تؤثر التقنيات الحديثة لتكنولوجيا الالعاب الموجهة إلى الطفل العصري في تشكيل خياله وما يسمى بالواقع الافتراضي ، فقد استطاعت العاب الفيديو التي طورت مؤخرا من تقنياتها ان تجنح مع خيال الطفل الى آفاق لا متناهية، ووفرت التقنية امام مصممي الالعاب والحكايات المصورة ذات الابعاد الثلاثية والتي تكاد تشابه الواقع وتتجاوزه كذلك, خيارات كبيرة وكثيرة جعلتهم يتماهون مع خيال الاطفال في خلق حكايات وشخصيات اسطورية.
اذا كان فيلم (افاتار) الذي حقق عرضه في انحاء العالم معدلات لم تصلها افلام سابقة كونه يعتمد تقنيات عالية في فنون (الكرافيك)، فان العاب الفيديو اعطت الاطفال مساحات واسعة للمغامرة والتعايش كذلك مع شخصيات اسطورية هي من نسج خيال مصمميها ومبتكريها، وصار اطفالنا يحفظون اسماءها ويقلدون حركاتها وسلوكياتها وبعضهم لديه قناعة تامة بأن هذه الشخصيات تعيش في مكان ما وان بامكانها ان تصل اليه، او ان يصل اليها هذا الطفل اذا ما حاول البحث عنها..
قبل التقنية، وحينما كان الاطفال يعيشون خيالاتهم مع ما يحيكه لهم الآباء والامهات عن شخصيات اسطورية في قصص ما قبل النوم، كان خيال الطفل وحده هو الذي يحاول ان يحدد ملامح تلك الشخصيات الاسطورية مع توفر بعض الشرح من رواة قصصها، وهم الآباء والامهات والجدات.
وهن بلا شك منابع تلك الحكايات التي ورثوها بدورهم ايضا عن آبائهم وجداتهم في دوره حياة الاسطورة وهي تتناقل من جيل الى جيل وفي كل مرة يضاف اليها قليلا من بهار الخيال الجديد، خيال ناقلها الاخير.. كانت مساحة التخييل عند الاطفال مفتوحة المدى كون ان تلك الشخوص الاسطورية او حكاياتها لا ترى رأي العين ولا تمس..اما التقنية التي وفرت العاب الفيديو ترافقها المؤثرات البصرية والسمعية، فقد جعلت من الخيال واقعا، وحينما نقلت التقنية تلك الشخوص الى مساحة اللعب.
ووفرت للاطفال مساحة للمشاركة، فان اطفال اليوم يستطيعون عبر مواصفات في اللعبة ذاتها، ان يختاروا سيف المحارب او رمحه، او بندقيته الآلية التي لا شبيه لها في الواقع، وبامكانهم ان يختاروا لبسه واكسسواراته، وايضا التحكم في قوته ومهاراته. صار طفل اليوم مساهما ومشاركا مباشرا في صناعة الشخصية الاسطورة في اللعب.
الا ان سؤالا واحدا قد يضع الفرق بين الشخصيات الاسطورية التي تنتجها احاديث وقصص الجدات وبين الشخصيات الاسطورية التي تسيطر على عقلية ومشاعر طفل اليوم.. فألعاب الفيديو برغم انها توفر مساحة لنمو مهارة التحكيم، الا ان هذه الالعاب تبدو قائمة على منطق اللعب من اجل اللعب، ولا تنتج خلاصة مهمة تغذي الروح والعقل، بل وتسهم في التربية..
هي مجرد ألعاب يقول عنها علماء نفسيون وتربيون تابعوا تأثير الالعاب الحديثة على طفل اليوم، انها مضرة في نهاية الامر، فهي تثير الاعصاب، وتعود على الكسل لسبب كثرة الجلوس الى جهاز الكمبيوتر او التلفاز، وهي تعود على الانعزال والتوحد، اضافة الى كونها تعود الطفل على العاب خطرة، فيها القتل والتدمير.
لكن هذا ايضا لا يمكنه ان يبرىء قصص واساطير الجدات بالرغم من ان اغلبها ينتهي بنصيحة وحكمة ويحذر من خطر، ويرسل اشارات تربوية واخلاقية الى مستمعيها من الاطفال.. فتلك القصص ايضا كانت تنطوي على الرعب والخوف، ولها من التأثير النفسي السالب ما لها.
البدايات
وحسب موقع الويكيبيديا فان تاريخ العاب الفيديو يعود الى العام 1947، حينما اخترع البروفيسور الأميركي توماس ت. جولدسميث الابن لعبة أطلق عليها "أداة أنبوب الأشعة المهبطية المسلية". العقد التالي شهد اختراع عدة ألعاب بسيطة مثل (نيمرود) سنة 1951 في بريطانيا، و OXO سنة 1952 بواسطة البروفيسور البريطاني ألكساندر س. دوغلاس، ولعبة (تنس فور تو) سنة 1958، ولعبة (سبيسور) سنة 1961 بواسطة معهد ماساتشوستس للتقنية. وأول لعبة اخترعت لغرض تجاري هي لعبة (الآركيد) كمبيوتر سبيس سنة 1971.
