بخيالها الطفولي الذي تجاوز عمرها بكثير، حاولت تجميع مفردات حفل زفاف شقيقتها التي بدورها لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها، مفردات حفل الزفاف هذا كانت تقع في أذنيها الصغيرتين المخبئتين وراء شعرها الأبنوس الحريري الملمس، إلاّ مشهد واحد لم تستوعبه قط عندما طلبت العروس من والديها بأن زفة ليلة العمر تكون الراقصة الشهيرة ترتدي شمعداناً مضيئاً على رأسها، وهي ترقص على إيقاع الطبول وأغنية «نازلة السلالم يا ماشالله عليها»، وزغاريد و«بدرة» ذهبية تنثر على العروسين.. هي ليلة من ليال ألف ليلة وليلة..
انقلب خيال الصغيرة إلى حقيقة لها الطابع المصري الصميم الخاص بزفاف العروس التي تنحدر من طبقة أرستقراطية مخملية... الراقصة تزف وترقص وشمعدان من فضة بثماني شموع يضيء على رأسها.. هناك اكتملت الصورة في ذهن الصغيرة، التي تسير بجانب شقيقتها، ممسكة بشمعة بيضاء مزينة بالزهور وخيوط الحرير.
الشمعدان حكاية تروى.. تحكي حضارات وعادات وتقاليد الشعوب، القدماء المصريين هم أول من استخدم الشمعدان في حفلات الزفاف التي يكون النيل شاهداً موثقاً على كل تفاصيلها، ولكن لم يستخدم وقتذاك فوق رأس الراقصات، لكنه كان ضمن طقوس حفل الزفاف.
وكأنه تمهيد لدخول العروسين إلى المعبد، حَمَلة الشمعدانات الفضية المطعمة بالذهب الخالص والفيروز الذي يصد عيون الحاسدين ـــ حسب الاعتقادات الفرعونية ــــ، ـــ حملة الشمعدانات ـــ يدخلون المعبــد وهم يمسكون بطريقـــة جميلة لافتة الشمعدانات اعتقاداً بأن نورهـــا يضـــيء حيـــاة العروسيــن، وتهدى هذه الشمعدانات جميعها للعروسين لتظل في منزلهما حتى ولادة الطفل الأول الذي يرث واحداً من الشمعدانات، وغالباً ما يكون أكبرها حجماً لأن الطفل الأول والحفيد الأوحد، حتى يُزف عندما يكبر ليحمل هو الشمعدان هذا.
وحديقة «الأورمان» الممتدة في اتساع شاهق في مصر المحروسة التي تحتوي على أندر أنواع الأشجار والزهور والشتلات يوجد بها نوع من الأشجار يعرف باسم «شجر الشمعدان» يبلـــغ عمر الأشجار المعمرة هذه زيادة عن مئتي عام، تحتوـي جذوعهــــا العملاقة على مادة كثيفـــة لبنيـــة اللون (الأبيض الشاهق) هذه المادة تعالج مرض البهاق.
حيث يضع المريض هذه المادة على المكان المصاب ثلاثة أيام، بعدها يكون الشفاء التام من مرض البهاق الذي يأخذ شكل بقع بيضاء قد تتسع على امتداد الجسم، وهو مرض يصاب به المريض بعد ولادته مباشرة ويؤثر سلباً على حالته النفسية نتيجة التشوهات الجلدية الصادمة للناظر إليها.
وتتميز «أشجار الشمعدان» التي لا توجد في أي مكان بالعالم سوى في حديقة الأورمان بالجيزة، ويتناثر بعض منها في حديقة الحيوان بالجيزة أيضاً والتي تعد ثالث حديقة حيوان في العالم بعد حديقة ميونيخ وحديقة حيوان عملاقة بموسكو.
تمتاز أشجار الشمعدان بتكويناتها الفريدة حيث تأخذ شكل غصونها شكل شموع الشمعدان الذي استوحي منها من حيث الشكل.
