ثمة وسائط عديدة، اخترعها الإنسان، لإسعافه في ممارسة حياته اليوميّة، بسلاسة وسهولة وأمان وسرعة، منها ما هو آلي يحتاج إلى محرك، كان يعمل على الهواء أو الماء، ثم لاحقاً على البترول والكهرباء والبطاريات الجافة، كالطواحين، والمراكب، ووسائل النقل، وأجهزة التنظيف، ووسائل اللهو والاتصال... إلخ، ومنها ما هو بسيط غير متحرك، كالمقاعد، والطاولات، والسلالم، والأدراج، التي تحمل حكاية طويلة مع الإنسان.
مع تطور الإنسان، وتقدمه فكراً وخيالاً وثقافة وقدرة على الوصف والتعبير والرمز والاستعارة المبطنة والبليغة في دلالتها، أسقط على بعض هذه الوسائط والحاجات المادية البحتة، جملة من الرموز والدلالات، بحيث تحوّل بعضها إلى أمثال وحكم ومصطلحات، تتجاوز المعنى المباشر، إلى معانٍ عميقة وبليغة، تشير إلى حالات إنسانيّة متباينة، سلبية وإيجابية ومخاتلة، منها على سبيل المثال لا الحصر، الأدراج والسلالم، التي وُجدت في الأساس لإسعاف الإنسان على الصعود والنزول، والوصول بوساطتها إلى مكان مرتفع داخل البناء أو خارجه، أو الهبوط بوساطتها من مكان مرتفع إلى آخر منخفض، سواء فوق سطح الأرض، أو في عمقها، كالنزول إلى الآبار، والمناجم، والفجوات، والمغارات.
مسار وتطور
بدأت الأدراج والسلالم بسيطة في شكلها والخامات المنفذة منها، ثم تطورت آخذةً أكثر من شكل ومادة وخامة. فقد صُنعت من سيقان الأشجار وأغصانها، وثُبتت درجاتها بوساطة بعض النباتات والحشائش، قبل أن يكتشف الإنسان المسامير الخشبية والمعدنية. ثم صُنعت من الأحجار، والمعادن، والبلاستيك، والرخام.
بعضها متحرك، بحيث يمكن نقله إلى أمكنة مختلفة، وبعضها الآخر، ثابت داخل البناء أو خارجه، وهذا الأخير، نُفذ هو الآخر، من مواد وخامات وأشكال مختلفة، وأنيطت به مهام ووظائف عديدة، منها الصعود بوساطته إلى سطح المبنى، أو من أرضٍ واطئة في الطريق، أو الحديقة، أو الحقل، أو الملعب، أو المسرح، إلى أرض عاليّة. أو إلى غرف وصالونات وطوابق علوية، من داخل المبنى أو من خارجه.
كانت هذه الأدراج، بسيطة التصميم والتنفيذ والمواد والخامات، ثم تطورت من النواحي كافة، بفضل وجود فنانين ومهندسي عمارة ومصممين مختصين، عكفوا على ابتكار تصاميم جديدة لها، بحيث باتت جزءاً متوافقاً ومنسجماً، من التصميم العام، للمكان الموجودة فيه، في الداخل أو في الخارج.
وفيما كانت من حيث الشكل، بقياسات وحجوم مختلفة، مع إمكانية نقلها من مكان لآخر، أصبحت فيما بعد، مطويّة، تُفتح عند اللزوم، أو ثابتة في مكانها. وبتطور الصناعة والتكنولوجيا ، تحوّلت إلى سلالم وأدراج متحركة بوساطة الكهرباء، يكفي معها المرء أن يقف على إحدى درجاتها، ليصل إلى الطابق الأعلى، أو ينزل إلى الأسفل، ثم جاء ما يعرف بالمصاعد التي لا تحتاج سوى إلى كبسة زر، لتصعد بالإنسان إلى طوابق تعلوا مئات الأمتار عن سطح الأرض، أو تنزل بوساطتها، إلى مئات الأمتار، داخل الأرض، كما في مناجم الملح والفحم وغيره.
حيث توجد مرافق حياة كاملة للعمال الذين يشتغلون فيها، كالأنفاق والطرقات والسكك الحديدية والمكاتب والمطاعم ووسائل الإضاءة، يتم التواصل معها عبر مصاعد خاصة، مزودة بكل وسائل الأمان، بعضها مخصص للعمال، والبعض الآخر، لإخراج الخامات الموجودة في المنجم.
