تمتلئ الحياة في شهر رمضان بتفاصيل نوعية ترتبط بطبيعة الشهر روحيا واجتماعيا، وقد يجد الناس على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم نمطا ونهجا يحدد فيه طقوسه وتقاليده، الا أن رابطا واحدا يجمع كل هؤلاء التاجر والمدرس والطالب والمصرفي والعامل والموظف هو الانصراف الى العبادة الخالصة ؛ فيما المبدع يستلهم من هذه التفاصيل ذاتها مادة لإبداعه، لكنه في كل الحالات يتأثر بهذه التفاصيل والمفردات؛ حيث يصل الابداع الى ذروته و تكتمل فيه الاعمال الابداعية .
مع حلول الشهر الفضيل تباينت آراء عدد من المبدعين المصريين حول تأثير شهر رمضان على الحالة الإبداعية لديهم، وهل يركنون إلى الراحة والكسل ويتأثر إبداعهم سلبًا ؛ أم يزدهر وينمو لما لهذا الشهر من روحانيات وذكريات تنعش طاقات الإبداع، فأكد الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي أن شهر رمضان يحتل لديه مكانة متميزة على المستوى الإنساني، خاصة عند استعادة ذكريات الطفولة مع الأهل والأصدقاء.
لذلك يرى أنه فرصة للقراءة والتأمل أكثر من كونه فرصة للإبداع.وأضاف أن العمل يتأثر بلا شك خلال هذا الشهر، سواء كان عملاً يدويًا أو فكريًا، موضحا أن الكتابة الإبداعية تحتاج إلى تركيز وطاقة ذهنية عالية، وهذا لا يتوفر في نهار رمضان، أما الليل فيكون إما لقضاء أوقات ممتعة مع الأهل والأصدقاء أو التفرغ للعبادات، أما عن الكتابة الروتينية ويعني بها كتابة المقال فلا يتوقف حجازي عنها طوال الشهر الكريم.
وأكد الكاتب محمد عبدالمطلب أن لأيام رمضان خصوصية دينية، ولذلك لا يمكن أن تساعد على الإبداع؛ لأن وجدان الصائم مشغول بأشياء أخرى؛ دينية تحديدا، موضحا أنه يقيم في رمضان برنامجًا خاصًا للقراءة، خاصة في مراجع التاريخ الإسلامي ؛ وأشار إلى أن لكل مبدع حالته الخاصة، فهناك من يرى في رمضان فرصة للخلوة بالنفس، ومن ثم الخروج بإبداعات جديدة لا تتاح لها الفرصة للخروج في غير رمضان، وهناك من هم مثلي من يرون أن روحانيات الشهر الكريم تصرف المبدع عن إضافة جديد في رصيده الأدبي.
الكتابة والإبداع
واعتبر الأديب والكاتب الصحافي عزت القمحاوي شهر رمضان كريمًا معه، إبداعياً، قائلا: أغلب أعمالي ولدت في رمضان، لعل أهمها كتاب (الأيك) ورواية (الحارس)؛ مضيفا أن عمله بالصحافة وانشغاله بها طوال الوقت تجعله لا يتفرغ للعمل الإبداعي سوى في شهر رمضان.
حيث يمارس طقوسًا خاصة به تتضمن حالة من العزلة بعد الإفطار مباشرة حتى فجر اليوم الثاني يتفرغ خلالها للكتابة والإبداع، حتى أصبح شهر رمضان يمثل بالنسبة له مرادفًا للإبداع ؛ وعن بعض الكتَّاب والمبدعين الذين يأخذون شهر رمضان راحة يعلق القمحاوي قائلا: الكتابة أو الإبداع خلال الشهر يختلف من مبدع إلى آخر.
ولا يمكن القياس بها بين كاتب وآخر، فقد يراه البعض مناسبة للراحة، وخاصة بعض الكتاب الذين لديهم عادات في الكتابة، فهناك من يقوم بالكتابة نهارًا ويصعب عليه الاستمرار في ذلك في نهار رمضان، بينما يراه البعض الآخر فرصة مثالية للإبداع خاصة طوال ساعات الليل.
جني الثمار
الشاعرة إيمان بكري ترى أنه شهر للاسترخاء بالنسبة لها، والاقتصار على ممارسة الإبداع الإلقائي والتواصل مع المتلقين من خلال الأمسيات الثقافية التي تقام بكثافة خلال الشهر الكريم؛ وأضافت أن رمضان شهر جني ثمار الأعمال الإبداعية السابقة بالنسبة لها من خلال الندوات والأمسيات والعادات الثقافية والفنية الرائعة خلال الشهر الكريم، إلا أنه فيما يخص الإبداع الشعري فيتوقف لديها حتى فيما يخص القصائد الدينية .
