عالم من السحر والأساطير هو، حفنة من الألوان تنقلك لقرية الحرانية بمصر، تنعكس فيه كل مفردات التاريخ الاجتماعي لأعالي الصعيد بعراقته وغموضه، حفنة أخرى من ألوان متباينة حين تتابعها لتجد نفسك في اللوفر الفرنسي، ويطير وجدانك معها للريف الانجليزي، حكاوي شعوب وعبقرية فنانين معاً.. كانت هذه التحف فرنسية المنشأ التي تعرف «بالجوبلان» الناعم كالحرير، واضحة المعالم صادقة في السرد، على حوائط وجدران القصور، ومنازل النخبة يستقر ولا نعرف بالتحديد من منهما أخذ العراقة من الآخر.. فكلاهما أصيل.

من قبل الميلاد نبدأ، حيث يعتبر الجوبلان أحد أقدم أساليب إبداع فن النسيج، فقد وجدت أقدم قطعة جوبلان، حسب روايات مؤرخي الفن الذين أيدهم التاريخ المسطور في ذلك، في القرن السادس عشر قبل الميلاد بالتحديد، ولكنه كان منتشراً في العديد من بقاع العالم وقتذاك في مصر وبابل والصين وبيرو، وفي وسط أوروبا .

حيث الجمال الطبيعي ينطق إعجازاً في الخلق، ازدهر في هذه المناطق الأوروبية العاشقة لكل جميل، وقتذاك كان الجوبلان ينسج من الصوف، وكان لهذه الطريقة الفنية في استخدام الصوف تأثير قوي، حيث نجح في عزل الغرف والمنازل حرارياً بالإضافة للبعد الجمالي الذي يتسرب خلسة إلى القلب متحدياً العيون، لأن المشاعر النابضة تأتي دائماً من الداخل ثم تنعكس للخارج، هكذا يوضح علماء السلوكيات أثر دراسات كثيرة على مدى تأثير الجمال على الإنسان، فضلاً عن إنه ـــ الجمال ــ يُشعر الإنسان بالثراء النفسي.

والطريف أن الملوك والنبلاء في العصور الوسطى في أوروبا، عندما يكونون في حالة سفر وترحال يجوبون العالم من أجل الاتفاقيات متعددة المغزى، كانوا يصطحبون معهم جزءا من ممتلكاتهم من فن الجوبلان ليستشعروا الجمال حتى بعيدا عن أوطانهم، إنها حكاوي لكل جميل ومميز ورائع ورصين.

مفردات الجمال

وتعتبر مدينة آراسي الفرنسية أول مركز في العالم لصناعة الجوبلان تليها بلجيكا، وقتذاك كان فن الجوبلان يعكس صفحات من تاريخ الأمم والأساطير القديمة، وأيضاً كانت هناك قطع عملاقة من الجوبلان تعكس الطبيعة بكل مفردات الجمال الطبيعي فيها، وهذه النوعية من الجوبلان تجد رواجاً كبيراً، فالطبيعة والإنسان وجهان لعملة واحدة جميلة.

وقطع الجوبلان، التي انتشرت في منازل النخبة الأرستقراطية في العالم كله لتستقر على جدران منازلهم، ربما بعد أن ضاق بها الحال من كلاسيكية النبلاء والملوك، فالجمال والعراقة لا يعرفان الطبقية، ولا يقفان عند حدود معينة ولكن فن الجوبلان لابد وأن يعرف بأن «جيل وجين جوبلان» في باريس في العام ‬1450 يرجع إليهما الفضل كله في تشييد المصانع الكبرى الباريسية هي الأولى في إخراج قطع الجوبلان لتطل على العالم كله، وهذه المصانع تجدد نفسها تحت إشراف المهندسين والفنانين الفرنسيين حتى الآن، لأن رحلة الأصالة في الغرب تدوم وتدوم.

وهي رمز وتراث، أحد لا يعمل على الإطاحة بها بمسميات شتى، مثلما تشهد مناطق كثيرة في العالم كله كانت الحضارات فيها لعبة في يد قلة لا يتذوقون الفن ومعنى وجور الرمز والجمال والامتداد. ويعتبر فن «الأوبيسون» الفرنسي، الذي استمد اسمه أيضاً من مدينة أوبيسون الفرنسية، فناً عريقاً لايزال موجوداً حتى الآن في شكل مفردات الصالون في منازل النخبة، أو صور تحكي حكاية حب أو جمال طبيعي أو معارك تطغى فيها الألوان الأرجوانية.

