جمعها ليس مجرد هواية بل تعدى ذلك إلى مرحلة التوثيق، لأن لكل طابع بريدي قصة أو ذكرى، كما أن الكثير من دول العالم أصبحت تعتمد على كتابة تاريخها عبر إصدار طوابع خاصة في المناسبات والأحداث التي تمر بها
شكلت الطوابع على مر العصور سفارات متنقلة للجهات الصادرة عنها، وظلت تحمل على الدوام رسائل ذات معان قوية في جميع الاتجاهات، ومؤشرات على مستوى رقي الشعوب في جميع الميادين، مثلما عنونت لمراحل وأحداث وشخصيات تاريخية، لعبت ولا تزال أدوارا حاسمة في تحديد الوجهة الحضارية للإنسان.
في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا والانترنت والبريد الالكتروني، وغيرها من وسائل التواصل والاتصال الحديثة، بات السؤال مشروعا ربما حول مصير الطوابع، والجدوى المنتظرة منها، إذا كانت الوظيفة الرئيسية التي قامت عليها والمتمثلة في التحصيل المسبق لقيمة توصيل الرسالة قد تراجعت لصالح أساليب أخرى أكثر نجاعة، قادرة على تأمين تلك القيمة بوسائل حديثة أكثر فعالية وأقل تكلفة، الأمر الذي ضيق رقعة تداولها لدرجة أننا قد لا نذكر المرة الأخيرة التي كنا قد ذهبنا فيها إلى مركز البريد لابتياع طابع ولصقه على مغلف للرسائل قبل أن نودعه صندوق البريد ونودع معه شيئا من العاطفة على أمل وصول الرد عليها من الطرف المرسلة إليه.
فهل حقا أصبح نطاق استخدام الطوابع ضيقا جدا؟ وهل باتت المتاحف هي الأمكنة الوحيدة الجديرة باحتضان هذا الابتكار الانساني، الذي طالما فعل فعله من الناحيتين العملية والجمالية وحتى القيمية، إلى درجة أن اقتناء الطوابع أصبح هواية تستحوذ على اهتمامات الناس وتدفعهم إلى البحث عن أكثرها فرادة من حيث تاريخيتها وقدمها ودلالاتها ورمزيتها مثلما تحثهم على تخصيص أماكن راقية لعرضها وإتاحة الفرصة أمام الجميع للتمتع بتأملها، من خلال واجهــات زجاجيــة فارهـــة تدل على عظمـــة الأدوار التي لعبته عبر التاريخ، كما أن هوايــة جمعهــا لم تعد مجرد هواية، بل تعدت ذلك اليوم إلى مرحلــة التوثيق، حيث انه لكل طابع بريدي هدف أو قصة أو ذكرى من ورائه وكثيرا من دول العالم تعتمــد على كتابة تاريخها عبر إصدار طوابع خاصة في المناسبات التاريخية والأحداث التي تمر بها.
خدمات جديدة
فيما يتعلق بما آلت إليه حال الطوابع، يوضح عبدالله محمد الخوري، رئيس جمعية الإمارات للطوابع، أن الرسائل الشخصية انعدمت في ظل هذه الثورة، ولكن البريد الرسمي مازال موجودا ولا يمكن الاستغناء عنه، فأي سلعة تطلب عن طريق الانترنت لابد من أن تصل للمشتري عن طريق البريد، وأضاف أن الكثير من الخدمات الآن أصبحت الكترونية.
بينما انعدم البريد الورقي تقريبا، ولكن ما زالت الحاجة إلى الطوابع والبريد قائمة، فالبريد يعد من البنى الأساسية التي تقوم عليها الدولة، حيث كان لرقي الحضارات في الماضي اعتماد على قوة البريد فيها من حيث كيفية وسرعة وضمان وصول البريد إلى الحاكم أو الخليفة أو الملك، أما الخطر على البريد فلا يكمن في انعدام الحاجة إليه، بل من إدارات البريد، و خاصة في منطقة الخليج، بعد أن استغنت عن الطوابع واستخدمت بدائل عنها.
مسار تاريخي
لو عدنا إلى التاريخ، فسنجد أن أول من كان وراء فكرة استخدام طوابع بريدية يمكن لصقها على الرسائل هو البريطاني رونالد هيل الذي فعل ذلك عام 1839. فكانت الطوابع من الجانب الوظيفي هي وسيلة للدفع مقدما أو تغطية للتعرفة البريدية، توضع على أغلفة الرسائل أو الرزم المعدة للإرسال بالبريد أو يمكن أن يلصق على وثيقة تبين بأن الرسوم قد دفعت وأن الوثيقة معتمدة.