والشمعدان هي وثيقة الدخول لعالم الأثرياء من الطبقة المخملية حول العالم، فهو رمز للثراء لأنه مرتفع الأسعار بعض منه يفوق المليون جنيه إسترليني وهو عبارة عن شمعدان من الذهب وأطرافه من الماس معروض في صالة «سوثي» اللندنية للمزادات، وهو غير معروض للبيع، فقط ليزين واحدة من أكبر صالات المزادات بالعالم.
يوضع الشمعدان في بيوت الأثرياء والنخبة الاجتماعية، غالباً في حجرة الطعام على جانبي «الوفيه» المعروف بلغة العصر الحديث «بالنيش» وتضاء شموعه في الولائم الكبرى ومناسبات الأعياد، والمناسبات الاجتماعية، يكون من الفضة الخالصة التي تخصص أحد النزلاء بالمنزل لتلميعها بمسحوق إنجليزي الصنع مستخـدماً قطـــع قماش صوفيــــة ناعمـــة أو المخمــــل الناعم (القطيفة) وتستمر عملية تنظيـــف وتلميع الشمعدان الضخمة هذه قرابة النصف يوم للشمعــــدان الواحد خاصة إذا كان منحوتاً يدوياً عاكساً نقوشات نادرة، وخلال فصل الصيف، يرش على الشمعدان مادة عازلة حتى لا تصيب رطوبة الصيف الفضة الخالصة المصنع منها الشمعدانات.
وكلما زادت تفريعات الشمعدانات، زاد ثمنهـا وزادت نسبة تفردها، ولا يخلو بيت عريق في مصر والعالم من الشمعـــدانات المتناثــــرة في الصالونات الممتدة في اتساع وأناقة متفردة، ولا تنسى الجدة أن تزين حجرتها العريقة المصنعة من خشب الورد بالشمعدان الأثري الذي رافقها منذ زواجها وحتى المشيب، وتؤكد دوماً بأنها ستهديه لأول حفيدة ليلة زفافها.
خان الخليلي والصاغة في مصر الفاطمية، هما معقل صناعة الشمعدانات، ولايزال منها الشمعدانات التي تأخذ الشكل العثماني (التركي) وتتأثر به في العديد من تفاصيلها، ولايزال بقايا صُنّاع الشمعدانات ينزوون وراء عمرهم في حوانيتهم العريقة بخان الخليلي وحي الصاغة في مصر، يرمقون عن كثب أولادهم وأحفادهم الذين كشفوا المهنة الرقيقة «المضيئة» التي ورثوها عن الآباء والأجداد..
وقد خرجت من تحت أناملهم المدربة على مدار السنين ــــ خرجت ـــ أفخم الشمعدانات لتضع برحالها الضخم على صالونات وموائد الطعام في سراي عابدين بالقاهرة وقصر المنتزه ورأس التين بالإسكندرية، فالملك فاروق ملك مصر وأسرته العريقة كان جميعهم يعشقون الشمعدانات، ويعتبر الشمعدان الذهبي الذي يوضع على المكتب الخاص للملك فاروق واحداً من أفخم وأندر الشمعدانات في العالم.
وفن الإتيكيت أحد الفنون التي يدخل الشمعدان في دراستها، فكيفية اختيار الشمعدان وحجمه الموديل الذي يشتمل عليه الشمعدان والمكان الصحيح له سواء أكان في حجرة الطعام أو مدخل البيت أو الصالونات، جميعها تتبع النظريات الخاصة بفن الإتيكيت وأيضاً فن الديكور.
الشمعدانات وفن الديكور وجهان لعملة جمالية واحدة، ولكن كيف؟
الديكور القديم يوظف الشمعدانات في الولائم الكبرى والمناسبات الاجتماعية كرمز خاص جداً بمنزلة الأسرة العريقة، أما الديكور الحديث الذي غالباً ما يعتمد على الإضاءات المخفضة لاغياً إلى حد كبير أضواء الثريات الكريستالية، يضع الشمعدانات في الأركان بالصالون، أو استخدامها كقطعة ديكور في حجرة الطعام.
