إطلالة مختلفة: بريق، أناقة، نبرة صوت، لغة عيون، إيماءات هادئة معبرة عن ثقة عالية بالنفس. جميع هذا وأكثر له مردود إيجابي، وحضور طاغ لا يسع المحيطون إلاَّ الاستماع إلى هذه الشخصية، رجلاً كان أو امرأة، فصاحبها (كاريزمي) شخصيته متنوعة فريدة التكوين النفسي والمظهري، وكأنها جاءت من عالم الأساطير.. فهي في مجملها مؤثرة في كل من حولها، وذات قدرة هائلة على الإقناع بوجهات نظرها، عبر حديث واعٍ بصوت كأوتار العود، اذ تعلو نبرات بحسابْ وتخفض طوعاً لصاحبها، فكأن الصوت تقسيم وعزف منفرد له كل الأثر الجميل.
مجموعة من الصفات والمفردات ، تعكس ما يعرف في علم الاجتماع بالشخصية الكاريزمية، التي تخطف الأبصار وتشتت الاذان وتفتح معها العقول.. وتتسع العيون لها، وبالتالي هي شخصية متفردة.
وابتداء، ما الكاريزما وما مفهومها ومعناها في الثقافة وعلم الاجتماع؟ وايضا ما مدى تأثيرها في المجتمع بهياكله المختلفة، وماذا عن نماذجها من المشاهير الذين يتصفون بالكاريزما؟
(هبة من الخالق)
ال «كاريزما»، كلمة يونانية قديمة، معناها «هبة من الخالق» تنفرد بها بعض الشخصيات. وفي علم الاجتماع تعريفها، القدرة الفائقة على الحضور المميز والجاذبية الطاغية التي تطوع الحضور للاستماع إليها، لأن لها القدرة على التأثير على الآخرين ببساطة، فيرتبطون بها ــــ كرد فعل تلقائي ــــ عاطفياً وثقافياً، فهي لها السلطة والسحر في آن واحد. وهؤلاء «الكاريزميون»، بحسب خلق الله سبحانه وتعالى لهم بهذه الصفة، يتمكنون من أن يسكنوا القلوب ويبهروا العقول ويؤدوا في كل أعمالهم إلى النجاح الفائق في حياتهم الشخصية والعملية والاجتماعية؛ وبالتالي لهم القدرة على التغيير المتدرج في الأسرة والمجتمع والنظم السياسية بكل مفرداتها وتشابكاتها وكواليسها، وهؤلاء المميزون غالباً ما تلتقطهم السلطة للاستعانة بهم في التغيير للأفضل، في العديد من مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية البشرية.
وكثير من الكاريزميين تمكنوا من تغيير مسارات التاريخ والمجتمعات في كل المجالات، ابتداء من الدعوة في مجال الديانات، وفي مقدمة ذلك رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
رواد
وفي عصرنا الحديث، في مجال الدعوة، نقابل العديد من الشخصيات ذات التكوين الكاريزمي مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي، ممن يدخلون القلوب ويسكنون العقول ويصححون المسارات التائهة المتعرجة. وفي مجال السياسة يطل علينا الزعيم الكاريزمي في الشكل والمضمون، صاحب فكرة القومية العربية من المحيط إلى الخليج، الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي وحد دولة الإمارات على كلمة رجل واحد، فأصبحت صرحاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً. وكذا المهاتما غاندي، بكل حكمة الفلاسفة تمكن من تحرير بلاده وحفظ كرامتها، والعديد من الساسة ورجال الدولة في المجالات المختلفة نقلوا بلادهم نقلة نوعية باستخدام ما وهبهم الله سبحانه من مفردات شخصية مميزة، تصرف حديثاً باسم «الكاريزما». وإذا دخلنا دوائر الضوء في عالم الفن لوجدنا العديد من الكاريمزميين، من أمثال عمر الشريف ونور الشريف وعادل إمام وأحمد زكي وفاتن حمامة، وعميد المسرح يوسف بك وهبي، وأم كلثوم التي طوعت النغم فكانت كوكب الشرق بلا منافس، وأمينة رزق وحسين رياض وغيرهم المئات ممن تمكنوا من تطويع الشهرة ودوائر الضوء لهم. وعلى المستوى العالمي، غريغوري بل ومارلون براندو وهيوستن واليزابيث تيلور وأنطوني كوين وغيرهم الآلاف. ولكن ماذا عن الإعلام؟
هناك الاعلامي طارق حبيب، الذي يطوع ضيوفه على الاسترسال من دون عواصف، ومفيد فوزي، وأحمد المنصور ومحمود سعد، وأوبرا ونيفري، ولاري كينغ، والعشرات ممن يتصفون بكاريزما الحوار والسيطرة على الآخر.