أما الآن، فقد أصبح للطابع وظائف عديدة كوسيلة دعائية اواحتفال بالمناسبات أو تخليدا لشخصيات كبيرة تاريخية أو تكريما لرؤساء وملوك، فالدول التي تولي اهتماما بالطوابع يعني هذا احتراما لثقافتها وتاريخها، وهو وجه من الوجوه التي تعكس كل شيء عن الدولة تاريخها وحضارتها وثقافتها، وحتى عملتها المالية وموقعها الجغرافي وعلمها ونظامها السياسي، وكل ما يخص الدولة يختصر في هذا الطابع.
فالطوابع ترتبط بالكيان السياسي للدولة. ومن علامات السيادة للدولة أنها تصدر طوابع، على حد قول الخوري. فيما تعتبر الطوابع سفيرة تمرر من خلالها رسائل سياسية قد تؤدي إلى حروب بيضاء، بينما تعبر في الوقت نفسه عن الوضع السياسي لهذه الدولة أو تلك، فوضع خطوط على صورة الشيخ شخبوط، على سبيل المثال، يعتبر إشارة إلى تغير الحاكم، أما إصدار مجموعة الشيخ زايد، فهي اشارة إلى استلام الشيخ زايد رحمه الله مقاليد الحكم.
ومن الفنون والتقنيات التي تدخل في صناعة الطوابع، حيث نقف في نهاية المطاف أمام لوحة فنية تبدأ من فكرة الاصدار عندما تخطط الدولة وتحدد مواضيع الإصدارات، ومن ثم يتم مخاطبة الجهات المعنية أو فنانين مرموقين لتزويدهم بالتصميمات الأولية ليختاروا أفضل التصميمات، ومن ثم تبعث إلى المطابع للمعاينة، حيث تقوم الادارة المعنية بالبريد باختيار أفضل التصاميم والفئات التي تتناسب مع التعرفة المطلوبة بريدياً ومن ثم تطبع الطوابع على أوراق ذات جودة عالية.
نظام متبع
حسب نظام اتحاد البريد الدولي، فإن الطابع من المفترض ان يبقى لفترة معينة قيد التداول، فالطابع التذكاري عمره من ستة أشهر إلى سنتين، أما العادي فعمره ما بين الثلاث إلى خمس سنوات وفي أوقات معينة تلغى الطوابع كليا وذلك على غرار ما يحدث عندما يصار إلى تغير نظام الحكم في بلد ما.
لكن على ان تكون هناك فترة انتقالية من ثلاث إلى ستة شهور يسمح فيها باستخدام الطوابع القديمة، كما حدث في دولة الامارات عندما أقيمت دولة الاتحاد وألغيت جميع الطوابع ما قبل الاتحاد، واعتمدت طوابع الدولة الاتحادية الجديدة، علما بأن فترة ما قبل قيام الاتحاد كانت قد شهدت ظهور طوابع بشرت بقيام هذا الاتحاد.
ولوعدنا إلى تاريخ بريد الامارات، نجد أن الإدارة البريطانية قامت في أوائل الستينات بإصدار مجموعة مؤلفة من إحدى عشر طابعا باسم الامارات المتصالحة للاستخدام في المكاتب البريدية في داخل ما أصبحت بعد ذلك تعرف باسم دولة الإمارات والفئات الصغيرة رسم عليها سبع نخلات بعدد الامارات السبع، والفئات الكبيرة رسم عليها صورة قارب يرمز للمصير المشترك، ويعني أن جميع سكان الإمارات في قارب واحد، في حين كان التصميم رائعا جدا وكانت الطوابع مسعرة بعملة الناية بيزة.
وتسمية الامارات المتصالحة هو مصطلح تم اطلاقه على مجموعة الامارات السبع والتي تصالحت فيما بينها، وسميت بهذه التسمية بعد الهدنة البحرية الدائمة التي تم توقيعها عام 1853 والتي تبنتها بريطانيا والتي تهدف إلى الحفاظ على السلام البحري، خلال موسم صيد اللؤلؤ السنوي الذي هو مصدر العيش الرئيسي للسكان، وقد استمرت هذه الطوابع حتى قيام دائرة بريد دبي بأخذ زمام الأمور، وأخذت على عاتقها مسؤولية توزيع البريد وذلك في عام 1963.
أما في 1966، فقد قام بريد دبي بإصدار مجموعة طوابع تخليداً لذكرى الاجتماع التساعي التمهيدي لقيام دولة الامارات الذي ضم حكام الامارات وحاكمي قطر والبحرين في دبي، مرسوم عليها صور الحكام التسعة وحاشية عليها أسماء الحكام وخارطة الإمارات التسع، وهذا كان من إرهاصات قيام الاتحاد. ولقد كان لجمعية الإمارات لهواة الطوابع دورا كبير ومميزا على المستوى الاقليمي والدولي في تعريف العالم على طوابع المنطقة ككل وليس فقط في الإمارات.