وتتفق بكري مع القمحاوي في أن التجارب الخاصة تتفاوت من مبدع إلى آخر، فهناك من تتفجر لديه طاقات الإبداع بسبب الأجواء الروحانية والدينية التي تعم هذا الشهر، لكنها أكدت أن الأمر بالنسبة لها يقتصر على الإبداع الإلقائي.
3 حالات
وأكد الكاتب والشاعر محمد المخزنجي أن المبدعين في هذا الشهر ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول من البداية ينوي التفرغ التام للعبادة والصوم وصلاة التراويح، ولا ينشغل بأي عمل إبداعي طوال الشهر الكريم، والثاني يتجه بكتاباته إلى قضايا دينية وربما تكون اجتماعية، لكنه يكون مقلاً بشكل واضح في كتاباته الأدبية عن بقية شهور العام؛ لأنه أيضا ينشغل بالعبادة والالتزام بمواعيد الصلاة وزيارة الأقارب والسهر في الأمسيات والندوات الرمضانية التي تأخذ كثيرًا من الوقت.
وبالتالي تقلُّ كتاباته بشكل ما عن باقي أوقات العام، بينما الثالث كتَّاب محترفون ومنظمون بشكل رائع للوقت، فنرى كتابتهم كما كانت سابقًا وربما تزيد حسب ما بداخله من أفكار اختمرت تماما وحان وقت كتابتها ولا تحتمل التأجيل لأي سبب من الأسباب، وغالبا ما يكون لهم مشروع أدبي محدد لا يؤجل بأي حال من الأحوال.
أعلى درجات الصفاء
بدورهاأكدت الشاعرة فاطمة ناعوت أن النظرية العلمية تقول إن العقل يكون في أعلى درجات صفائه حينما تكون المعدة خاوية، ولو احتكمنا إلى هذه النظرية؛ فإن الإبداع سيكون في أوجه في نهار رمضان.. لكن برأيي أن الإبداع هو لحظة شعورية ينصهر فيها المبدع ليكتب بعيدًا عن أية نظريات، وبالتالي يظل شهر رمضان كبقية شهور العام، اللهم فيما عدا الاختلافات الفردية بين مبدع وآخر.
والطقوس التي يمارسها كل مبدع في هذا الشهر قد تسبب اختلافًا ما في كم وكيفية إبداعه، هذا بوجه عام، وبالنسبة لي فلأن إبداعي دائما ما يأتي مع الليل فربما لا يمثل لي رمضان اختلافًا كبيرًا إلا في النهار، حيث تزداد درجات الصفاء والتأمل والتواصل مع الطبيعة.
للجادين فقط
إلا أن للكاتب محمد التلاوي تصنيفًا آخر للمبدعين في رمضان، حيث قسمهم إلى صنفين، الأول أدمن الاستهلاك وأصبح مجرد متلقٍ سلبي أو يكتفي بتعليقات تأثرية انفعالية في محاولة يائسة لتحقيق وجود وهمي، وينضم لهذه المجموعة أنصاف المثقفين وأدعياء الإبداع، أما المبدع الحقيقي فيزيده رمضان إبداعًا؛ لأن مساحات التأمل ممتدة ليلاً ونهارًا، والإبداع له طقوس خاصة بكل مبدع كما قال علم النفس الإبداعي.
أكبر محفِّز
وأشار الكاتب وشاعر العامية الأمير أباظة إلى أن الجو الروحاني للشهر الكريم أكبر محفز له على القراءة في جميع المجالات، خاصة الدينية والأدبية، كما تعد الندوات والأمسيات (كورسات) ثقافية مجانية تساهم في تثقيف الجمهور وتوعيته؛ بينما أضاف الكاتب صلاح الراوي أن المبدع ككائن اجتماعي يعيش في مجتمع يتأثر بتغيير النمط اليومي للحياة في شهر رمضان.. قد يحول عائق ما كالمرض مثلا دون صومه، لكنه يعيش حالة الصوم في إطار أسرته ومجتمعه الصغير،
وفي هذا الشأن تفاصيل عديدة على مدار اليوم وعلى مدار الشهر، وفي كل الأحوال ثمة تغيير يجري على عاداته اليومية إنسانًا ومبدعا، بعض الكتَّاب يضعون نظامًا خاصًا ليومهم طوال هذا الشهر، وبعضهم الآخر يمضي في عاداته الطبيعية.. والمقصود هنا هو تعامل الكاتب مع ساعات يومه وعلاقته مع المحيطين به.. وهذا ليس أمرًا شكليًا؛ لأنه ينعكس على إبداعه بدرجة واضحة يتجاوز فيها الوعاء الزمني الذي يعيش فيه حياته وكتابته إلى جو الكتابة نفسها؛ أحيانا من حيث التجارب والموضوعات، وأحيانا من حيث الجو الروحي أو النفسي العام.