إلتقى الاسبوع الماضي سياسيون أميركيون وأقارب لضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وسط بستان من الأشجار في أرض الموقع (غراوند زيرو)، وذلك إحياء لمرور 10 سنوات على سقوط البرجين التوأم لمركز التجارة العالمي.
وسوف تبدأ المياه بالتدفق في شلالين كبيرين، كل منهما يحتل موقع إحدى ساحتي البرجين، وسيكون هناك شريط برونزي يحيط بالشلالين حفرت عليه أسماء الذين قتلوا في الهجمات بما في ذلك أسماء الذين سقطوا في البنتاغون، ورحلة الطيران 93 التي سقطت في حقل فوق بنسلفانيا، فالموقع سيمثل نصبا تذكاريا أميركيا وطنيا للحادي عشر من سبتمبر، وليس لولاية نيويورك فقط.
تفيد صحيفة (أوبزرفر) البريطانية، في تقرير حديث، أنه على الرغم من توقع انفاق مليارات من الأموال العامة على موقع (غرواندزيرو) الذي يقام فيه مشروع لتخليد أحداث 11 سبتمبر، فإن الشعب الأميركي لديه رغبة في تكريم ضحايا الحادثة، وأنه قد تم إنجاز حوالي ثلث مجمل عملية إعادة البناء تحت ضغط السياسيين.
وكان العمل على مركز التجارة العالمي رقم 7 بعمارته البسيطة نسبيا، قد انتهى في 2006، ويمكن الآن رؤية البستان وموقعي الشلالين بين الحفر والرافعات من المباني المجاورة، حيث يجري أيضا بناء أربع ناطحات سحاب ومحطة قطار ومتحف ومساحات تجارية على مسافة 550الف قدم مربع أيضا.
وتفيد الصحيفة أن جدلا مكثفا بشأن هندسة الموقع كان قائما طوال العقد الماضي، فأقارب الضحايا كانت لهم وجهة نظر تختلف عن أولئك القاطنين قرب الموقع، الذين لا يؤيدون تحويل المنطقة إلى مزار للكارثة، كما كان هناك شعور بالغضب والتحدي ممزوجا برغبة في إعادة البرجين إلى موقعهما.
وبناء على ذلك، شعر المهندسون المعماريون أنهم في وسط المعمعة، لا سيما في ظل وجود فرصة فريدة لأكبر لجنة معمارية في التاريخ، لإعادة تشكيل 16 فدانا في مانهاتن.
وكان حاكم ولاية نيويورك جورج باتاكي قد اختار المهندس المعماري دانيال ليبسكايند لتصميم الموقع، وهذا الأخير وضع ضمن مخططاته بناء أعلى مبنى في العالم، وكان سيطلق عليه "فريدوم تاور". لكن المطور لاري سيلفرستاين الذي كان قد وقع عقد إيجار طويل الأمد للبرجين في صيف 2001، رغب في إشراك مهندسيه في تصميم المباني، وقام بتوظيف شركة "أس أو أم"، لإعادة بناء 10 ملايين قدم مربع من مساحة المكاتب المدمرة، كما ينص عقد إيجاره.
رمز وعقار تجاري
وترى الصحيفة ان النزاع القائم بين ليبسكايند وشركة "أس أو أم" يشكل السمة البارزة للمكان، ففي حين أراد ليبسكايند ل "فريدوم تاور" شكلا ديناميكيا غير متناسق، حولته شركة "أس أو أم" إلى مسلة متسقة الشكل اقتداء ب"نصب واشنطن دي سي"، وأعادت تسميته بمركز التجارة العالمي رقم 1، وكان سيلفرستاين قد رفض بناء البرج لارتفاع كلفته، فقامت سلطة ميناء نيويورك ونيوجرسي، وهي مالكة الموقع، بتخصيص أموال لبناء البرج.
