحوق الترمس (نبات فرعوني موجود حتى الآن، لسر خاصيته تنظيف البشرة)، تمكث العروس وفتيات أسرتها تحت تأثير طبقة الطمي ساعتين يومياً تحت أشعة الشمس المتسللة بعد الفجر مباشرة.

وقد توصل علماء الفراعنة إلى ان هذه الأشعة في بداية اليوم لها تأثير خاص وإيجابي على البشرة والشعر وبريق العيون، بعد ذلك تغتسل العروس بماء النهر جيداً على أن يكون موعدها مع قناع الطمي لجسدها كله في اليوم التالي مع أول شعاع شمس ناعسة لم تقو بعد.. ثم تتعرض العروس وفتيات أسرتها لعملية تدليك متخصصة للبشرة كلها، ويوم العرس تبدأ عملية التجميل الفرعونية..

بماء النهر المضاف إليه مسحوق أوراق الكافور الجافة تغتسل العروس ثم يبدأ تجميل العيون بالكحل الفرعوني المصنَّع من رماد الفحم المضاف إليه العنبر والحناء السوداء بمقادير لم يعلن عن نسبتها حتى اليوم، خط سميك نسبياً على الجفون العلوية والسفلية يلتقي في نهاية ركن العين الخارجي لإبراز اتساع العيون الفرعونية، يجف خلال دقائق تحت أشعة الشمس، ثم ينثر على المساحة .

فيما بين الجفن العلوي والحاجب برادة الذهب، وهذا التكنيك يستخدم في التجميل الحديث، ولكن باللون الذهبي المؤكسد يطل من ورائه عارضات الأزياء على المنصات الباريسية، ومن هنا تطل حضارة الفراعنة في مجال الماكياج والتجميل.

عناقيد الفل والياسمين ترسم على كفوف الفتيات باستخدام مسحوق الفضة المنقوع في ماء الورد المعتق وتزين به الأصابع وأيضاً الذراعان، وهو ما يعرف حالياً باسم «التاتو»، أيضاً مستوحى من المصريين القدماء، ولكن بتكنيك مختلف لا يرتقي للفن الفرعوني.

تنقع قشور الرمان وحباته المجففة تحت شمس صحراء مصر وتجمل بها الوجنتان وكأن شمس الغروب لفحتهما بمسحة جمال طبيعية، وأيضاً تصبح الشفتان بلون قشور الرمان الأحمر القاني.

بالذهب والفضة تكتسي العروس، وتزف لعريسها الذي تجمل بالطريقة ذاتها، ويبدأ مراسم عرس متفرد من نوعه.

والظريف أن كل هذه المراسم الجمالية تتم في حضور موسيقى فرعونية جميلة باستخدام آلات متطورة على أيدي كبار الموسيقيين الخارجين من تحت عباءة حضارة مصر القديمة، صور ملونة تسجل تظاهرة الجمال هذه لاتزال تعرض في المعابد الفرعونية، وتطير في كل الدنيا لتعرض في معارض ومتاحف الغرب الذي لم يتمكن أبداً من الوصول لأسرار تجميل الفراعنة.

وللتجميل لديهم وجه آخر، فكان المحاربون من الفراعنة يستخدمون الألوان الداكنة في مقدمتها اللون الأسود اللامع والأحمر الصادم، ليحدثوا صدمة في نفوس الأعداء، لأن هذا النوع من التجميل يلقي الرعب والخوف؛ مع المساحيق المرعبة وتستخدم سلاسل الذهب وأعواد الأبنوس في سترات المحارب أيضاً لدواعي إلقاء الرعب في نفوس الأعداء، فهو تجميل من ينتزع النصر.