وبما أن الديكور الحديث يبتعد نسبياً عن الكلاسيكية فبالتالي تغير نسبياً شكل وطريقة صناعة الشمعدانات، التي غالباً ما تصنع من البورسيلان الفاخر الملون بألوان الطيف المهدئة للأعصاب والماحية لأي توترات، ومن هنا تكون حجرة المعيشة هي التي يتخذ الشمعدان البورسيلاني منها مكاناً له، مودعاً نظيره الكلاسيكي الفضي المطعّم بعروق الذهب وفصوص الماس والفيروز، مرتضياً لنفسه أن يقفز داخل التاريخ لزمن هو الأجمل على الإطلاق.
وغالباً ما تكون تورتة الشمعدان من اختيار عروس تنحدر من أسرة تمتد جذورها لزمن العراقة والأرستقراطية، وتغرس في التورتة شموع حقيقية، تضيء القاعة بضوء رومانسي يتداخل مع نغم كلاسيكي عليه تفتح العروس وعريسها الرقص التانغو الهادئ، ثم مرة أخرى تتهادى العروس وزوجها تحت ضوء الشموع الناعسة ـــ تتهادى ــــ لتقطع تورتة الشمعدان بمساعدة مدير القاعة الذي يرتدي بدلة سوداء رسمية، وجوانتي أبيض، وانحناءة اعتاد عليها كمظهر احترام وترحيب بكل من يقطع تورتة «الفرح» ولا يغيب عنه ابتسامة رقيقة هي ضمن مراسم دراسته في كلية الفندقة العليا.
والطريف إن للشمعدان حضوره «اللذيذ» في عالم الحلويات، فيطل من كتالوجات كبريات الفنادق في مصر والعالم، وهي الكتالوجات التي تعكس أشكال تورتة العروس يوم زفافها.
يعتبر الشيف المصري العالمي أسامة السيد صاحب برنامج «مع أسامة أطيب» الذي يبث يومياً من تليفزيون دبي، يعتبر واحداً من شفاة العالم المتخصصين في تحضير تورتة الشمعدان، والشيف «جودمان» البريطاني الذي تخصص في تحضير أغرب أنواع «تورتات» الزفاف، يليه الشيف «داليا سميث» ومارتا ستيوارت وغيرهما الكثير في عالم الطهي الراقي والمتفرد.
وللشمعدان حضور قوي في عالم الفنون المختلفة، بالإضافة إلى العديد من الإيماءات التي يحتوي عليها المشهد السينمائي أو الروائي، أو الفن التعبيري الراقص (الرقص الشرقي) والفن التشكيلي أيضاً. والبداية الأقرب للإنسان تكون مع النغم الراقص على «تون ونصف»، وهو اصطلاح في نوتة الموسيقى الشرقية والسلم الموسيقي الشرقي، لأن النغم يخاطب القلب والوجدان، فما هي قصة الشمعدان هنا؟
ظهرت رقصة الشمعدان لأول مرة على رأس الراقصة الكبيرة «بديعة مصابني» وهي تتمايل مع الإيقاع نجفة وحركات مدروسة تسري على امتداد جسدها في تناغم رائع، وهي أشهر الراقصات في مصر والعالم بالرقص بالشمعدان ـ تلتها تحية كاريوكا وشفيقة القبطية وسامية جمال وسهير زكي، وجميعهن راقصات عالميات خرجن من تحت الطرب والموسيقى الشرقية المصرية.
