تاريخ الحضارات القديمة والحديثة يمكن قراءة تفاصيله باللون والخطوط والعديد من الأشكال الجميلة والغريبة أيضاً، ليست كلها مدونة على أوراق البردي أو المسلات وجدارن المعابد والكهوف والمساجد، ربما من هنا تتناثر علامات الاستفهام، ولكنها تهدأ عندما نعرف يقيناً أن فن النقش على الخزف هو كتاب لحضارة البشرية جمعاء انه فن من طين ينافس الذهب وكنوزه.
أمامها يقف الإنسان طويلاً في محاولة للاستمتاع بجماليات هذا الفن، وأيضاً في محاولة أخرى لا ينقصها الفضول في قراءة التاريخ، وأيضاً التعرف إلى الخطوات العديدة التي يتبعها الفنان بكل الصبر لإتمام وعرض هذا الفن الرائع، فن بالنقش على الخزف، الذي صاحب الإنسان في رحلته الحياتية على ضفاف الأنهار وتحت جزوع الأشجار وداخل الكهوف لينتهي به الأمر داخل ورشة عمل تابعة لمرسم، منه تطل بكل عبقرية الجمال المئات من القطع والرسوم الخزفية.
تاريخ هي بحق، ومن هنا كل ما علينا أن نسطره ونتبع بدايات الخيط فيه، هو العودة إلى الحضارات القديمة، التي هي الأصل لهذا الفن العريق والجميل والملون بدلالات لونية تعكس معانٍ مختلفة لشعوب العالم، معا نبدأ رحلة مع الرسم والنقش على الخزف، من التاريخ العريق الضارب في القدم بداية الرحلة.
الخزف هذا الفن الخالد، ليس مصادفة أن يتعلق به الإنسان الذي طوره من أواني المائدة إلى الألواح التي يكتب ويدون عليها طيف ملون من حضارة وتاريخ الأمم، إلى تزيين المعابد والكهوف، إلى فن يحاكي مستقبل هذه الأمم، ويدخل في منافسة قوية من الفنون التشكيلية، وهذا التناغم الروحي فيما بين الإنسان والطين الذي يصنع منه الخزف في مراحله الأولى، هو تناغم أزلي ومستمر، فالإنسان من الطين خلق وإليه يعود.
ويتم عمل الشكل الخزفي أولاً من الطين، حيث يخضر الطين، وينقى من الشوائب والأملاح، ثم يتم تشكيل العمل الخزفي إما بواسطة اليد، أو بواسطة دولاب يُحرك بالقدم ويدور على عجلة، ثم يترك ليجف في الهواء تماماً، ثم يدخل في فرن حراري تصل حرارته من 800 درجة إلى 1250 درجة مئوية، وفي المرحلة التالية لذلك يضاف إليه الزجاج ويعاد إلى الفرن مرة أخرى بنفس الدرجة الحرارية أو أقل، حسب تركيب الزجاج ونوعيته ودرجة انصهاره، ثم يخرج الفن الخزفي بعد تبريد الفرن تدريجياً.
والخزف والسيراميك كلمتان مترادفتان يعنيان «الطين» المشكل والمجفف في الهواء، والمشوي في أفران حرارية تصل إلى 1250 درجة مئوية، ثم يطلى بالزجاج ليصبح العمل خزافيا، سيراميكيا، ويرجع أصل كلمة سيراميك إلى اللغة الاغريقية karamus، وتعني القرميد أو أوعية الشراب المصنعة من الطين والزجاج الذي يتحول للسيراميك.
ويوضح تاريخ الفنون قديماً وحديثاً، أنه يصعب اكتشاف صناعة الخزف والزجاج في موقع بعينه أو تاريخ دقيق؛ لأن نتاج الحفريات في المواقع الأثرية في العالم تعطينا كل يوم نتائج بحثية مغايرة، ومن هنا يظل باب البحث مفتوحاً في هذا المجال حتى يومنا هذا، غير أن من المؤكد أن الحضارات القديمة الضاربة بقوة في عمق التاريخ، مثل حضارة الفراعنة على ضفاف النيل وحضارة الرافدين في العراق، والحضارة الهندية القديمة والصينية وغيرها، جميعها تؤكد أن صناعة وزخرفة الخزف بدأت من هناك لتنتشر تدريجياً في العالم كله.
ففي وادي النيل تم العثور على العديد بل عشرات المئات من الأواني الخزفية المطلية بالزجاج الملون بألوان لها دلالات لدى هذه الحضارة، وذلك في مقابر الملوك الفراعنة، وبصفة خاصة الملك توت عنخ آمون، المتوفى 1350 قبل الميلاد، كما عثر في الهند على أجسام زجاجية من الكوارتز الأبيض الملون بالأخضر غاية في الصلابة.
