فرحة تحيطها الشموع والزهور والدفوف، في الخيال نُسجت تفاصيلها منذ شبّت الصغيرة ذات الجدائل الأبنوسية التي تغازل خصرها المكتنز، فستان أبيض وطرحة تُللى وعريس جاء من الأساطير ليخطب جميلة الجميلات التي زادت حمرة وجنتيها خجلاً، فزادتها جمالاً على جمال..
»دقوا المزاهر يا ماشالله عليها«.. »نازلة الأدراج والشموع حولها« كلمات ونغم وموسيقى طارت فرحاً من زمن جميل لتحيي ليلة العمر.. أم العروسة ودموع الفرح في عيونها، تنثر الملح وقطعا نقدية بلون الذهب، وتنثر الأرز والقمح تيمناً بالرخاء والنعم.. مشهد من الفرح في ليلة العمر.. ليلة الزفاف بنكهة زهور الياسمين والقرنفل والبنفسج.
«أم العروسة، فاضية ومشغولة».. هكذا يقول المثل المصري الشهير، تشرف بنفسها على كل شيء من تحضير ابنتها وليلة الحناء التي تستمر ليلة كاملة تتحنى فيها العروس على يد حنانة متخصصة، قامت بتحنية بنات العيلة منذ أكثر من خمسين سنة، ومازالت تتقن هذه المهنة التي لا تبوح فيها الحنانة بأسرارها.
ولكنها لا بد وأن تساير الزمن الجديد بكل شطحاته، لأنها وجدت نفسها فيه، رضخت لأوامره ومتطلبات بناته في ليلة الحناء، فاختلف الوضع قليلاً «التاتو»، تتقنه الحنانة الآتية من زمن مختلف.. برعت فيه وتألقت.
أغاني زفاف وزغاريد وتعليقات جميلة تقع في سمع بنات العيلة، دعاء من القلب لا يصمت ولو للحظة من تدعو أم العروس لبنتها.. والأب ما عليه سوى تلبية كل المطالب، فهو أيضاً ينتظر فرحة عمره بابنته التي كبرت في غفلة منه، الوصايا العشر يوصي بها الأب للعريس، بأن يضع سليلة الحسب والنسب وربما البنت «الحيلة» في عيونه.. «هي في عناية يا عمي».
هكذا يطمئن العريس الأنيق والد العروس ويتركه في عجالة.. لأن الزفة بدأت.. فيها تتهادى الجميلة ممسكة بذراع زوجها الذي لا يقل جمالاً وأناقة عنها.
وماذا عن ريف مصر في ليلة العمر؟.. عادات وتقاليد تبدو غريبة للوهلة الأولى، فالعروس تتحضر لليلة الزفاف خلال أربعين يوماً حتى تزف غالباً لابن عمها أو أحد أقاربها وسط مشهد يخطف القلوب والأبصار لمن لا يعرفون هذه العادات والتقاليد في الريف المصري وصعيد مصر.
خلال مراسم كتب الكتاب التي يؤديها مأذون البلدة والذي زوج كل بنات الضاحية ـــ خلال هذه المراسم ـــ يذبح عجل سمين على عتبة باب بيت العروس، وعليها أن تخطو عليه حتى لا ينقطع الرزق من حياتها، ثم يفتح المصحف الكريم على رأسها كناية عن هداية سرّها مع زوجها، والخضرة توضع في سطل كبير بدماء وقطرات من ماء الورد حتى تكون حياتها جميلة لا يعكر صفوها شيء، أما العريس فلا بد وأن يطوي كفيه على حفنة من القطع النقدية الفضية حتى لا يفارقه الرزق أبداً، وعليه أيضاً أن يخطو خطوات فوق العجل فور ذبحه، كناية عن استمرارية المقدرة الزوجية!..
أعيرة نارية تطلق من بنادق في كل مكان إعلاناً بفرح ست الكل، تسير العروس وعريسها وسط رجال البلدة الذين يحملون المشاعل والنسوة تزغرد وتصفق، ويوزعون اللحم والأرز داخل الخبز المصري على كل بيوت البلدة، وأم العروس تنثر المسك والريحان أمام ابنتها ودموع الفرح تختلط بابتسامتها.
خروف وأرز وحمام محشي وفطير مشلتت وعسل وقشدة وحليب «صابح» وفواكه وحلويات تحملها البنات في صوانٍ نحاسية كبيرة مغطاة بقماش التُل لتضعها في حجرة نوم العروسين.. وتبدأ ليلة العمر بالحب والمودة ووعود كل من العروسين للآخر بأن يكون مِلْك يديه وفي قلبه وعيونه.. هكذا هي البداية.