وإذا قصدنا العمق الإفريقي في القارة السوداء، لوجدنا الضرائب أيضاً في مجال التجميل، فلكل قبيلة إفريقية قديمة أو حديثة تجميل خاص بها يعرف باسم «ناتال» وهو فن التجميل باللغة الإفريقية القديمة، بزيت الكافور وزيوت الياسمين تدهن البشرة لمدة عشرة أيام يومياً، حتى تكتسب اللمعان المعروف في وجوه نساء ورجال القبائل الإفريقية، ثم يبدأ الختان المخصص في هذا المجال «الجميل».

وباستخدام قلم خاص على وجنتي الفتيات والفتية ثم تزيينها بمسحوق العاج الإفريقي المعروف والمتخذ من عاج الفيلة الإفريقية الأشهر على الإطلاق على مستوى العالم. ثم تدهن الشفاه بالعنبر المنقوع في الزيوت الطبيعية لتأخذ اللون الداكن وينعكس في شكل أكثر غلظة، أما العيون فتجمل بالكحل المصنع من الرماد أيضاً؛ حول الأنف يُرسم خطين بالأدوات الخاصة بذلك لإبراز جماليات الأنف الإفريقي الشهير، ثم يرشق فيها حلقات صغيرة من الذهب، أما الأذن فتجمل بالخرز الفيروزي والعاجي بعد ضمه في خيوط الحرير، يبلغ طول القرط (الحلق) 25 سم في جماليات إفريقية متفردة الشعر الإفريقي الأبنوس المجعد، يصفف على شكل عشرات الجدايل المزينة بحلقات من الفيروز أيضاً..

والتكنيك الإفريقي هذا مستوحى حتى اليوم في الغرب يعرف باسم «آفريقا نوستايل»، ولكن بعد استبعاد كل ما هو غريب وعجيب فيه.

كبار «الماكيير» حول العالم والمتخصصين في الماكياج الخاص بالفن السابع غالباً ما يستوحون خطوط التجميل الإفريقية والفرعونية مع بعض اللمسات الحديثة، فنجد مثلاً الفيلم الحاصد لجوائز الأوسكار «بريت أوف ذي كاريبي» pirate of the carib;

ماكياج البطل مستوحى من الحضارة الإفريقية في مجال فن التجميل، فالكحل وتحديد العيون يفرض إطلالة صادقة لقرصان الكاريبي في المركب الشراعية العملاقة.

وتعكس أفلام المخرج العالمي ألفريد هيتشكوك نوعاً من الماكياج يثير الرهبة على امتداد الأفلام أهمها «نفوس معقدة»، حيث يبرز وجه الممثل شاحباً والعيون غائرة، وشعر أشعث يعكس إيحاءات النفس التائهة والشريرة معاً.

والفيلم الفرنسي الشهير «قصة حب» L histoire damour من إخراج المخرج الفرنسي «كلود ليلوش» يظهر فيه الأبطال بماكياج يعكس رومانسية الأحداث وطريقة الإخراج المتفردة، حيث يُصبغ كل مشهد بلون خاص يحاكي الموقف الدرامي للفيلم، فنجد البني الفاتح يجسد بجمال على شاشة العرض، ثم يتسلل معه الأخضر الباهت، ثم الذهبي المؤكسد.

وهنا يجسد المخرج والماكيير أنواعاً من الماكياج تحاكي هذا النوع من الإخراج الذي عرفت به واشتهرت به السينما الفرنسية، ويرتقي الجمال الحسي مع جماليات الموسيقى المصاحبة للأحداث، فيجد المتفرج نفسه منظومة جمالية مرئية وسمعية معاً.

أما السينما اليابانية الحديثة فلها ماكييرات خاصة جداً تظهر الوجوه بشكل يحاكي الحضارة اليابانية القديمة التي تعكس طرق ماكياج فتاة الجيش، التي يستخدم في تكنيك ماكياجها وتجميلها مسحوق اللؤلؤ وأنواع من البودرة وحمرة الشفاه التي ترسم بحرفية عالية بحيث يظهر الفم في حجم حبة الكرز الحمراء من فوقه يطل الوجه كله وكأنه قناة من البرسيلان الرخامي.