وقد كانت تعمل عن طريق وضع القطعة النقدية كما في بعض أجهزة الآركيد الحالية واحتوت على شاشة تلفزيون بدون ألوان، وفي نهاية الستينات ابتكر المخترع الأميركي ذو الأصول الألمانية رالف باير أول جهاز ألعاب فيديو (ماغنافوكس أوديسي) الذي أطلق في سنة 1972، وكان أول جهاز ألعاب فيديو يتصل بالتلفزيون لعرض الصور.
كانت تلك البدايات الاولى لألعاب الفيديو، حيث كانت اللعبة تعتمد على منطق التسلية والتحدي واختبار ذكاء ومهارات اللاعب في الملاحظة والادراك، وبذلك فان بدايات العاب الفيديو تبدو بريئة، مما هي عليه اليوم حينما تحولت الى العاب الحرب والقتل، بحيث يحقق اللاعب نقاطا كثيرة كلما امعن في القتل وكلما استخدم الاسلحة الفتاكة التي تتيحها خيارات اللعبة.
الاساطير الشعبية
لا يخلو مجتمع من ميثولوجيا يعتاش عليها خيال افراده، انتج جزء منها واستورد جزء اخر وتبادل تأثيرات اجزاء اخرى منها مع مجتمعات قريبة وبعيدة. وبعض علماء المثيلوجيا يشيرون الى ان الانسان انتج اساطيره منذ مغامرات العقل الاولى، ومن ثم راح يتبادلها واثناء هذا التبادل اتخذت اساطيرها اشكالا مختلفة ومتعددة لكنها في النهاية تستند الى الفكرة الاولى، او المغامرة الاولى..
لهذا فان قصص وحكايات قد تختلف فيها الاسماء واماكن وبيئات لكن حينما توضع في ميزان المقاربات يبدو واضحا انها من ذات المنبع، لهذا فان قصص واساطير كثيرة اليوم لم يستطع علماء الانثروبولجي ان يردوها الى موطنها الاصلي، كونها صارت مشاعا متوارثا منذ قديم الازل..
انتج الموروث الشعبي الاماراتي قصصا وشخصيات اسطورية مثله مثل بقية المجتمعات التي كانت للثقافة الشفاهية دورا في تكوينها، فيها شخصيات مرعبة ومخيفة، ولا تخلو ايضا من لمحات كوميدية، لكن في النهاية وراء يبدو واضحا ان وراء كل حصة او خرافة او شخصية سر له علاقة بالرمزية والقصدية التي تتكيء عليها تلك القصص، فقصص (بابا درياه) ابو البحر، ترسل اشارات الى ان البحر محفوف بالمخاطر.
ومنها الشخصية الغريبة والاسطورية والتي تظهر للبحارة في عرض البحر لاغراقهم وسرقة حاجياتهم، لهذا كان البحارة في الليالي الطويلة التي ينامون فيها على ظهور السفن، يعينون من يحرسهم، كي لا ينقض عليهم (بابا درياه) الذي يخرج من البحر عاريا ليقلب السفينة ويغرق البحارة ويسرق مؤونتهم..
ومن هذه القصة نرى انها تنطوي على دافع اليقظة، كما ان الجدات والامهات يحكينها للاطفال والصبية، لثنيهم عن الذهاب الى ساحل البحر ليلا والتسكع المتأخر على الشواطيء الخالية من الناس.. لكن الاسطورة في شخصية (بابا درياه) وكما تصفه الجدات، انه لا يموت حتى ولو تم تقطيعه الى وصل صغيرة ونثر قطعه على رؤوس الجبال، فهو يعاود تجميع نفسه ولو بعد مدة ليظهر من جديد.
(ام الدويس) شخصية ايضا عاشت في الخيال الافتراضي عند اجيال من الاطفال في المجتمع الاماراتي، امرأة تتحلى بجمال آخاذ وآسر، تفوح منها العطور والروائح، تغري الشباب المراهقين والرجال، وتظهر لهم في الازقة المظلمة لكن ما ان تستفرد بأحدهم حتى تقطعه الى نصفين برجليها اللتين تتحولان الى منشارين حادين.. كانت النساء تخيف الرجال بهذه الشخصية خشية من اغراء النساء وكذلك الصبية المراهقين..
وكثير ما كانت الجدات تروي قصصا مريعة عن هذه الشخصية التي كانت تثير الرعب في النفوس، ويصبح معها السير في الازقة المظلمة مخيفة، وكثيرا ما خلقت هذه الاسطورة قصصا لدى بعض الافراد الذين اجزموا انهم شاهدوها وتعرضوا لاغرائها.
