هل هو خيال علمي أم شطحات علماء تمكنوا من إيجاد منافس للإنسان في العديد من المجالات المختلفة على كوكب الأرض، وفي الفراغ العملاق، حيث يطلق الإنسان الصواريخ والأقمار التي تفك الشفرات وتكتشف المزيد من أسرار الكون؟ وهل تمكن الإنسان بكل الإعجاز الخلقي للدماغ والعقل والذكاء الجامح من أن يجد لنفسه صديقاً مبرمجا؟
إذا كان كل ذلك ممكناً، فهل في صالح الإنسان أن يصنع لنفسه منافساً قوياً، يتمكن من القيام بالعديد من الوظائف والمهن المختلفة التي كان الإنسان نفسه يقوم بها؟ هل هناك تناقص في حب سيطرة الإنسان على كل شيء وأي شيء، في الوقت الذي يصنع لنفسه من يزاحمه في مكان عمله، ويقوم بكل ما هو صعب ودقيق وربما مستحيل؟
لا تناقض في هذا كله، فالإنسان يتمكن من صنع الكثير، ولكن بشروطه التي تخدم كل أغراضه، وتنقله نقلة نوعية في الحاضر وآفاق المستقبل، استناداً إلى ماض مستنير، زاد من حلم الغد للإنسان، لا تناقض في أن يقوم الإنسان بصنع منافسه الآلي ولكن تحت سيطرته القصوى التي هي دائماً في الاعتبار.
فما هي قصة الإنسان مع «الروبوت» أو الإنسان الآلي، وإلى أين و متى يكون الصراع محتدماً، والهدنة والصداقة فيما بينهما واردة؟
معاً نتتبع هذا الصراع والصداقة معاً، والمساحة التي يسمح بها البشر ليدخل المنافس الآلي في حياتهم.
«الروبوت»، أو الإنسان الآلي، هكذا سمي بالعربية، وأيضاً يطلق عليه اسم «الإنسالة» أي «الإنسان ـــ الآلة»، وهو عبارة عن آلة قادرة على القيام بأعمال مبرمجة سلفاً، أي بواسطة رغبة وذكاء البشر، ويتم ذلك إما بإيعاز وسيطرة مباشرة من الإنسان نفسه، أو بإيعاز من برامج كمبيوتارية غالباً ما تكون الأعمال التي تبرمج الإنسان من الآلي «الروبوت» على أداء العديد من الأعمال وغالباً ما تكون معقدة، شاقة، وخطيرة، وأيضاً دقيقة للغاية، مثل البحث عن الألغام والتخلص مكن النفايات المشعة، وأعمال صناعية غاية في الدقة.
وقد ظهرت كلمة «روبوت» لأول مرة في العام 1920 في مسرحية الكاتب التشيكي كارل تشابيك، والتي حملت عنوان: «رجال روسوم الآلية»، وترمز كلمة «روبوت» في اللغة التشيكية إلى العمل الشاق، وهي كلمة مشتقة من كلمة «روبوتّا» التي تعني بدورها «السخرة» أو العمل الإجباري.
ومبتكر هذه الكلمة «روبوتا»، هو جوزيف تشابيك شقيق الكاتب المسرحي «كارل تشابيك»، في محاولة منه لمساعدة أخيه على ابتكار اسم ما للآلات الحية في العمل المسرحي. وبدأت هذه الكلمة «روبوت»، بكل معانيها الواسعة تنتشر في كتب وأفلام الخيال العلمي، التي قدمت عبر السنوات عدد من الأفكار والتصورات لتلك الآلات وعلاقاتها المتعددة بالإنسان، الأمر الذي فتح آفاقاً كبيرة للمخترعين ليبتكروا ويطوروا ما أمكن منها على امتداد العصور، ليصلوا إلى النتائج الحالية المبهرة.