ويرى الناقد المعماري روان مور أن مكمن التناقض في البناء يتمحور حول تمثيله رمزا ومجمعا تجاريا في الوقت نفسه، والرمزان هما ساحتا النصب التذكاري، الواقعتين في مقدمة البرج في ساحة عامة بمساحة ثمانية فدادين حيث يقع بستان مؤلف من 415 شجرة ؛ وكان قد فاز بمنافسة تصميم النصب التذكاري للموقع، المهندس المعماري مايكل أراد، وحقق ذلك بالشراكة مع مهندس المناظر الطبيعية المعروف بيتر ووكر.
وتقول صحيفة (أوبزرفر) إن أراد كان قد قام بهندسة ساحتين في نهر هدسون يخترقان سطح المياه بفراغات لا تملؤها المياه، فعدل فكرته لتلائم موقع "جراوند زيرو"، كما عمل في مشروعه على وضع النصب في ساحة عامة مفتوحة ومسطحة، لأنه رأى الساحات العامة مكانا للالتقاء، وقد اطلق على مخططه تسمية (انعكاس الغياب).
أما ووكر فكان مخططه يتضمن الحفاظ على تسطيح الساحة وانفتاحها، دون ان تبدو خالية وقاحلة، باعتماده أشجاراً تم اختيارها ورعايتها، حتى تكون جميعها بالحجم نفسه.
ويقول مور إن المهندسين كانا بحاجة إلى إيجاد النوع المناسب من المقاعد، حيث بدت مقاعد الحدائق العامة والألواح المستطيلة غير ملائمة " وكأنها تقع فوق رفات الموتى؟" مما أوجب إعطاءها أبعادا مختلفة في سبيل جعلها تبدو أقل شبها بالقبور.
كما استغرق الاتفاق على كيفية تجسيد أسماء الضحايا سنوات عدة، بما في ذلك أسماء الأشخاص الستة الذي قضوا في هجمات مركز التجارة العالمي عام 1993. واتفق على ترتيبها بحسب التجمعات، من كان في أي برج ومن كان على الأرض وفي أي طائرة وفي موقع البنتاغون. ودعي الأقارب للإدلاء برأيهم، حيث كانت لهم مطالبات بوضع أسماء بعض الضحايا معا.
وتوجد في الموقع ساحتان، وكل ساحة مسافة كل جهة من جهاتها الأربعة حوالي 200 قدم، أما الشلالات، فطولها الإجمالي ثلث ميل، وتتساقط المياه 30 قدما قبل ان تنهمر 30 قدما إضافية في فجوة أصغر مربعة في الوسط، إلى مستوى حجر الأساس تحت الموقع.
وقد تم إنشاء متحف تحت الساحة العامة بمساحة قدرها 100 الف قدم مربع، عبارة عن ساحات للعرض تتضمن سيارات وشاحنات إطفاء مهشمة، ومعادن ملتوية من الأبراج السابقة، وصور وتذكارات للضحايا. ومن داخل المتحف يمكن رؤية الخرسانة القاسية التي تفصل الموقع عن مياه نهر هدسون.
وفوق رصيف الساحة العامة يمكن رؤية مدخل المتحف، وهو قطعة أثرية من الشركة النرويجية "سنوهيتا"، ويجري العمل على أربعة أبراج مختلفة ومحطة للنقل تربط بين مترو الأنفاق والقطارات، ومراكز تجارية على مساحة 550 الف قدم مربع.
وتشكل هذه المباني رد نيويورك المعماري على الحادي عشر من سبتمبر، وهي معدة للانطلاق بأموال فيدرالية تبلغ 20 مليار دولار، وكثير منها لازال بعيدا عن الانتهاء. فالبرج رقم 1 من المتوقع الانتهاء منه في عام 2014، وكذلك محطة المهندس المعماري، سانتياغو كالاترافا، أما المتحف فسوف ينتهي عام 2012، ومعظم هذه المشاريع مرتفعة التكلفة: البرج رقم 1 سيكلف اكثر من 3 مليارات دولار، والمتحف والنصب التذكاري سيكلفان 700 مليون دولار، والمحطة التي كانت ميزانيتها أصلا في حدود 2.2 مليار دولار قد تصل إلى 4 مليارات دولار.