في غمرة المدينة
ارتبطت السلالم والأدراج، ومنذ البداية، بالبيوت والعمائر، بحيث أصبحت من مفرداتها الأساسيّة. فهي وسيلة لا بد منها للصعود إلى أسطح البيوت، أو إلى الطوابق العلويّة، كما أنها وسيلة النزول منها إلى الطوابق الأرضيّة، ومن الطوابق الأرضيّة إلى الأقبية والدهاليز. ووسيلة الصعود إلى المرتفعات الطبيعيّة كالوهاد والتلال والجبال.
ولأن مساحات البناء (السكني والتجاري) في مراكز المدن والبلدات المكتظة بالناس، أصبحت مرتفعة الثمن، عمد المختصون بالعمارة، إلى الإكثار من الأبنية البرجيّة العالية (ومن أبرزها ناطحات السحاب) التي تحوّل بعضها إلى حارة، أو حي ينهض في الفراغ.
حيث باتت بعض هذه الأبنية، تضم مئات الأسر، والمكاتب الخدميّة المختلفة، بدءاً من المطاعم، والمقاهي، والبارات، والأسواق، والمحال التجاريّة التخصصيّة، والورش الصغيرة، ما جعل البعض الضخم منها، أشبه ما تكون، ببلدة صغيرة معلقة في الهواء، وللتواصل مع مرافق هذه البلدة، لا بد من السلالم والأدراج الثابتة والمتحركة والمختلفة التصاميم والمهام، منها ما هو مخصص لصعود ونزول الناس، ومنها ما هو مخصص لنقل البضائع، والأثاث، والمواد الغذائيّة، ومنها ما هو مخصص للنجاة في حال اندلاع حريق، أو حدوث عطل ما في البرج، أو ناطحة السحاب.
تواريخ ودلالات
مر تصميم السلم بمراحل تاريخيّة مختلفة قبل أن يأخذ أشكاله وطرزه الحالية، وأشارت الدراسات إلى أن أول رسومات مدروسة لتصميم السلم، وضعها المصريون القدماء منذ أكثر من خمسة آلاف عام، وأن الأبعاد التي وفرت سلماً مريحاً وآمناً، وضعها مهندس معماري كان يعمل في خدمة يوليوس قيصر قبل نحو قرن من الميلاد، و كان عرض الدرجة أفقياً 30 سم، وارتفاعها 51 سم، والدرابزين 09 سم، وقد وصل المهندس إلى هذه الأبعاد، عبر نظريات (فيثاغورس).
ومن الأمثال الطريفة والبليغة الدلالة قولهم: بعض الناس كالسلالم، يصعد عليهم الصاعدون، وينزل عليهم النازلون، أما هم فلا يصعدون ولا ينزلون، ولكي يكون صعود الإنسان سليماً وراسخاً، عليه أن يصعد الدرج درجة درجة، للتدرج في الأشياء، وثمة أقوال وأمثال كثيرة، تناولت الأدراج والسلالم ، وحاجات أخرى كثيرة في حياة الإنسان تملك إمكانية تضمينها دلالات، أو اتخاذها رموزا تفضي الى توصيف حالة أو صفة أو مظهر إنساني أكدته الوقائع وأثبتته التجارب.
نزعة جمالية
وككل الحاجات الاستخداميّة في حياة الإنسان، طاول السلالم والأدراج، نزعة تزيينيّة حولتها إلى عنصر فني جمالي داخل وخارج المنشأة المعماريّة. فبالإضافة إلى دخول مواد جديدة على صناعة السلالم والأدراج كالزجاج، والبلكسي، والاستانلس ستيل، طاولت كسوتها تشكيلات من الموازييك، والألوان المتباينة، والإضاءة المتنوعة، ما خلق نوعاً من التناغم والانسجام بينها وبين محيطها. من جانب آخر، تحتاج السلالم، إلى دراسة رياضيّة دقيقة، لا سيما عرض الدرجة فيها وطولها وارتفاعها، حتى توفر صعوداً ونزولاً، مريحاً للإنسان، الذي قد يستخدمها مرات عديدة في اليوم الواحد، الأمر الذي يتطلب دراسة دقيقة لأبعادها.