كما أبدع الصينيون في إنتاج أشكال خزفية راقية منها الرقيق والصلب تسمى «بورسلين» صنعت من الطين النقي ومركبات أخرى من الزجاج.
ويعكس تاريخ الفنون أن من الخزف مرّ باتجاهات ومراحل متعددة من حيث التقنية والشكل، مما يوضح ظهور تقنيات متعددة في هذا الفن، ويتضح ذلك، بصفة خاصة ــ من خلال التجربة اليابانية لهذا الفن، الذي اشتهرت به اليابان، والتي تخصصت في طريقة فنية نموذجية تعرف باسم، الراكن، تتمثل بوضع قطع خزفية من عجينة طينية خاصة، تقاوم الصدمات والحرارة، ولا تنكسر.
ويتم هذا التكنيك بوضع الطين في أفران خاصة لا تزيد حرارتها عن 980 درجة مئوية، ثم سحبها من الفن بشكل سريع ووضعها في ماء أو كومة قش، فتحدث تفاعلات تؤدي إلى صلابة هائلة، وتعرجات جمالية عالية على سطح الزجاج للعمل الخزفي، ويلقى هذا الأسلوب رواجاً عالياً لاستخداماته في أعمال الديكور والتصاميم الجمالية المختلفة.
ومع بزوغ الاسلام وتأسيس الدولة الإسلامية واتساعها، تم تطوير هذا الفن الخزفي تقنيا وفنيا وجماليا، فلم يعد مقتصرا على أواني الطبخ والمشربيات، وتعدي ذلك إلى الحفر على الخزف بالخط العربي الذي يعكس جمالياته، وكتابة الآيات القرآنية الكريمة، والأشكال الهندسية والمعمارية الخزفية في المساجد، ومن خلال الفتوحات الإسلامية انتشر هذا الفن في العالم كله.
وماذا عن علاقة الغرب بالنقش على الخزف؟
ينال الخزف اهتماماً كبيراً، وتوسعت مجالات استخدامه في المجال الصناعي والطبي والتكنولوجي، والجماليات التشكيلية أيضاً، وتعتبر ـــ وحتى الآن ــ ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا مراكز رائدة في إنتاج منمنمات الخزف، وإنتاج السيراميك بكل أنواعه، وقد تبنت روسيا وأميركا هذه الصناعة.
وتم تأسيس مراكز متخصصة لبحوث الزجاج والخزف، وكيمياء الزجاج، وتواصلت الأبحاث العلمية في الغرب لتجعل من صناعة الخزف مستقبلاً علمياً، فقد صنعت أجزاء من المحركات والمركبات الفضائية والصواريخ من الخزف غاية الصلابة، عالي الحرارة، لخدمة العلم وخاصة في المستقبل القريب.
وتعتبر تقنية الرسم على الخزف أو ما يعرف بالإيطالية باسم «سجرافياتو» وهي كلمة تعني النقش أو الحفر أو القشط تقنية مهمة، وفي تاريخ الفن الإيطالي يوضح الفنانون بأن استعمال تعبير أو مصطلح «سجرافياتو» لا يطلق على كل الخزفيات المنقوشة.
ولكنه للدلالة فقط على الأعمال الخزفية المصنوعة من عجينة الطين والمطلية بطبقة من الزجاج الملون، ويتم النقش بواسطة أداة ذات رأس حادة مدببة تعرف باسم «المنقار» والنقش بواسطتها يكسب العجينة ألوانا مختلفة تتراوح فيما بين الأحمر القرميدي والبني تبهر رجاته المختلفة، مروراً باللون العاجي الباهت، الذي يضفي تناغما رائعاً بين الألوان الأخرى.
ويمكن تقوية بعض الألوان من خلال لمسات على شكل أصباغ اكسيد المعادن كالنحاس الأخضر المؤكسد أو الحديد باللون الأصفر، والخزف المرسوم بهذه التقنية يأخذ غالباً شكل الاواني المفتوحة مثل الزبدية أو الصحن، وهي أشكال تسمح بإظهار جمال الرسم المنقوش عليها.
ولفنون الخزف بكل تنوعاتها من نقش وحفر وإضافة طبقات من الزجاج والتدرجات اللونية، جميعها تطل بإطلالة مميزة نادرة من مصر، خاصة منطقة الفسطاط بمصر القديمة بالقاهرة، حيث تنتشر فيها أتليهات وورش فنية يعمل بها الخزافون والفنانون والحرفيون، في هذا الفن، الذي بدأ على ضفاف النهر عند الفراعنة الاجداد، وها هو اليوم المصري الحديث يكمل مسيرة نادرة في هذا الفن الراقي، الذي يعتمد على الذوق في اختيار طريقة الحفر والنقش واختيار والألوان وتعشيق الزجاج وإضفاء اللمعان الذي هو آخر خطوة في العملية الفنية في فن الخزف.