على الجانب الآخر اوجدت الثقافة الشفاهية قصصا تنطوي على الحكمة وتهدف الى ارسال اشارات تربوية واخلاقية في المعاملة والتعامل ومن بينها خروفة بنت الزين معمر وخروفة بديحة بديحوه وخروفة الحطاب والحية وخروفة الغيص وخروفة الحاكم والإمام وخروفة الملك ابو القرون.
ينمو خيال الاطفال اليوم بواسطة تقنيات التكنولوجيا الحديثة، حيث هناك واقع افتراضي يعيشونه بعد ان كفت الجدات الحديثات عن رواياتهن، وبعدما تخلى الاباء وتخلت الامهات عن ممارسة تغذية الخيال لدى الاطفال. فقد استطاعت شركة سوني من اختراع لعبة (البلايستيشن) التي تحقق اليوم ارباحا بملايين الدولارات في انحاء العالم.
بحيث اصبح في كل بيت جهاز، وتبارى التقنيون ومصممو الالعاب على جذب نجوم السينما وكرة القدم وافلام الكرتون الى هذه الالعاب، لتكون الشخصيات الاسطورية التي يتماهى معها الطفل العصري. وكذلك فعلت لعبة (نوتيندو) التي تنافس البلايستيشن. فلعبة (سماكداون) تعتمد على الابطال الاسطوريين في لعبة المصارعة الحرة.
والتي تم تحويلها عن طريق تقنيات الانيميشن والابعاد الثلاثية الى شخصيات متحركة ومتكلمة ويسهل التحكم في هيئتها وقوتها وافعالها بواسطة اللاعب.. ومن امثال من جلبتهم هذه اللعبة من واقع المصارعة الحرة: جون سينا واندرتيكر وشون مايكل، تربل اتش، بيرفهارت، ومن ابطال التايكوندو والساموراي: نارتو وهونارتو وسوزوكي.
من السينما وكرة القدم
كما حولت العاب الفيديو منتخبات كرة القدم العالمية واشهر اللاعبين العالميين الى شخصيات اسطورية متوفرة ومن امثال هؤلاء: ميسي، مرادونا، رونالدينيو، كرستيانو وروني. وذهبت العاب الفيديو الى بيئة الحروب، فجلبت حرب افغانستان، وحرب العراق اليها.. وانتجت العاب مثل (وورد اوف ور كرافت) و (كول اوف ديوتي) وهي العاب تعتمد على ان يظهر اللاعب فيها تماهيا مع اساليب القتل والتفجير والقضاء على العدو باستخدام الاسلحة الفتاكة.
واتكأت العاب الفيديو كذلك على عالم السينما، واشهر النجوم الذين حققوا انتشارا (ذا هالك).. وهو انسان يتحول الى كائن ضخم اخضر وسبايدر مان..والرجل العنكبوت والرجل الوطواط وسوبرمان.
يعيش طفل اليوم، الطفل العصري مع هذه الشخصيات، والتي تتأسطر في مخيلته ويعتبرها الاقوى والادهش، والشخصيات المثيرة لخياله، وقد كانت هناك وحول العالم العديد من الحوادث التي راح ضحيتها اطفال وصبية نتيجة تأثير الافعال الخارقة لهذه الشخصيات الاسطورية الحديثة، فحول العالم كانت هناك جرائم ارتكبها اطفال ضد اطفال اخرين بسبب التقليد، وحول العالم كانت هناك حوادث قتل حينما حاول اطفال تقليد الطيران من مرتفعات عالية، وغيرها من الحوادث، وهذا يدل على مدى تماهي الطفل العصري بشخصيات اسطورية يتعايش معها ويستلهما.
واذا كانت المقاربة بين الشخصيات الاسطورية التي انتجتها قصص الموروث الشعبي والشخصيات الاسطورية التي انتجتها شركات العاب الفيديو لا تنعقد الا من حيث انها جميعها من توليد الخيال، الا ان الشخصيات الاسطورية التي ولدتها خرافات وحكايات الجدات، تبدو اقل تأثيرا في الضرر، وتستند على الاقل على رمزية ثقافية مرتبطة بالوعي الجمعي ورسائله في التربية والتوجيه والحماية من المخاطر.. ومع ان هذه المقاربة ستبدو مجحفة في حال كانت في محل قياس في السوء والافضلية.
فان الانسان العصري بات واضحا انه تخلى عن خياله الادبي لصالح خياله المتكيء على التقنيات الحديثة، واذا كنا نقول ان الانسان العصري صار اسيرا للآلة، فان الشخصيات والحكايا الاسطورية صارت هي الاخرى اسيرة لمحددات هذه التقنية وهذه الآلة.. فهل تنتج العاب الفيديو فلسفة عصرية في نهاية المطاف؟ ام حكايا الجدات واساطير الموروث الشعبي ستبقى معتقة وقابلة للبعث في كل حين؟.