سمات ونقاط قوة
ليس من السهل السيطرة على هذه الشخصية المتفردة، والتي لا تجد معها طريقاً لأساليب الترغيب أو الترهيب لتقبل بتغيير مبادئها وتطلعاتها، وهي شخصية ثاقبة لا تقبل أن تكون تابعة لأحد، فهي متحررة من كل قيود الانسياق والتبعية، واحترامها وتقديرها لذاتها هو سر من أسرار نجاحها، فهي شخصية قيادية، شكلاً وجوهراً، وغالباً ما تكون جماليات المظهر واللياقة البدنية والثقافة المتعمقة، مفاتيح لمثل هذه الشخصيات: جمال، وأناقة وفكر مستنير، وثقة لا تغيب. وملامح الوجه دائماً هادئة منبسطة بلا تكلُّف، ويوجد ابتسام مع عدم المبالغة، وصوت سهل التحكم من نبراته، علواً وانخفاضاً وعمقاً، وعدم استخدام لغة الجسد، بل السيطرة عليها من صفات هؤلاء الكاريزميين، لأنه كلما كانت لغة الجسد عالية، أوحت للآخر بقلة حيلة المتكلم، حيث يساعد ذاته بأساليب تطويع الجسد في الحوار.
وهناك سؤال يطرح نفسه، هنا: كيف يصبح الإنسان العادي كاريزمياً أو يصل لدرجة ما من مفردات هذه الشخصية؟
يقدم الدكتور «زاج زغلر» في كتابه «قمة الأداء»، بحثاً قامت به كل من مؤسسة «ستاندفورد» وجامعة «هارفارد» ومؤسسة «كاريندج»، يوضح أن 85% من أساليب الحصول على وظيفة ومن ثم الحفاظ عليها، مرتبط دائماً بمهارات الأشخاص ومعرفتهم وثقافتهم وكيفية التأثير على الآخرين، في فن الاتصال والتعامل وإدارة الحوار وتنفيذ النظريات في شتى المجالات، وتعديل الواقع، وبهذا بالإمكان أن ندرك أهمية الشخصية وتطوير قدراتها في التعامل مع المحيط الإنساني الواسع. ويضيف الكتاب، ان بعض المفكرين استطاع استخراج مجموعة من العوامل المكونة للشخصية الكاريزمية، وعلى الرغم من الإبهام المحيط بها، إلاّ أنه يمكن تحديد صفات تمكن الإنسان العادي من الوصول لجزء من مفردات الشخصية الكاريزمية بالاكتساب، وكيفية التوصل لذلك وردت في كتاب «قمة الأداء» لزغلر، ومنها:
البعد عن التقليد حتى لا تصنف بالشخصية التشخيصية، تنمية الثقة بالنفس، فن الاسترخاء يزيد من التعقل ومعالجة الأمور في كل المجالات، معالجة مسيطرة غير متسرعة للحصول على نتائج إيجابية، إظهار التعاطف مع الآخرين وتفهم لأبعاد شخصياتهم ومشاكلهم، التزامن بين قسمات الوجه ونوعية الحديث، التفكير العميق وعدم الاندفاع في الرأي وفرضه بقوة، التكلم بإيقاع منتظم حسب نوعية الحديث وهنا يدخل التحكم في نبرة الصوت وارتفاعه وانخفاضه، حسن الاستماع، وإشعار الآخر بأهمية ما يقول، وعدم مهاجمته.