ولابد وأن يكون للفراعنة مكان، ومكان قوي كالصرح والهرم والمعبد ومركبات الشمس، وخلود النيل، فقد اشتهر الفراعنة في مصر القديمة بالمنسوجات والمشغولات البديعة، يظهر ذلك جليا في ملابسهم، وجدارياتهم الخالدة، التي لم ينل الزمن من ألوانها التي تصدت لكل عوامل التعرية، حافظة سر الأجداد، ولا تقبل المشاركة في الاحتكار وغموض القدماء المصريين الذين أذهلوا العالم، ومازالوا، فقد فاقت شهرة المنسوجات الفرعونية نظيرتها في كل العصور، ليكون لها الحضور الأقوى دوماً في سلسلة التاريخ.

حيث فرضت حضورها خلال العصور الرومانية والقبطية والإسلامية، وخصص الفراعنة أنسجة خاصة جداً في طياتها سر التحنيط، الذي لم تفك شفرته حتى الآن. وتعتبر محافظة أسيوط، في صعيد مصر، واحدة من أعرق المناطق التي تخصصت في فنون الجوبلان والأوبيسون أو كما يعرف بالانجليزية ـ.

ـ كما هو شائع حتى الآن ـــ بفن «التابستري»، وأيضاً اشتهرت أسيوط بالصدارة في إنتاج المنسوجات المختلفة والمتنوعة، كالكتان الطبيعي والسجاد الأسيوطي و«الكليم» (نوع من السجاد اليدوي المصنع من الأقمشة المحاكة يدوياً يمتاز بألوانه، وغالباً ما ينتشر في منازل الطبقة ما دون المتوسطة، أو في شرفات الارستقراطيين، حيث يغطون الأرائك كنوع من القيمة الفنية الرائعة لأبناء الصعيد، وخاصة إذا كانت هذه العائلات من أصول صعيدية) وقد اشتهرت أسيوط كذلك بنسيج العمائم التي طارت شهرتها إلى كل مدن العالم.

وماذا عن ألوان خيوط الجوبلان التي بها تكتمل الصورة الفنية أو قطعة الفن الراقي؟ يوضح كتاب «تاريخ الفنون في مصر والعالم»، بأن ألوان الجوبلان لابد وأن تتناغم مع المكان بكل مفرداته، سواء أكان صالونا ينتمي إلى الطابع الكلاسيكي أو حجرة طعام تعكس فيها جداريات الجوبلان قطوفاً من الفواكه، ألوانها مجسدة وثابتة وكأنها تطل بقوة على المكان.

ويعتبر الفنان العالمي اللبناني الأصل «مروان العريض» من أكثر الفنانين العرب شهرة في اختيار الألوان وتجسيد حكايات مختلفة على جدارية أو لوحة الجوبلان، واشتهر كذلك في تجسيد عراقة الفن الإسلامي من خلال حياكة حروف الآيات القرآنية بخيوط يدخل في صناعتها الذهب عيار ‬14.

 

تاريخ ملون

للحرانية تاريخ ملون، محبوك على قطع الجوبلان، فقد اشتهرت الحرانية في مصر بطرح الجوبلان كموروث شعبي مصري عريق، يعكس مفردات المجتمع المتنوعة شديدة الحراك في كل الاتجاهات وربما من هنا ـــ ولأسباب أخرى متنوعة في هذا الفن ــ تطايرت شهرة جوبلان الحرانية، تلك القرية المصرية العريقة التي عشقت الفن ــ تطايرت شهرته للعالم كله، ويستخدم فنانو الحرانية أجود أنواع الخيوط الصوفية والحريرية، ومعها ينطلقون بخيالهم دون الاستعانة بأي رسومات محددة، فكل ما يمتلكونه هو الخيال الفطري والذوق العالي، وهما أبرز عناصر موروثاتهم التي يعملون بها، بالإضافة إلى نول يدوي الصنع، فمن وحي البيئة الريفية أخرجت أنامل هؤلاء الفنانين أجمل لوحات على الجوبلان، وتنوعت فيما بين مفردات بيئتهم، والرسومات الفرعونية والإسلامية والزهور.

