بناء صغير إضافي معلق بالسقف وله باب بمفتاح صغير، يقع في إحدى زوايا البيت، خاصة في البيوت العريقة القديمة التي قد تعتبر صفحة من كتاب التاريخ، كلما نظر إليه الأطفال، زادت حيرتهم حول هذا الباب الذي لا يفتح إلاّ في مناسبات تغير الفصول أو السفر، أو تنظيف البيت في مناسبة رمضان والأعياد، ومناسبة الأفراح.
كبرت الطفلة الصغيرة، والفضول يكبر معها حول هذا البناء المعلق ذي المفتاح الصغير، هرولت يوماً لتنكمش في ليلة شتاء بجوار جدتها، لتسمع حكايات زمان، ولكنها في هذه المرة كان مطلبها واضحاً ومُلّحاً، سؤال مباشر لجدتها، احكي لي يا «أنّا» حكاية البناء المعلق بالسقف، وأين مفتاحه؟
ضحكت الجدة، وفي لمح البصر قالت وكأن شريطاً سينمائياً يدور أمام عينيها اللتين تطل من فوقهما التجاعيد، قالت «لما سبنا الفيللا بتاعتنا في الزمالك، وانتقلنا لغاردن سيتي كان فيه حاجات كتير مالها لزمة دلوقتي، حطيناها في «السندرة».
وهنا تنبهت الصغيرة وقالت يعني إيه سندرة يا «أنّا»؟
حكت الجدة.. ونحن أيضاً نحكي ونلقي الضوء على السندرة أو العلية لينتهي فضول الصغيرات.
«السندرة» أو «العلّية» كما يطلق أحياناً عليها، هي مكان على سطح الحجرات أو زوايا المنزل، فيها يحتفظ بأشياء قديمة وعريقة، وأحياناً لا تقدر بثمن. وأيضاً في المتاجر القديمة في الأسواق العريقة توجد عليات كبيرة، تخزن فيها البضائع التي ستباع فيما بعد عندما يكون الطلب عليها ملحَّا.
واتسمت البيوت القديمة بأنها تضع في العلية أشياء عريقة، ولكن التلفيات حطت رحالها عليها، مثل إبريق شاي من البورسلان الانجليزي ربما كان ينحدر من أحد قصور ملكات انجلترا ولكن يد الإبريق الانجليزي كسرت أثناء الانتقال من منزل لآخر، أو سلطانية «سافر» أتى بها الجد الذي أنهى تعليمه بجامعة السوربون الفرنسية.
ولكنها شرخت أثناء غسلها على يد أحد الخدم و«الحشم» الذين لا يفهمون مطلقاً عراقة وتفرد هذه القطعة، التي طالما صاحبت الاسرة على مائدة العشاء في الثامنة مساء وبها الحساء الكونسومية الفرنسية، وأيضاً تحتوي العلية على بقايا عود من خشب الورد، كان يدندن عليه الأب أغاني سيد درويش وموسيقى القصبجي والرحبانية، ولكنه بعد وفاة الأب لم تعد هناك «دندنة» ولا طرب، فأصبح بالعود، وكأنه يعاقب على أنه من مفردات الزمن الجميل، وفجأة وجد نفسه فوق، في العلية وأوتاره ممزقة والأتربة تكتسي خشب الورد.
والمنازل الحديثة لا مكان فيها للعلية، لأن طبيعة العصر بكل مفردات عراقة زمان «ذهب مع الريح»، ولم يعد، فهذه المنازل تعكس حداثة الأناقة. والمسيطرة عليها إلكترونيات جامحة، لا تعرف معنى العلية ولا حتى جوهر ومغزى ما فيها، فالعلية بالنسبة لسكان الزمن الجميل هي حياتهم، تاريخهم وكل مفرداتهم «الحلوة» هي صفحة تاريخ طالها الاصفرار، فأنزوت في العلية، وكان مخصصاً شخص من خدم زمان لتنظيف العلية، يجلس بجوار سكان زمن راح يحتسي الشاي، ويتذكر معهم، وتطول الذكرى.
أما اليوم فالبيوت الحديثة مسطحة المعنى والجوهر، فهناك «دريسنج روم» تطلق فيها ست الحسن مئات الملابس والأحذية وحقائب اليد «كاجوال» و«سواريه»، ومضرب التنس، وزي الباليه والباتيناج لزوم المصيف في «بورتو ساحل»! مكدسة هذه الحجرة بأكياس أدوات الماكياج وزجاجات عطر وكريمات مرطبة وأخرى واقية حتى من الانفلونزا، كل هذا وأكثر لا يصح مطلقاً أن يوضع في العلية، لأنه مرهف الحس والمشاعر، مصاب بحساسية الأتربة وفوبيا الأبواب المغلقة والسكنى في العالي.
