بين ماضي العمارة في بريطانيا، خلال ستينات القرن الماضي وحاضرها اليوم، مسافة شاسعة تبدلت فيها المجتمعات والرغبات والأذواق، فروح عصر الستينات، التي تتصف بالصلابة والخشونة أحياناً، تواجه اليوم مطالب كبرى أمام توسع مدينة الضباب، وظهور أنماط معمارية جديدة بدأت تقوض هياكل الواجهات القديمة.
اتسمت تصميمات المباني البريطانية، التي تعود إلى ستينات القرن الأخير بطابع، يميل إلى تغليب الكرم في استغلال المساحات على الكفاءة التجارية، الأمر الذي جعلها في موقف ضعيف أمام مطوري العقارات، الذين يسعون اليوم إلى مضاعفة أرباحهم. وليست «محطة حافلات برستون» إلا واحدة من هذه التحف المعمارية لعقد الستينات من القرن الماضي، حيث تواجه حاليا المصير نفسه الذي لقيه مبنى البلدية، الذي صممه جيلبرت سكوت في برستون، والذي ضاع منذ زمن بعيد، لأنه لم يعد يتماشى مع الموضة.
محطة حافلات برستون
وفيما تقف المحطة بانتظار الهدم، تساق الحجج التي تدور حول ضرورة هذا الأمر لسعادة السكان وصحتهم، ويقف الوزراء المعنيون في الحكومة البريطانية الحالية والحكومة السابقة بالمرصاد أمام إلحاح الخبراء والسكان بضرورة حمايتها من الزوال. ومحطة برستون، هي من تصميم بلدينغ ديزاين بارتنرشيب (1969)، هذه المحطة بديعة بطوابقها المتطاولة المخصصة كمواقف للسيارات، والتي تبدو كسفينة عابرة للمحيطات، وتتميز بانحناءات عند حوافها تضفي لمسة تعبيرية لطيفة، أما سلالمها الغريبة ذات الحلقات والمتمايلة فتأخذ السيارات إلى الطوابق العليا، التي تطل على قاعات ذات تقسيمات متناسبة.
وقد تم اختيارها كأفضل بناء في برستون، في اقتراع أجرته إحدى الصحف. وكل هذا لم يكن كافيا لإنقاذها، وقد رفضت الوزيرة مارغريت هودج وضعها على القائمة، ومن المتوقع الآن أن تزول ليحل محلها مجمع تجاري بقيمة 700 مليون جنيه إسترليني، رغم أن مدينة برستون تحوي الكثير من المواقع والمباني التي تستحق إعادة التطوير، لأنه بناء عظيم على وشك أن يهدم، قبل أن يصل إلى تلك المرحلة التاريخية، التي يكتمل فيها الوعي بأهميته، وفي زمن تبدو التبريرات العملية لإبقائه هي الأضعف.
مصير مشترك
وليست محطة الحافلات في برستون هي وحدها التي ستلقى هذا المصير، وإنما هناك مجموعة من المباني من أيام الستينات والسبعينات ستقع ضحية ظروف مماثلة. ويندفع الأحفاد الجدد، المنحدرون من أصلاب أعضاء المجالس الذين بنوها بحماس، للقضاء عليها، لإقامة مراكز تجارية تجعل من مدينتهم تبدو كغيرها من المدن.
وهذه الأعمال هي في معظمها مبان عامة، بعضها يعاني من مشكلات تقنية جدية، كما أنه يصعب بيعها، وقد تكون في نظر البعض غير جذابة، بل منفرة، لكن هناك العديد لديهم الانطباعات نفسها تجاه المباني الضخمة المقامة على النمط الفيكتوري أو مصانع «لانكشاير»، والتي أصبحت في صلب أعمال التجديد في المدينة.
نظام المباني العتيقة
وفي الجانب النظري القانوني، ينص نظام المباني المدرجة في قائمة الأعمال المعمارية التي يجري الحفاظ عليها في بريطانيا على حماية كل الأعمال التي مضى عليها أكثر من 30 عاما، والتي لها أهمية معمارية وتاريخية خاصة، كذلك المباني الأصغر عمراً، والتي لها ميزة بارزة أو تعد مهددة. والإجراء المعتمد هو أن تقوم مؤسسة «انغليش هيرتيج» بالخروج بتوصيات، تقوم دائرة الثقافة بقبولها أو رفضها، هكذا، إما لأن الوزير المعني قد رفضها، أو لأن المؤسسة لم تدعمها، فإن العديد من المباني ذات الميزات المهمة دون شك قد ضاعت، أو هي مهددة بأن تضيع، أو جري رفض تضمينها في القائمة.