صرح (كاريزمي)
يبقى السؤال الثابت والمحير في هذا السياق: كيف تطوع صفات الكاريزما في الحياة الخاصة والعامة لكل إنسان على حدة؟
إذا كانت الزوجة تتسم بالكاريزما فهي ضامنة لإنجاح علاقتها بزوجها وأولادها والمجتمع من حولها، فهي تعرف متى تتكلم ومتى تحتوي دون كلام، وتعرف بفهم ووعي، ماهية الحفاظ على الهدوء والمحبة في الأسرة، وأن تجبر الجميع على احترامها. وألاَّ تسمح بالتهاون في حقوقها وتصد بحزم وذكاء أي توجيهات في غير محلها لها، وتفهم تماماً كيف توقف أولادها عند حدودهم دون صدهم عنها، ومن هنا تكون هي الصرح لأنها صاحبة دوران الدفة في البيت، حتى وإن كانت امرأة عاملة، فالزوج ــــ كرجل ــــ معروف في علم النفس أن لا قدرة كافية له ، على الاحتواء أو وضع حلول يومية، ولكنه يدخر نفسه للشدائد، وبالتالي يكون موقعه اليومي خالياً، ولا يسد هذا الفراغ سوى زوجة كاريزمية صاحبة قرار يومي أو موسمي. وأما الزوج الكاريزمي فغالباً ما يوجه هذه الصفات المتفردة في مجال عمله فحسب، ومن هنا يتأرجح في ما بين الكمال الكاريزمي النسبي وعدمه. والأشخاص الكاريزميون في مشوار عمرهم يستمتعون بهذه الصفة، وأيضاً يستمتعون في مجالات مختلفة بأناس مثلهم ــــ فنجدهم يؤيدون الحكام والسياسيين من ذوي النزعة الكاريزمية، ويشاهدون التلفزيون عن طريق اختيار البرامج التي على رأسها إعلاميون كاريزميون في دوائر الضوء يتألقون، يفيدون ويفجرون قضايا ومحاور تفيد المجتمع، على المستوى الفني. ويصعب على لشخصيات الكاريزمية متابعة الفنون الهابطة، وهي تعجب بالممثلين ذوي الإطلالة الواثقة، مثل نور الشريف في العديد من أفلامه. وأيضاً يلتف هؤلاء حول مخرجين تركوا بصمة كاريزمية على أعمالهم مثل يوسف شاهين.
وفي مجال الغناء لا يستمتع الأشخاص الذين يتصفون بالكاريزما إلاَّ بالأصوات العميقة عمق الفكر، مثل أم كلثوم والسيدة فيروز.
ودائماً يبتعد الأشخاص الكاريزميون عن القضايا اليومية الاستهلاكية،ويركزون على كل ما هو كبير ومهم ومؤثر كقضايا الوطن، وتقدم العلوم والفنون وتربية النشء، وإصلاح المسارات التي خرجت عن المألوف، وبالتالي تكون اهتماماتهم كبيرة مصيرية، يلتفون حول كُتَّاب كبار تشغلهم قضايا وطن، من أمثال نجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، في العالم العربي والغربي، لأنهم يفجرون قضايا أمة ولا يبيعون الأحلام الرخيصة؛ فالأحلام الكبيرة يقوم بتحقيقها الفارس والناس والإرادة الكاريزمية، ومن هنا تكون الرؤية دائماً أوضح وأشمل وأكبر بكثير من الصغائر التي تستهلك حياة الإنسان الذي يعيش بفكر عشوائي مغترب غير قادر على الإصلاح والسمو بذاته ووطنه. ولتوجيه الفكر ليرتفع لتفكير كاريزمي لا بد من الدراية بكل مجريات الأمور، وألا يحبس الإنسان ذاته مكتفياً بمرور أيامه مرور الكرام، فالرؤية الشاملة والحلول الصائبة تصدر عن فكر مميز، وغالباً ما يتقلد هؤلاء الكاريزميون مناصب قيادية في مجالات السياسة والاقتصاد والفنون والعلوم والتنمية البشرية، ووجودهم يؤدي إلى مزيد من الإنتاجية الموجهة وجهة صحيحة، وتنمية أجيال تسير على الدرب والفكر نفسيهما، ومن هنا بداية النجاح والأمل في غدٍ أفضل وأناس واعدين. فالكاريزمي.. شخص خلقه الله سبحانه ليتبقى في الذاكرة، ويملأ القلب والوجدان بحب لا يفنى، ويسير إلى الدماغ فيكون الفكر الصائب.. وله بصمة خاصة، اذ يقود ذاته دوماً للنجاح وإنجاح الآخرين.
وترى.. هل نحن في حاجة لمزيد من هذه الشخصيات.. تبقى النهاية والإجابة مفتوحة دوماً!