هي حتمية التغيير والخروج من الجلد الواقي، واذا كان الثمن اختفاء العلية ومفردات زمان جميل، فلا مانع ربما مبدئياً، ولكن المانع الحقيقي هو أن ينفصل الإنسان عن تاريخ أصالته، وذكرياته، فتشيع الفوضى النفسية التي معها يهتز الانتماء.
وكحلقة وسطى بين المفرط في القدم والقفز على الحداثة، هناك منطقة رمادية، ظهرت فيها شخصية تعرف باسم «بتاع الروبابيكيا»، وكلمة «الروبابكيا» هي كلمة لاتينية، تعني القديم المهمل أو «الكراكيب» وكان «بتاع الروبابيكيا» يدور في الشوارع والأزقة والحوار يدفع بعربة يد خشبية مستطيلة ومجوفة، توضع فيها الكراكيب التي لا تقبلها زوجة الابن مثلاً في بيتها «السوبر» وغالباً ما تكون هذه المخلقات ملكاً لحمايتها أو حتى لزوجها وقت كان صبيا صغيراً، يستخدم العجلة «البسكلتة» ذات العجلات الثلاث التي أهداها إياها عمه ليلة العيد، وعندما كبر واشترى سيارة زجت بها والدته في العلية، واعدة إياه بأنها ستهديها لابنه المنتظر، إذا كانت من أهل الدنيا.. «إن شاء الله يا أمي»، هكذا يطيّب خاطرها أحمد الابن الذي كان ينادى عليه بحمادة، ولكن ماذا بعد؟
لا يجوز مطلقاً أن تذهب الحماة يوم الصباحية ومعها هدية قيمة لزوجة ابنها، وعجلة حمادة مخبأة وراء ظهرها وكأنها مفاجأة سعيدة لحمادة الذي يترأس مجموعة شركات استثمارية!!
قذفت ست الحسن بالعجلة لبائع الروبابيكيا وأخذت مقابلها مبلغ جنيه مصري لا غير! هكذا تباع مفردات زمان!
ولا يقتصر دور بائع الروبابيكيا عند هذا الحد، بأنه ينادى عليها من البلكونة في الأماكن الشعبية، أو يبلغ السكيورتي «الأمن» في العمارات الحديثة بأن «الست هانم» لديها بعض الكراكيب، اللتي في التو واللحظة، يصعد السكيورتي ليأخذها منها، وأكيد هذه مختلفة جداً في نوعيتها، ربما لم يسمع بها في حياته بائع الروبابيكيا ولا حتى «السكيورتي» نفسه الذي يلقي «بديسك» كمبيوتر لا معنى له، أو مضرب كهربائي لخفق الحساء ولكنه موديل 2009، وتوتسر لا يليق «بالكيتشينات» المفرطة في الحداثة، والله أعلم هل يأخذ السكيورتي هذه الروبابيكيا الحديثة لنفسه، فتدعى له زوجته قائلة «تسلم مجايبك» أو يُقسم ثمنها مع بائع الروبابيكيا الذي يطير بها إلى منطقة وكالة البلح، أكبر أسواق «الخردة» في الشرق الأوسط، وربما عكس ذلك المسلسل الرائع «لن أعيش في جلباب أي» من روائع إحسان عبد القدوس، بطولة نور الشريف الذي لعب دور عبد الغفور البرعي، وعبلة كامل التي لعبت دور فاطنة، وعبد الرحمن أبو زهرة في دور المعلم سردينة، ويدور المسلسل في أماكن الخردة في وكالة البلح ويعكس مفردات بائعي الخردة، وغالباً ما يكونوا في الأصل من بائعي الروبابيكيا.
وربما لأهميتها وجوهر مفهومها، مفردات العلية، وهي ما تعرف باسم الكراكيب في كل زمان، فإنها دخلت عالم الأدب والفن السابع، فهناك كتاب «عبودية الكراكيب» للكاتبة كارين كينج ستون التي تصف بدورها طبيعة هذه الكراكيب وأين هي من حياة الإنسان الحديث، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وإنما أيضاً على امتداد العالم، تصفها «ستون» بأنها أشياء في غير زمانها، أصابها التلف أو الكسر، لا نحتاجها حالياً ولا نستخدمها.
وربما لا نحبها في عصر تغيرت العديد من معاني المفاهيم، محللة وجهة نظرها بأن هذه الأشياء الآتية من عمق زمان آخر قد تصيب الإنسان الحديث بالكآبة أو الشعور بالاختناق، وربما يصاب بالاضطراب النفسي، قد يكون ذلك بسبب ذكرى أليمة ارتبطت بهذه المفردات المخزنة في العلية أو «اكيللر» بالألمانية، و«البيسمانت» بالأميركية.
وتوضح الكاتبة أن الاضطرابات السلوكية بسبب فوبيا «القديم» أو الكراكيب تنعكس عدوانية في سلوكيات صاحبها، والكاتبة في كتابها الشهير «عبودية الكراكيب» تنصح بأن هؤلاء المضطربين نفسياً عليهم التخلص من «الكراكيب»، التي تكون السبب في مزاجياتهم المتقلبة، ولا يكونون من مدمني الاحتفاظ بها تحت أي مسمى.