بين الفن والتاريخ
ونظام القائمة هذا في كثير من الأحيان لا يتملص من اتخاذ القرارات الصعبة، فقد أدرج في القائمة على سبيل المثال، مركز التسوق من تصميم «ميلتون كاينز»، والذي يعود إلى السبعينات، إلا أن النظام فشل في التعامل مع هذه الفئة المحددة من المباني، وخسارتها سوف تفقد التاريخ حقائقه الأصلية، وتزيل فترة مهمة وحيوية في السياسة والفن المعماري البريطانيين، هذا دون الأخذ بالاعتبار الخسائر التي ستترتب على البيئة. ولقد أعاد دولاب الزمن الاعتبار لبعض من الصروح العائدة لأيام تاتشر، لاسيما مبنى «لويد» و«برودغايت» في مدينة لندن.
ومن المؤكد أن مبنى لويد سيدرج في القائمة، عندما يأتي وقته، أما برودغايت فيبدو قضية أكثر تعقيدا، حيث إن وضعه على القائمة يسيء إلى أعمال مصرف «يو بي اس»، أما ميزته كمبنى فهي شمولية بنائه، الذي يتناقض مع نظام العمارة الواحدة. وفي أفضل الأحوال، فإن الإدراج في القائمة يتعلق دوما بتأكيد القيمة على الكسب المباشر، ونتيجة لذلك لا زالت هناك مبان مثل محطة سانت بانكراس، تثير الإعجاب.
حدائق روبن هود
ومن المباني ذات الأهمية التاريخية المهددة بالزوال، حدائق روبن هود، وهي من تصميم اليسون وبيتر سميثسون (1972)، ويتسم هذا العقار بميزات تدل على النبل، لاسيما في اهتمامه بالشكل والتفاصيل، ويبدو شكله المترامي رائعا في وهج الشمس، حيث الظلال العميقة، ويظهر منظر طبيعي عبارة عن أرض مرتفعة بين كتل البناء الملتوية حيث يشكل فناء فسيحا. إنه الشيء الوحيد ذو الوزن والهدف في مشهد القمامة الواقع حول نفق بلاكويل في شرق لندن.
وبسبب شكله الرمادي الرصين، فإن رد فعل الكثيرين الغريزي هو ببساطة عدم الاهتمام بمصيره، وربما لهذا السبب، ورغم الحملة المتواصلة من قبل معماريين مهمين، فإن مفوضي مؤسسة «انجليش هيرتيج» يرفضون التوصية بشمله في قائمة العمارات التراثية.
مكتبة ردكار
من ضمنها أيضا مكتبة ردكار، من تصميم آرندز، برتون وكوراليك (1971)، وكانت المكتبة قد صممت على مثال تقليد بدأ حينها في استخدام الحديد المحلي، وهي عبارة عن عمارة غليظة وصلبة، يتخللها الهواء الطلق، حيث تضاء من أعلى بشقوق مستطيلة جرى صبها بين المقوسات في الجزء الأعلى إلى الجزء الأسفل من المبنى.
ويرى مؤيدو إزالة المكتبة بأن صيانتها تكلف الكثير من الأموال، أما الذين يؤيدون وضعها على القائمة فيقولون إن الأمر مبالغ فيه، وبأن إعادة تجديدها له جدوى اقتصادية أكثر من إعادة بنائها. وكانت مؤسسة «التراث» قد أيدت وضعها على القائمة، لكن الحكومة رفضت، وتقوم جمعية «القرن العشرين» بالقتال في معركة أخيرة لإرجاء العقوبة.
كما يصنف ضمن هذه المباني مبنى «برودغايت»، وهو من تصميم أروب اسوشييتس وبيتر فوغوز (1984-1988)، ويقف في إحدى الزوايا، حيث تبرز عظمة مصرف «يو بي اس»، ذاك النوع من المؤسسات المالية الضخمة، والتي تحاول مدينة لندن جاهدة إبقاءها سعيدة. وهناك علماء في مؤسسة «التراث» يقولون إن هذا المجمع من المكاتب التي تعود إلى فترة الانفجار الكبير للثمانينات ويستحق الحماية من المقر الجديد والمشع والكبير الذي ينوي مصرف «يو بي أس» بناءه. والنقاش بات يثير الإحباط، حيث إن حماية مبدأ مجمع برودغايت هو الأمر المهم، كبناء موحد من الأبنية والفسحات، بدلاً من نمط البناء الوحيد المتعارف عليه.