وهناك أنواع عديدة من الإنسان الآلي، منها ما يستخدم في المجال الصناعي العملاق في الغرب، وفي هذه الحالة يكون الإنسان الآلي عبارة عن أجهزة أوتوماتيكية يمكن تطويعها للعمل الشاق والدقيق والموفر للوقت، ويمكن كذلك إعادة برمجتها لتتمكن في الشركات العملاقة من ضبط محركات السيارات والقيام باختياراتها ومراقبة صلاحية جودة المنتج النهائي الخارج من هذه المصانع، أيضاً تتمكن عن طريق البرمجة من التقاط أصغر وأدق المسامير والمفاتيح لغلق السيارات والطائرات والصواريخ، وجميعها أعمال شاقة تحتاج لوقت كبير ودقة متناهية من الإنسان ونسبة تركيز عالية جداً على مدار الساعة.
وقد تمت إضافة ما يعرف تقنياً باسم «الرؤية الكمبيوترية» للإنسان الآلي الأمر الذي جعلها تتمتع بنوع من استقلالية العمل والمرونة والدقة والسرعة في تنفيذ المهام المبرمجة تحت سيطرة البشر والمخترعين، ويتم ذلك عن طريق تحليل الصور التي تستقبلها في الكمبيوتر المعقد الخاص المثبت بداخلها.
وهناك من أشكال الإنسان الآلي ما هو قادر على الحركة والقيادة من تلقاء نفسه، مثل برمجته بطريقة غاية في الدقة في قيادة الطائرات، خاصة الحربية منها من دون طيار، والطائرات ذات التحكم الذاتي ذات الشبكات العصبونية الاصطناعية، وأبرز هذه الأمثلة الإنسان الآلي غاية في المتقدم الذي يعمل في وكالات الفضاء العملاقة المذهلة في تقدمها، ومنها وكالة الفضاء الدولية التي أرسلت «روبوت» عملاقاً في العام 2004 إلى سطح المريخ، وهناك من الإنسان الآلي «إنسالات» كما يطلق عليها عربياً، ما يتمكن من اعادة تجميع نفسه بصورة شبه مستقلة، كأن يقوم بتصغير حجمه للمرور خلال نفق ضيق، وتحتوي كذلك برمجة خاصة تمكنها من القيام بعملها بمرونة.
وهناك أنواع من «الروبوت» المبرمجة بطريقة غاية في الدقة والتنظيم، لتقوم بالأعمال المنزلية كاملة، فهي تتحرك بخفة ومن دون أي صوت مزعج يصدر منها، وغالباً ما تكون متوافرة في منازل المعوقين جسدياً وعقلياً، بعد اختبارها لمدة ثلاث سنوات في مصحات لهذه الأمراض، ثم تأخذ المسؤولية بكل نجاح، ويتمكن الشخص صاحب الإعاقات المختلفة من برمجتها بدقة، عن طريق الضغط على جهاز مزود بأزرار مضيئة لكل واحد منها توجيهات خاصة تصل للروبوت، وما عليه إلا التنفيذ فوراً بكل الأمانة والنجاح.
وأيضاً هناك «روبوت» خاص باصطحاب فاقدي البصر في كل الأماكن المفتوحة وأيضاً داخل المنزل، وهو مصنع ومبرمج خصيصاً لهذه المهمة الصعبة، تتكون فيما بينه وبين الإنسان صداقة حقيقية، وهذه النوعيات التي تقوم بهذه المهمات ومنها أيضاً «الروبوت» جليس المسنين والصغار، وتعليم اللغات للأطفال والنشء، والسماع لشكاوى المرضى النفسانيين ووضع حلول صوتية، هذا النوع موصل بكمبيوتر خاص جداً، لا تقل أهميته عن الطبيب النفسي، أيضا هناك أجيال من الروبوت لتعليم السباحة والرياضات الأخرى.
وهناك أجيال منه مبرمجة بطريقة معقدة لتعليم الشطرنج وهذه النوعيات من الإنسان الآلي جميعها تعرف باسم «الإنسالات» ــ الروبوت» الاجتماعية. وتمر هذه النوعية من «الروبوت» باختبارات غاية في الدقة والحزم وقوة البرمجة، جميعها تحت سيطرة الإنسان، وهذه الاختبارات تهدف إلى تسمية النظام «الإنسالي» «الروبوت» بالنظام الذكي، وقد وضع هذه الاختبارات عالم بريطاني متخصص في الرياضات والبرمجة الكمبيوترية، وهي اختبارات تعرف باسم «قوانيهم الروبوت» وهي عبارة عن:
ـــ يجب ألاّ يتسبب الإنسان الآلي «الإنسالة» ــ «الروبوت» في إحداث أي أذى للإنسان البشري ــ صاحب الهيمنة.