مصالح متنافسة
ومنذ الحادي عشر من سبتمبر كان الجدل يدور حول الوسائل التي يمكن أن يعبر البناء عن الحدث ويكرم دلالته. ويرى الناقد روان مور أنه في حين كانت وعود ليبسكايند تتحدث عن دلالة الموقع، فإن المهندسين الفائزين بجائزة بريتزر، نورمان فوستر، وريتشارد روجرز، و فوميهيكو ماكي، الذين وظفهم سيلفرستاين لبناء الأبراج الأخرى، بدوا غير ميالين إلى الإذعان لرؤية ليبسكايند.
فالأبراج التي ستبنى سترتفع لتبدو أبراجا صلبة غامضة ملتفة على نفسها، وهذا يتماشى مع رغبات ليبسكايند، لكن كل مبنى من المباني سيكون منفردا بذاته بدلا من تشكيله بناء ينم عن لوحة موحدة. وبعد انتهاء برج فوستر، بعد عقد من الزمن، يبقى رؤية مدى شبه المباني ب "شعلة تمثال الحرية"، كما يدعو ليبسكايند.
ويضيف مور أن هناك أفكارا أخرى لليبسكايند جرى التخلي عنها، فقد أراد ليبسكايند ان تكون الساحة العامة التي تحوي النصب التذكاري غارقة في الماء، لكن أراد ووالكر رفعاها إلى مستوى الطريق، وكان يريد رؤية إسفين ضوئي يسمح بمرور أشعة الشمس كل يوم 11 سبتمبر إلى الموقع خلال الوقت الفاصل بين ضرب الطائرة الأولى البرج الشمالي، وتداعي البرج الثاني وانهياره.
وكان سقف محطة القطار لكالاترافا قد طرح أفكارا مسرفة من هذا النوع، مما أثار تساؤلات حول مدى نجاعتها، حيث استخدم كالاترافا أنواعا مبتذلة من بطاقات المعايدة، على شكل حمامة تطلق من يد طفل، وكان قد صمم أسقفا مشابهة في أماكن أخرى.
لكن يرى روان مور ان بعد أفكار ليبسكايند تظل قائمة، مثل البرج المرتفع إلى 1776 قدم، والساحة المفتوحة التي تحوي النصب التذكاري، وانكشاف الجدار الفاصل، وانتشار المتاجر في الموقع بدلا مــن تركزهــا في منطقة تحت الأرض.
وكان ليبسكايند قد قال إن المكان هو نسخة نيويوركية عن الديمقراطية، حيث لا أحد لديه القدرة على السيطرة الكاملة، فالموقع يشكل مكانا لتصادم المصالح المتنافسة، مصالح المال والسلطة مقابل الرأي العام، وصدام المباني يعكس صدام القوة، والصدامات لا تلتقي ببعضها أو تلتحم إلا بطريقة سطحية في الموقع.
وترى (الأوبزرفر) أنه بسبب المخاوف من أن لا يكون كافيا كل ما تم بناؤه، لتكريم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بدا كل شيء في الموقع من الشلالات إلى الأبراج والمتحف والساحات العامة والمحطة هائلا. وتتساءل عما إذا كان ضروريا محاولة بناء أعلى مبنى في العالم بمشكلاته الأمنية، بعد ان تم إبعاد نيويورك عن لعبة المباني الأعلى عالميا.
وتؤكد الصحيفة أن الموقع سيأخذ وقتا طويلا ليبرز إلى الوجود وسيكلف أموالا طائلة، لكن ربما نظرا لكيفية قيام نيويورك بأعمالها، فإنه لم يكن ممكنا المضي في طريق آخر إلا ذاك الذي تمضي به.