ويوجد بمنطقة الفسطاط بمصر القديمة بالقاهرة واحد من أكبر مراكز فن الحفر والنقش على الخزف، وهو مركز حرفي تعليمي داخل مبنى على مساحة 2400 متر مربع، به مجموعة من الورش الفنية والأفران المتخصصة في هذا الفن، وقاعات لعرض التحف الخزفية، ومراسم خاصة لإقامة الفنانين العرب والأجانب الذين يعشقون هذا الفن.
وقد تم اختيار هذا المكان بالقاهرة تحديداً؛ لأنه المكان نفسه الذي أقام فيه فنان الخزف المصري ــ العالمي الفنان سعيد الصدر، رائد فن الخزف المصري في العصر الحديث، والذي تخرج منه أجيال من الفنانين والحرفيين من أمثال محمد مندور، ونبيل درويش، ومحيي الدين حسين وغيرهم.
كذلك يعتبر متحف فن الخزف الإسلامي في منطقة الفسطاط أيضاً وأحداً من أجمل روائع الخزف في العمارة الإسلامية التي امتازت بتنوع أشكالها وأساليب صناعتها وطرق زخرفتها، فضية ــ المتحف ــ صالة لعرض الطراز الفاطمي في فن الخزف، وصالة عرض خاصة بالعصور:
المملوكي والأموي والأيوبي، وصالات أخرى لعرض الطراز التركي والسوري والإيراني، وهناك حقيقة مهمة هي أن انجازات مبدعي الخزف المصريين، وخاصة الذي يعكس الطراز الإسلامي، تحتل مكانة مرموقة في مجال هذا الفن وهذه الصناعة.
ولحكاية فن الخزف بقية «خزفية» رائعة، كما عودنا هذا الفن دائماً، فله أبطاله وفرسانه، يعتبر زائفا راغبا من رواد الرسم على الفخار والزجاج، وهو فنان أردني، شارك في العديد من المعارض المحلية والعربية والدولية، ونجح في تطويع الفخار بالتنعيم أولا ثم بالرسم أو الحفر خاصة حفر الخط العربي عليه، ثم تلميعه وإضافة الزجاج ليزيده بريقاً وجمالاً، ويعتبر معرضه في العام 2010 في محافظة إدلب، انطلاقة فنية أطل من خلالها على العالم كله، حيث اشتهر بطلاء الفخار بمادة «الكلك» التي تحميه من العوامل المناخية المتصلبة.
وتعتبر الفنانة «روان العدوان» من الفنانات اللواتي عشقن النقش على الفخار، واتخذت من فنون العمارة الإسلامية اتجاها لها للرسم على الفخار والنقش عليه، وانتقلت مؤخراً إلى مرحلة الرسم على السيراميك، وتعتبر روان ان الرسوم على الفخار والخزف والوصول لمرحلة الاحتراف الفني فيهما يحتاج لعمل جماعي ليكون العمل الفني عالميا، ومن هنا ينتقل الفن العربي. بصفة خاصة فن الفخار والخزف من الحدود العربية للعالم.
وللضرب حكاية مع الخزفيات فما هي؟
يعتبر الفنان «مارك شاغال» من ابرز المبدعين في هذا المجال، وخاصة في فن الرسم على الزجاج بطريقة تعشيق الزجاج.
كان من رواد هذا الفن التراثي/ الحديث على مستوى العالم، ومن أهم أعمال «مارك شاغال» الذي ولد في العام 1887 وتوفي في العام 1985 عن عمر يناهز 97 عاماً، أهم أعماله كانت في فترة الحرب العالمية الأولى عندما سافر بين مدن «سانت بتيرسبرغ» وباريس وبرلين، خلال هذه المرحلة تمكن من ابتكار مزيجه وأسلوبه الخاص في الفن الحديث اعتماداً على رؤيته للإبداع الفني في أوروبا الشرقية.
ويعتبر شاخال من رواد مذهب الحداثة، حيث جمعه بين أشكال الفن التكعيبي والرمزي وقد قال عنه بابلو بيكاسو: إن ــ شاخال ـــ هو الرسام الوحيد الذي مازال على قيد الحياة، في الخمسينات من القرن الماضي ــ يفهم ويقدر المعنى الحقيقي للألوان.