ـــ يجب أن يطيع «الروبوت» أوامر الإنسان البشري حرفياً على ألاً تتعارض مع القانون الأول.
ـــ يجب أن يدافع عن نفسه، إلاّ إذا تعارض هذا مع القانونين الأول والثاني.
ومن النادر أن يصمم الروبوت على شكل إنسان بشري متكامل واضح المعالم، ويمكن القول هنا بأن لا يتعدى أن يكون آلة مبرمجة بذكاء تحل محل الإنسان في المهام الشاقة، كما ذكرنا ــ ويتوقف شكل الروبوت الخارجي على نوع المهمة التي صمم من أجلها، ومن المهم معرفته كذلك بان يصمم لأداء وظائف هامة، ولكنها محددة.
ويصنع الروبوت بطرق مختلفة الهدف النهائي منها مساعدة الإنسان، فمثلاً تحوي سيقام الروبوت المتطورة في بعض الأحيان أكثر من 40 مستشعرا وأداة ميكانيكية تقوم هذه المستشعرات بقياس توزيع الضغط المسلط على السيقان بشكل مستمر، وفي العام 2004 ثم صناعة سيقان من الروبوت يمكن تركيبها على سيقان الإنسان البشري لتساعدني في تحويل الخطوات البشرية الطبيعية إلى خطوات سريعة واسعة ثابتة دون أن يبذل الإنسان مجهوداً كبيراً.
وهذا التصميم منتشر في مراكز العلاجات الطبيعية والتأهيل، وتدريب الجنود، وتستخدم كذلك في مجالات الزراعة وأعمال الحفر، ومن أشهر تلك الآلات المتحركة شاحنة ذات أربع سيقان أنتجتها شركة جنرال الكتريك للجيش الأميركي، ويتحكم بها سائقها عن طريق تحريك يديه وساقيه المتصلتين بسيقان الشاحنة.
يمكن أن تصل نسبة أجهزة الاتصال والتحكم في داخل «الروبوت» ــ الانسالة ــ غاية في التعقيد لا يحل شفرتها والدخول على هذه الأجهزة الدقيقة إلاّ من قبل المتخصصين فقط، ولذلك أصبح لها علم مستقل لدراستها وتطويرها، يعرف علمياً وفي مجال البرمجة المعقدة باسم «علم السبرانية». أما أجهزة الاتصال والتحكم فتشتمل على:
❊ جهاز هاتف معقد يعمل بالازرار، وهو بدوره مزود بذاكرة محددة لتخزين الأرقام المتكررة، فالروبوت يحتاج دائماً إلى ذاكرة شاملة.
❊ أجهزة حساسة تمكنها من الوصول إلى أهدافها، «فالروبوت»، يحتاج إلى عدد من هذه الأجهزة لجمع المعلومات عن البيئة المحيطة بها.
❊ غلاّية آلية، تنطفئ من تلقاء نفسها، عندما يغلي السائل بداخلها.
❊ مثبت آلي لدرجة الحرارة يتبعها في نفس درجة حرارة مناخ الفرقة أو المكان الذي يوجد به «الروبوت»، يطفئ ويشعل نفسه ذاتياً وآلياً، وفق معلومات يحصل عليها من الأجهزة الحساسة الموجودة بداخله.
وتختلف أنواع وأشكال «الروبوت» (الانسالة) وفقاً لخصائص كل منها والهدف التي أعدت من أجله، فقد يتم برمجة «روبوت» للقيام بعمل فائق الدقة، أو لعدد مصير من الأعمال، ولكن بنسبة دقة أقل؛ ويمكن إعادة برمجته للقيام بأعمال أخرى مختلفة عما قام بها من قبل، إذا كانت الوحدة المركزية للإنسان الآلي تسمح بذلك.