في سوريا.. عادات جميلة في ليلة العرس، تجميل العروس يبدأ قبل ليلة الفرح بأسبوع، وأم العروس أيضاً «فاضية ومشغولة»، رائحة ماء الورد والفانيلا تملأ المكان في صحن المنزل السوري التقليدي رائع التصميم المتفرّد في جمالياته.
تتهادى العروس وزوجها وسط شباب وشابات العيلة، أما الشباب «الأباضايات» هكذا يقول السوري، فالقاباضاي كناية عن الشهامة والرجولة، يرقصون الدبكة السورية أمام موكب الزفة والنسوة تزغرد وتدعو بالفرح والسعادة.
كل أنواع الكبة السورية الشهيرة والمقبلات المتفردة والقوزي والمشاوي والمعمول والبرازق السورية ترص على صوانٍ نحاسية في بيت العروس الذي غالباً ما يكون على الطراز السوري الجميل.. وصايا عشر تهمس بها الأم لابنتها ليلة فرحها، تنفذها الابنة حرفياً فتكون زوجة مثالية بحق كما هو معروف عن سيدات سوريا في مختلف مدنها.
في الإمارات ودول الخليج أعراس مختلفة تتأرجح ما بين التقليدية التراثية الجميلة التي تأخذ شكل تجميل العروس بالحناء وماء الورد وارتدائها للزي الإماراتي المتفرد في جماله والمطرز بخيوطه من الفضة، كُحل عربي يزيد من عيون العروس الواسعة، ذهب خالص يهديه العريس لعروسته، يبدأ من الرأس حتى القدمين كناية عن تقدير أهل العريس للعروس وأسرتها..
زغاريد وأغان تراثية تملأ المكان.. ذبائح وثريد ولقيمات وأرز بالحليب وحلويات تسبق العروس لمنزلها بعد إقامة ولائم فخمة تستمر ثلاثة أيام.
وفي العديد من دول شمال إفريقيا تختلف المراسم نسبياً، ففي المغرب وتونس والجزائر يقام العرس على مدار سبعة أيام، تتحضر فيها العروس ابتداء من الحمام المغربي الشهير ودهن جسدها كله بماء الورد وأريج البنفسج البري حتى يوم الزفاف الذي تتألق فيه العروس بالزينة والجمال، ومن عادات بلاد شمال إفريقيا أن العروس ترتدي ثلاثة فساتين في ليلة الزفاف، أما العريس فيرتدي الملابس الشعبية ويحمل في سلة عملاقة على الأكتاف ويزف لعروسه.
رقصات التنورة تسبق الزفة مثلما يحدث في دول الشام.. الكسكسي المغربي وحلويات راحة الحلقوم لها الحضور القوي، أوراق الريحان تنثر أمام الزفة وكأنها بساط أخضر تتهاوى عليه العروس وزوجها.
غرائب تلف المكان وتأخذ أشكالاً غريبة في ليلة العمر، فمثلاً في اليابان تتجمل العروس بمكياج يشبه مكياج فتيات «الجيشا» ويتحول شكل وجه العروس وكأنه رسم على البورسلين.. حبكة وجمال في إطار تقليدي قديم في كل مدن اليابان.. برادة اللؤلؤ تدخل ضمن مساحيق التجمل.. يبدأ العرس بأن يقرأ العروسان عقد زواجهما على الملأ أمام كل المدعوين.
ويتقدم العروسان طيور «البنجوين» المدربة لهذه المناسبات، فتأخذ ترفرف بأجنحتها وكأنها تشارك العروسين فرحة العمر، ولأن ألوان البنجوين بالأسود والأبيض تعكس شكل البدلة التي يرتديها العريس، وفي نهاية قراءة عقد الزواج يكافئ العروسان طيور البنجوين بتقديم سمكتين صغيرتين في فم الطيور، فتزداد رفرفة أجنحتها سرعة.
ولوحة زفاف أخرى يابانية تأخذ الشكل الأسطوري داخل سيارة فارهة لا تظهر معالمها، لأن كل أنواع الزهور تكسوها بألوان متدرجة كألوان قوس قزح، فالعروس يطرز فستانها بالزهور الطبيعية أيضاً، ويحمل العريس أندر أنواع الزهور.. تسير السيارة ببطء أمام الحضور في أنحاء البلدة أو المدينة وسط مشهد رائع يحضره السياح ويسجلونه بكاميرات الفيديو.