وهذه النوعية من الماكياج مازالت تستخدم في المناسبات الاحتفالية الكبيرة والرسمية، أما الشعر فيلملم في منتصف الرأس، يعرف هذا التصفيف باسم «شينيون جاباتيز» chinion japawis

طارت شهرتها في العالم من شرقه لغربه، فزينة بكلبسات فضية تشبه القلم الرصاصي.

وماذا عن التجميل في الحضارة والفن الصيني؟

حكاية جميلة.. غريبة تطل من وجوه الصينيات عبر التاريخ وحتى وقتنا الحاضر.

مسحوق قشور البيض تدخل في مساحيق الماكياج والتجميل على الطريقة الصينية، بالإضافة لمسحوق الكركم بنسب بسيطة، بهما تغطى بشرة الوجه والجسم كله وخط بالأسود يحدد العيون الصينية الغائرة في شكل اللوز، وشعر أبانوس ينسدل في أطوال مختلفة ونعومة وبريق بسبب حمامات زيوت الأسماك التي يتعرض لها الشعر أثناء المرحلة التحضيرية للماكياج، يظهر ذلك بوضوح في المناسبات الرسمية والأعراس، والسينما الصينية التي غزت العالم عن طريق التكنيك الإخراجي المميز اللافت للنقاد والمشاهدين معاً.

تضم موسيقى ترتفع وتنخفض حسب الأحداث والحبكة السينمائية جنباً إلى جنب مع متغيرات في طلة الممثلين متمثلة في تكنيك متخصص من الماكياج السينمائي الذي عرفت به السينما الصينية بشكل خاص. والماكياج السينمائي لا يقف عند حدود تجميل الوجه أو تقبيحه أو رسم خطوط خاصة بعمق الشخصية التي تنعكس فناً على شاشات العرض، وإنما أيضاً هناك نوع خاص جداً من الإضافات تظهر الجسم ممتلئاً أو نحيفاً، أو حتى مشوهاً، ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيلم «أحدب نوتردام» الذي تم إضافة نوع من إبراز العيون جاحظة، ليعكس كل ذلك شخصية مشوهة قبيحة، ولكنها تمتلئ بقلب محب.

بالكيوي وحليب جوز الهند المخلوطين بنسب خاصة تتجمل فتيات الكاريبي على امتداد شواطئ المحيط، وتطل المتخصصات في الماكياج من أكشاك ملونة ومعهن المساحين الطبيعية لتجميل السياح وسكان المكان على الطريقة الكاريبية القديمة.

 

التجميل في مصر

العيون الكحيلة والبشرة المخملية الخمرية والفم الذي تظهر الأسنان البيضاء فيه من خلال الابتسامة الفرحة على وجوه فتيات «بحري» في الإسكندرية وجمال «بنت البلد» المطلة من وراء المشربية في حي الحسين والقاهرة الفاطمية.. ماكياج مصري صميم، تخصص فيه كبار الماكييرات في السينما المصرية على امتداد تاريخها العريق.

فلكل نوع من الأفلام ماكياج خاص جداً يخدم الأحداث الدرامية المصحوبة بموسيقى تواكب الحدث. ويعتبر محمد عشوب أشهر ماكييرات مصر بصفة عامة وتجميل الفنانات في الأفلام المصرية بصفة خاصة. وللشخصيات التاريخية ماكياج خاص جداً في السينما المصرية يتقنه محمد عشوب ليعطي أبعاد عمق الشخصية التي تنعكس في شكل سينمائي معالج بالموسيقى التي تتناسب والأحداث.

وإذا كان الماكياج إضافة باللون والفرشاة والمساحيق المختلفة، فالسعي وراء التجميل يضرب في عمق النفس البشرية العاشقة بكل ما هو جميل ومتفرد ورائع، سواء في الواقع أو الفن بكل أنواعه.. فالجمال حكاية شعوب العالم كله.