وهناك ما يعرف بالروبوت الطيع، الذي يعتمد في صناعته على البنية السيليكونية والمشكلات الميكانيكية المرنة، عضلات هوائية بوليميرات كهربائية وسوائل حديدية، وتبدور عند النظر إليها وفي ملمسها مختلفة عن أنواع الروبوت ذات الهيكل الصلب.
وقد تم بنجاح صنع «روبوتات» قادرة على تشكيل شكلها ذاتياً ليتلاءم الشكل الجديد مع نوع المهمة خاصة إذا كانت مهمة طارئة.
وهناك أنواع من «الروبوت» تعمل كخلية النحل والنمل في شكل جماعي، وذلك بتصميم الآلاف منه في حجم صغير ذات السلوك المتشابه، والتي تتعاون بعضها مع بعض، مثل العمل في مجالات الزراعية في الحيّز الضيق والاستخبارات، وهذه النوعية تعمل حسب نظام تعني موحد يعتمد على السلوك الانبثاقي للسرب بكامله.
وتعتبر مصانع السيارات والشاحنات ومصانع التقنيات من أكثر الأماكن حرصاً على التوظيف «الإنسان الآلي» الروبوت ــ فتكون الدقة والإنتاجية أكبر، ويعتمد هذا النظام على تطبيق «ورديات متعاقبة» ليل نهار، وهذه المصانع تعمل وفقاً لبرامج عالية التقنية، تعتمد على التشغيل الجماعي للروبوت، على أن يقوم كل منها بعمل واحد لضمان الجودة. ولا يقتصر عمل «الروبوت» على الأعمال الصعبة عالية التقنية.
وإنما أيضاً هناك أسراب منه تنتشر في حقول الفواكه لجمعها، وحقول الزهور لقطفها بطرق حديثة، ويتم ذلك بتكلفة أقل بكثير من تكلفة البشر العاملين في هذا المجال. وهناك أنواع خاصة من الروبوت لها مهمة وحيدة، هي تنظيف المنازل من الداخل والخارج، خاصة المنازل التي تنتمي لاتجاه ما بعد الحداثة في العمارة، فتقوم بغسل الزجاج الذي يغطي المبنى بأكمله.
بالإضافة إلى «الروبوت» الذي يصمم على شكل سيدة أو رجل مُسّن، غير منظر ــ ليكون جليساً لكبار السن، ويقوم بكل الأعمال التي يحتاجونها، مثل الرعاية والتنظيف الذاتي يوميا وتهوية المكان، وتتميز هذه النوعية من الروبوت بجمالها شكلها ونعومة صوتها، من بينها ما يسرد الحكايات الجميلة التي ترجع لزمن جميل، يظل دوماً في الذاكرة رغم إصابة نسبة عالية من المسنين بمرض «الزهايمر» المعروف علمياً باسم «دامنتا».
جليسة الصغار «روبوت» صغير الحجم يرتدي آخر صيحات الموضة في عالم الأطفال ويشاركهم في كل شيء حتى الرياضات اليومية ومنها التزلج على الجليد.
ويعتبر الغرب المستهلك الأكبر على مستوى العالم لخدمات الروبوت في كل المجالات الحياتية، ولكن ألمانيا مازالت متحفظة بالنسبة لانتشار الروبوت في النواحي الاجتماعية، بصفة خاصة مصاحبة الأطفال وكبار السن.
وتعتبر اليابان الدولة الرائدة في صناعة واستخدام الروبوت في كل المجالات على التقنيات وأكثرها تقدما في كل المجالات، حيث يعتبر الروبوت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية اليابانية، حتى في مشارب الشاي الياباني ذات الطقوس التقليدية التي تضرب في تاريخ هذا البلد العملاق.
وماذا عن عالمنا العربي؟ فأين «الروبوت» من عاداته وتقاليده وحفاوته، وأيضاً أين هو من تناقضات الشخصية العربية التي تتكلم أكثر مما تستمتع؟! الروبوت يظل بعيداً عن البقعة العربية، الإّ فيما ندر.. ربما يدخل ضمن إطار «كل غريب».. لا مكان له بين الأشقاء.. وللمستقبل ربما يكون له رأي آخر..!