أول مكتب في دبي
وكان أول مكتب بريد افتتح في المنطقة في مسقط عام 1858، وتلاه البحرين و السعودية ومن ثم الامارات في دبي عام 1909، حيث تم افتتاح أول مكتب بريد يقوم بجميع ما يختص بإصدارات الطوابع وتحديد الأسعار و تحديد الاختام التي يتم التوشيح بها في جميع المراسلات البريدية في إمارة دبي، لتكون تابعة للبريد الهندي و تدار من قبله، أي أنه مكتب تابع للإدارة الهندية.
ولقد بدأ عند افتتاحه ببيع الطوابع الهندية التي تحمل صورة الملك ادوارد السابع ملك بريطانيا، وفي عام 1911 بدأ استخدام طوابع الملك جورج الخامس وفي عام 1937 استخدمت طوابع الملك جورج السادس الهندية، واستمر ذلك إلى عام 1948 عندما استلم المسؤولية مكتب البريد البريطاني وبدأ باستخدام الطوابع البريطانية الموشحة بالقيمة فقط، التي تم سحبها عند إصدار الإدارة البريطانية لمجموعة طوابع عادية باسم الامارات المتصالحة، وهذه المجموعة لم تستعمل إلا في دبي. كما تم اصدار أول مجموعة طوابع خاصة بدبي عام 1963، وذلك عند افتتاح مكتب البريد الوطني هناك وكانت مكونة من 17 طابعا تحمل صورة الشيخ راشد بن سعيد، حاكم دبي، ومعالم من البيئة في دبي.
وقد اصدرت أيضا مجموعات كثيرة من الطوابع في فترة مابين 1963 و1972 غطت فيها مجالات واسعة من المناسبات العربية والعالمية واستمرت دبي والامارات الأخرى في استخدام طوابعها الخاصة بها إلى أن تم توحيد العملة فيما بينها وتم تأسيس إدارة البريد الموحدة للدولة في الأول من أغسطس 1972، وتم اصدار أول مجموعة باسم الامارات العربية المتحدة في الأول من يناير 1973 حيث بدأت الامارات المتحدة السبع باستخدامها.
وحول جمعية الامارات لهواة جمع الطوابع، يؤكد عبدالله محمد الخوري، كونه أحد مؤسسي الجمعية ورئيس الجمعية وسكرتير الاتحاد الآسيوي ومحكم آسيوي، أنها جمعية نفع عام أنشئت عام 1996، وهي تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وانضمت بعد انشائها بسنة إلى الاتحاد الآسيوي الدولي والاتحاد الدولي لهواة الطوابع، ومن يومها تشارك بفعالية في كل المعارض الدولية.
وتنظم معارض محلية وإقليمية لنشر هذه الهواية، ودخلت في اللجنة التنفيذية للاتحاد الآسيوي عام 1998 والكثير من الأعضاء محكمين على المستوى الدولي، وبعد ست سنوات من إنشاء هذه الجمعية قامت بلدية دبي بتخصيص احد البيوت التراثية في منطقة البستكية لجمعية إلامارات لجمع الطوابع سميت بدار الطوابع، إذ لا يمكن ان نطلق عليها متحفا، لأنها لا تحتوي على الطوابع الأصلية.
كما لا يمكن وضع الطوابع الأصلية فيها، لأن ذلك يتطلب تقنيات عالية لحفظ الطوابع من الرطوبة والحرارة وضوء الشمس، فارتأت البلدية عرض صور للطوابع بدلا من الأصلية. وحول مجموعته الشخصية أضاف عبدالله تعرفت على الهواية وأنا في سن السابعة، لأن والدي كان هاويا لجمع الطوابع.
ولم يكن لدينا خيارات مثل ما هو متوفر في الوقت الحالي، وكهاو في البداية كنت أجمع كل أنواع الطوابع، التي يمكنني الحصول عليها من مختلف الدول ومختلف المناسبات، وبعد الجامعة بدأت بالتخصص بطوابع الدول العربية فقط، ومن ثم تخصصت أكثر في الخليج، وحاليا أجمع فقط ما يخص دولة الامارات وشاركت في عروض دولية، لدي مجموعة التاريخ البريدي لإمارة دبي لفترة مابين 1909 -1948 وهذه الفئة تهتم بالاختام البريدية التي استخدمت، ودراسة التعرفة والمسارات البريدية للإرسالية او الظرف.
ولقد حصلت فيها على ميدالية ذهبية في مشاركتي في معرض دولي وهذه تعد اعلى ميدالية حصلت عليها مجموعة من دبي إلى الآن، ولدي مجموعة أخرى عن طوابع إمارة أبوظبي من أول إصدار إلى قيام دولة الامارات وايضا حصلت من خلالها على ميدالية فضية مذهبة في مشاركتي في أحد المعارض الدولية، ولدي مجموعة القرطاسية البريدية في إمارة دبي (وهي مواد بريدية ورقية مدفوعة القيمة)، والقرطاسية البريدية في دولة الامارات ومجموعة أختام محطات القطارات في مصر. وهنا أكثر ما يستهويني هو البطاقات البريدية والقرطاسية البريدية والتاريخ البريدي أكثر من الطوابع،