والفرح أو العرس الياباني من المعالم أو المشاهد السياحية التي ينتظرها السياح ويتعرفون على موعدها من إدارة الفندق الذي يقيمون فيه، ومن أشهر أنواع الزفاف التي خطفت الأبصار مشهد العروسين داخل سيارة مفتوحة أمام «شاليه» (بيت صغير) هو بيت الزوجية يعرف باسم «ناجانو» وهو اسم الجبل في مقاطعة يابانية جميلة استضافت أولمبياد «شتاء 1998» في مشهد سياحي لم يسبقه مثيل.
والعروس اليابانية تتعامل مع زوجها بالعادات والتقاليد اليابانية التراثية التي تصب جميعها في طاعة الزوج. مشهد ياباني غريب أيضاً، وهو إقامة العرس على شاطئ إحدى البحيرات اليابانية.
منتهياً بأن يسير العروسان لمنزلهما في قارب مزين بالزهور والريش الملون، يحيطهما بالعديد من الأمتعة التي يصحبانها معهما لمنزلهما الذي غالباً ما يكون أيضاً على ضفاف البحيرات التي ينبت فيها زهور نادرة على الزوجة أن تقدم بعضا منها لزوجها طوال حياتهما.. ويطلق على غرابة هذا المشهد الذي يستمر طوال حياتهما «زواج الزهور البرية».
وفي الكاريبي، يقام العرس تحت أشجار الموز والمانجو وجوز الهند على امتداد شواطئ الكاريبي المتعرجة في جمال طبيعي نادر، وكأنه لوحة طبيعية تطل من الواقع الذي لا يملك الإنسان أمامه سوى التسبيح بعظمة الخالق، ويبدأ شباب الأسرتين من البنات والفتيان من هز الأشجار لتتساقط الثمار حول العروسين.
فكلما زاد عدد الثمار من المانجو والموز وجوز الهند يكون ذلك كناية عن الثراء المنتظر لحياتهما الزوجية.. ومن المشاهد المعروفة بأن الببغاوات الملونة البرية تملأ أغصان الأشجار فيكتمل المشهد غرابة وجمالاً معاً.
وفي بعض جزر الكاريبي تقام ليلة العرس فوق جزيرة وسط المحيط، وعلى العروسين أن يتقدما موكب ليلة الزفاف داخل قارب يمتلئ بالفواكه والزهور والطيور، يشقون مياه المحيط ليستقبلهما الأهل فوق جزيرة مُهِّدت لإقامة الأعراس، أما على الشاطئ فيقف المدعوون بأزياء ملونة بتدرجات الأزرق والعاجي والأحمر، فينتظرون قوارب أخرى توصلهم لجزيرة الأحلام، كما يطلق عليها سكان المكان الذي تشارك الطبيعة فيه فرحة العروسين.
عقود الياسمين والفُل وحبات البندق والكاستانيا تنثر على العروسين في جزر الفلبين، ولا بد للعريس بأن يتلقّف أكبر عدد من العقود الزهرية ليقدمها لزوجته خلال حفل الزفاف، وعليها بدورها التقاط حبات البندق والكاستانيا (أبو فروة) لتقدمها لزوجها كناية عن أنها ستقوم بخدمته طوال العمر، وأنه بدوره سيجمل حياتها بكل ما هو جميل ونفيس ورائع.
ومن غرائب ليلة العمر، تشهدها مدينة ميريلاند الأميركية، أن أحد كبار الطهاة العالميين يقوم بعمل كيكة العرس لتأخذ أشكالاً غريبة، من أشهر ما قام به الشيف «جولدمان» المتخصص في غرائب تورتة العرس، عمل تورتة من مائة وخمسين طابقاً، وكأنها ترمز لناطحات السحاب الأميركية ينقلها الشيف في سيارة عملاقة مجهزة لهذا الغرض ليوصلها إلى الفندق الذي يتعامل معه متخصصون أيضاً في هذا المجال.
وما على العروسين سوى تسلق السلالم الحلزونية في قاعة الزفاف ليتمكنا من قطع التورتة عند الطابق المئة والخمسين وسط تصفيق وتشجيع هائلين، يكون بصحبتهما الشيف الذي صمم هذا البناء «الحلو» من الشوكولاتة والزهور، وعليه توصيل ناطحة السحاب هذه إلى منزل العروسين ليقدما منها يومياً لكل من يذهب لتهنئتهما.. شطحة أميركية بمذاق الشوكولاتة.
وإذا كانت هناك عادات وتقاليد غريبة بين الشعوب للاحتفال بليلة الزفاف، فإن الفرحة واحدة تخرج من القلب ومن تحت عباءة عادات وتقاليد شعوب مازالت تنتظر معنى الفرح برغم غياب الضحكات التي تشق الفضاء.. ربما لظروف تدعو للدموع ولكن دموع الفرح سيكون لها دائما الغلبة.. فالفرح له وبه يحيا الإنسان في أي مكان.