وأصبحت من هنا الزفة المصري بالشمعدان فولكلوراً مصرياً عالمياً يجذب محبي الفنون والسواح وكل من تهتز أوتار قلبه مع النغم الشرقي. ومع التطور «للوراء» ـ في رأي عشاق زمن كان، أصبحت الأفراح وليالي الملاح أكثر عصرية ـ ولكن ظلت الزفة المصرية بالشمعدان تلبي طلب عشاقها كفقرة بداية مع دفوف الزفة والنغم الجميل والحرفية العالية للراقصة تظهر في عدم تمايل الشمعدان مع حركات الرقص ولا تنطفئ شموعه، يعبر عن ذلك التميز الخارق للراقصة الشرقية التي خرجت من تحت أيادي بديعة مصابني وشفيقة القبطية وكايروكا.
وإذا كان الشمعدان بأنوار شموعه الناعسة الباهتة وتراقص نيرانها وكأنها تغازل الحضور ـ إذا كان بكل هذه المواصفات رمز من رموز الرومانسية أينما كان، فإن له وجه آخر ودلالة متناقضة تماماً سواء في الفن السابع أو التشكيل، يرمز للتربص بالخطر وقرب وقوع الجريمة المباغتة.
وقد يكون هو ذاته الأداة المدمرة إذا ما ضرب به شخص على رأس شخص آخر، دلالة الانتقام التي عكست مشهد القمة في فيلم «موعد على العشاء» بطولة سعاد حسني وحسين فهمي واحمد زكي، عندما قررت سعاد حسني قتل طليقها بوضع السم له في الطعام، كانت الشموع تتراقص بنيرانها الآخذة في الارتفاع والانخفاض على مائدة العشاء نذير شر بقتل حسين فهمي، ثم انتحار سعاد حسني بالسم ذاته وهنا انطفأت شموع الشمعدان وذلك انتقاماً من حسين فهمي الذي قتل أحمد زكي ـ الزوج الثاني لسعاد حسني ـ لتعود إليه في انحناءة ذل.. ولكن رغبة الانتقام كانت تتراقص مع نيران الشمعدان.. واكتملت الجريمتين القتل.. والانتحار معاً.
«الشموع السوداء».. فيلم من بطولة صالح سليم ونجاة الصغيرة لعب فيه سليم دور كفيف يعاني من عقد نفسية شديدة، بالإضافة إلى أنه موسيقار، يضع على زاوية البيانو شمعدان من الفضة مرشق فيه شموع سوداء يرفض إضاءتها، لأنها ـ كما يعتقد دائماً بأنها ترمز لحياته المظلمة، الفيلم من الأفلام التي تصنف فيما بين الجريمة والرعب. ومن العادات الشرقية المترسخة في مصر وغيرها من مدن الشرق الأوسط ـ عدم إنارة شموع الشمعدان في مناسبات الحزن كالوفاة أو الطلاق وغيرها.
أيضاً، تعتبر الشمعدانات الأثريـــة العريقـــــة ثروة في حد ذاتها، ففي أوقات الكساد الاقتصــــادي التي تلم بالعديد من الأسر العريقة التي كان الثراء من مفرداتهــــــا الأولى، يمكن بيــع واحد من هذه الشمعدانات لتجار «التحف» و«الانتيكات» وصالات عرض كل ما هو نادر وعريق، فهي عملة رائجة لكل العصور.
وربما عكس فيلم «الأيدي الناعمة» الذي يناقش قضية الإقطاع والعاطلين بالوراثة وذلك بعد قيام ثـــورة 1952، عكس ذلك في مشهد لأحمد مظهر وهو الثري العاطل عن العمل الآتي من زمن الوفرة، مشهد وهو يبيع مجموعة من النياشين الخاصة بجده، وشمعدان عريق ، فقط ليشتري بهما ذرة مشوية يسد بها جوعه، ويتعرض في هذا المشهد إلى تهكم بائع الذرة والبسبوسة والبطاطا المشوية، دلالة المشهد تعكس إن الزمــن لا يهتم بكل ما هو نفيس ومتفرد.