ولعلم النفس الحديث تحليل أيضاً لاقتناء الكراكيب، خاصة في الزمن الحديث، حيث يقول الدكتور أحمد عكاشة، ضمن حديثه الإعلامي حول القديم والحديث وأثرهما في حياة الإنسان، إن الإنسان الذي يُصّر على الاحتفاظ بهذه الأشياء العتيقة والكراكيب المهملة في العلية يكون هدفه مزدوجاً، إما أن يكون محباً لهذا الزمن الآتية منه الكراكيب أو يذكره بطفولته التي تعتبر من أنجح سنوات العمر وأكثرها بهجة، أو أن هذه الكراكيب تضفي على الإنسان امتدادا للعراقة أو تكون هذه الأشياء مصدراً لمخاوف الإنسان، من المستقبل، ربما من المجهول، فترسيخ زمن فات قد يكون الملجأ لدى هؤلاء البشر، حتى إذا تعلقوا في حبال تالفة.
أما أصحاب الذوق السليم والرائع، الذين يعملون في مهنة الديكور ويعرفون «بالديكوريست»، فهم يرون بأن مخرج القديم بالحديث هو تناغم يزيد المنزل جمالاً، فمثلاً يضعون عوداً من خشب الورد في ركن من حجرة المعيشة وبجواره سلة من الأرابيسك لحفظ المجلات والصحف، مع فونـــــوغراف قديم وأمامه تلفزيون عملاق 60 بوصة من البلازمــــا، هو مزيج من جماليات زمان وتقنيات اليوم، وحجرة النوم يمكن أن تكون من الطراز الحديث، الذي تعكسه العديد من الألوان المتنافرة والمتجاذبة، ولكن سريراً بعمدان نحاسية وخديدات من الكنافاة أو الجوبلان يحول الحجرة إلى أجواء ألف ليلة وليلة، ولا ينقصها سوى صياح ديك الغجرية الذي تصدر أغنية سيد درويش الشهيرة.
وللاختصاصيين في قواعد السلوك رأى في مدى انعكاس الأشياء القديمة في العلية، أو حتى شكل العلية نفسه سلباً على الإنسان، يقول د. كرين. ف. أن هذه الأشياء العتيقة المتربة البالية، يكون لها رد فعل سلبي على الحالة المزاجية للإنسان لأن ــ الإنسان ـــ بطبيعته يميل للجديد، ويتطلع لكل ما هو حديث إلاّ من بعض الاستثناءات، وإن هذه الأشياء القديمة ترسخ في الإنسان الطاقة السلبية، وتجعله يميل للكسل، وشبه د. كرين ذلك بمدى انتعاش الإنسان للزهور، واكتئابه من نبات الصبار العتيق الصحراوي المنشأ في رمال مكفهرة.
والكراكيب اتسع لها المجال في الفن السابع، فيلم «كراكيب» في السينما المصرية من بطولة صلاح السعدني وآثار الحكيم يعكس مفهوم الفقر والخضوع له، كالخضوع لكل ما هو قديم، وكأن الفقر يقاسم الإنسان منذ مولده، وللفيلم فلسفة رائعة تعكسها مشاعر التضحية، فكل من الزوجين، صلاح السعدني وآثار الحكيم يحاول انقاذ العائلة الصغيرة الفقيرة بوثيقة التأمين على الحياة، فيحاول كل منهما الانتحار لإنقاذ الآخر من قدوم الفقر الذي لزمهما في مشوار الحياة.
ولكن في النهاية يكتشف كل منهما الحقيقة، فيترك السعدني المنزل في حالة هيستريا.. أخذ يخلع ملابسه كنوع من التمرد على الحياة والفقر، ولكن المعدن الأصيل لديهما أعاد لهما السكينة وسط ركام «الكراكيب» التي يتكون منها منزلهما. وفي السينما العالمية، كان للعلية حضور قوي وغامض، خاصة الأفلام البوليسية، وأفلام الرعب، والتي من أشهرها في هذا المجال فيلم «آتيك» أو العلية، إنتاج 2008 تأليف «توم مالوي» و«بوب ديتانو» و«اليزابيث موسى» تصوير د.«جيمس كالانان» وإخراج «ماري لامبارت».
الفيلم من النوع البوليسي، الجريمة لها حضورها، لعبت علية المنزل دور البطولة المكانية في ارتكاب الجريمة، بالإضافة للعنصر النفسي المضطرب لأبطال الفيلم، وهو من الأفلام التي يصعب معها التكهن بأي حقائق الإّ في اللحظة الأخيرة من الفيلم.
ربما من هنا، في الواقع أو الخيال، تلعب العلية العديد من الأدوار في حياة الناس، فهي الحاضر الغائب دوماً، هي الواقع والذاكرة، هي السكون والجريمة، والأهم هي صفحة في تاريخ كل أسرة كان في بيتها ذات يوم.. علية.