قاعة الملكة وهايورد غاليري
من ضمنها أيضا تصميم مبنيين من تصميم جي إل سي ارشيتكت ديبارتمنت (1967)، وكانت مؤسسة «التراث «قد أوصت بوضع هذين المبنيين على القائمة في الأعوام 1992، 1998، 2006، و2010. وفي كل مرة كان الوزير المعني آنذاك يرفض ذلك، لكن المبنيين اللذين جرى بناؤهما من قبل نابغين يعملان لدى مجلس لندن لهما أهمية تاريخية ومعمارية.
فانحدار المجمع المنبسط نسبيا المتصف بالمتانة لا يستهوي الجميع، لكن حتى في شكله السيئ حاليا، فإن المجمع يبدو أفضل بكثير بالمقارنة مع المراكز التجارية الرخيصة التي تحيط بأجزاء أخرى من الضفة الجنوبية من النهر. وفي أفضل الأحوال، فإن المجمع يجعلك أكثر يقظة ووعي بالمدينة والنهر والفن والثقافة في أنحائه، كما أن المعارض في هايورد مازالت من الصعب أن يعلى عليها.
إضافة إلى بناية لويدز، وهي من تصميم «ريتشارد روجرز وشركاؤه» (1986)، وهناك قاعدة تقول إن المباني تكون مؤهلة لإدراجها في القائمة فقط عندما يكون عمرها على الأقل 30 سنة، إلا إذا كانت معرضة للتهديد ومن نوعية استثنائية.
من المرجح أن يجري إدراج هذا البناء في القائمة، رغم التناقض في الموقف، فالنظرية القائمة وراء بنائه هي بناء يعاد تقسيمه بسهولة، حيث إنه مكون من عناصر يمكن إضافتها أو إزالتها أو تعديلها عند الرغبة في ذلك. كما ان وضعه على القائمة قد يجعل أي تغيير عرضة لمناقشة مفصلة مع مسؤولي الحفاظ على التراث والمخططين. عمليا، المبنى كان دائما في وضع أفضل كمعلم تذكاري باهر، ووضعه على القائمة سيكرس هذا الأمر.
مكتبة برمنغهام المركزية
وضمن القائمة أيضا مكتبة برمنغهام المركزية، وهي من تصميم جون مادن (1974)، وكانت هذه المكتبة عرضة في أحد الأيام لسخرية الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا، حين قال: «تبدو لي مكانا يتم فيه حرق الكتب وليس حفظها»، لكن للبناء جاذبية لم تستطع أي إضافة جديدة للمدينة أن توازيه.
وهو يتصف بالقسوة، لكن هل يفترض لكل عمارة أن تكون هندسيا نظير الوجوه المبتسمة؟ إن تصميمه يدل على مهارة في تناغم الكتلة والشكل والضوء والظل، والتي قد تم نسيانها من قبل معظم المعماريين الجدد، وقد رفض إدراج المكتبة على القائمة مرتين.
إضافة إلى مؤسسة «كومنولث»، وهي من تصميم سير روبرت ماثيو، وجونسون مارشال وشركاؤهما (1962)، وهذه المؤسسة، بسقفها الأنيق الذي يشبه خيمة منصوبة، هي مثال على الأبنية المحببة التي من المتوقع أن يجري إدراجها في القائمة. كما أنها تضغط على وتر حساس لدى الذين يجدون المثالية المتحللة للكومنولث مؤثرة. والخطة الآن هي أن يصبح الموقع الجديد لمتحف التصاميم، وذلك بإزالة أجزاء واسعة منه وتغييرات مهمة في باقي المبنى، الأمر الذي يدل على أن إدراج المباني في القائمة لا يعني بقاءها كما هي دون المساس بها.
مبنى تلفزيون «بي بي سي»
ومن ضمن المباني المهددة أيضا مبنى تلفزيون «بي بي سي»، وهو من تصميم نورمان وداوبارن (1960)، وهذا المركز هو الوحيد الذي وضع على القائمة. وهو ليس رائعا ولا مبدعا أو مستلهما، كما أن تفاصيله هي تقليد لأسلوب كان قد أصبح قديما عندما جرى افتتاحه. وما يميزه هو الفسحة على شكل دائرة كاملة، والتي تولد شكلا داخليا من الممرات المنحنية دون نهاية. كما أن المكان، عندما أصبح التلفزيون وسيطا جماهيريا وطنيا، هو موقع لبرامج مثل «بلو بيتر» و«دكتور هو». لهذا السبب يعتبر هذا المركز ذا أهمية تاريخية ومعمارية.