بالإضافة إلى نقل وتسجيل مفردات حياتهم اليومية، ويتميزون بأنهم يصبغون خيوط الجوبلان بصبغات الطبيعة والمستخرجة من النباتات كنبات المغر الذي منه تستخرج الصبغة الحمراء، ونبات البيتولا الذي تستخرج منه الصبغة الصفراء، ونبات البنجر (الشمندر) الذي يستخرج منه اللون الارجواني الداكن، وقشور البصل التي تدر اللون العاجي، ومشروب زهور الكركديه التي منها يستخرج اللون البنفسجي، ونبات النيلة الذي منه يستخرج اللون الأزرق،

وكبار التجار في قرية الحرانية بمصر يوضحون أن العمل مع الزوار والسائحين يعد مريحاً وأيضاً مربحاً، حيث إنهم يعرفون جودة جوبلان «وكليم» الحرانية، ويشترونه بأعلى ثمن، وفي أحيان كثيرة يتقدمون بطلبيات لموسم السياحة التالي لحملها، لبلادهم كهدايا قيمة وموروثات عريقة، يأخذونها ومعها حفنة من الذكريات من مصر المحروسة.

والنول يدوي الصنع لا يخلو منه بيت في قرية الحرانية، فالجميع يعمل في هذه المهنة الفنية الرائعة كهواة وحرفيين يتوارثونها أباً عن جد.

وجوبلان «وكليم» مدينة فوة في مصر يتكلم عن نفسه من حيث جودته وقيمته الفنية، و«بفوة» مؤسسة نهضة فوة للكليم والسجاد يعمل فيها ‬1420 فنياً ومهندساً متخصصاً في النسيج، يصدر معظم الإنتاج لدول أوروبا وجنوب شرق آسيا، وبعض من الدول العربية، ويباع بأسعار عالية تتناسب مع جودته وتاريخه الطويل.

 

أسطورة فنية

ويعرف نسيج الجوبلان في انجلترا باسم «التابستري» وتعتبر قطعة الجوبلان أو التابستري العريقة العالمية الأطول في تاريخ هذا الفن، والتي تعكس أحداث معركة هاستنجز، تعتبر أسطورة فنية تحكي بالفن الرفيع اجتياح النورمانديين لبريطانيا، وتباع هذه القطعة الفنية العالمية حالياً مجزأة، حيث كل جزء يصور لمحة في هذه المعركة الشهيرة.

واشتهرت تونس بشمال إفريقيا بالزرابية (وهي نسيج صوفي خشن يدوي الصنع يستخدم في الجوبلان والملابس) اشتهرت بها تونس، كما اشتهرت تونس أيضا بالمرقوم والكليم الملون بألوان الطبيعة والبحر، بالإضافة إلى أصناف من المعلقات (الجوبلان الصوفي) على جدران المنازل، والنسيج نفسه يستخدم في الملابس التي تطير للمشاركة في عروض الازياء الباريسية والايطالية.

وتعتبر لوحات الجوبلان الأصلي، التي كانت موجودة في قصور وسرايات الملوك في عصور مختلفة، وولت هذه العصور بكل جمالياتها، وغير ذلك من انطباعات، من الأعمال الفنية التي تتهافت عليها كبريات صالات المزادات في العالم، مثل صالتي سوثبيز وكريستيز، وهما الصالتان الوحيدتان في العالم المتخصصتان في عروض بعض التحف النادرة، وفيها الجوبلان المملوك للملك فاروق، ملك مصر، وكانت هذه المقتنيات في كل من قصري المنتزه ورأس التين بالإسكندرية وهما القصران المفضلان للملك الراحل برغم تعدد قصوره الملكية، هو زمن كان الجمال فيه منهج حياة، ليس أكثر.

ومن كبار الفنانين في مصر والعالم الذين يعشقون فن الجوبلان الفنانون جميل راتب، وعز الدين ذو الفقار، وأحمد مظهر وفاتن حمامة، وحسين فهمي، وهاني شاكر، وغيرهم الكثير، أما على المستوى العالمي، فكانت «اليزابيث تيلور من عشاق فن الجوبلان، وكذلك ريتا هيوارت وجريجوري بيك، والمخرج الايطالي انطونيو فيلليني، ولم يقتنوا هذه النوعية الراقية من الجداريات لمجرد الاقتناء فقط، وإنما أيضاً لأنهم جميعهم من عشاق الجمال، الذي هو جزء من نهج حياتهم.

وقد ظهرت منذ ظهور الجوبلان صناعة ملازمة له، وهي صناعة الأُطر (البراويز) التي تبروز قماش الجوبلان بعد شده بطريقة خاصة جداً على أنوال معينة لها أسس ونظريات ومدة شد خاصة بكل قطعة جوبلان، حسب حجمها ومقاسها، وغالبا ما كانت براويز الجوبلان الأصلي محفورة حفراً يدوياً يتناسب مع القطعة الفنية، وتذهّب بذهب عيار ‬21، جزء منه مؤكسد والآخر لامع، وأحياناً تدخل أشكال لأنواع زهور نادرة في حفر البراويز، والتي تنتهي من الركن، لأسفل من البرواز بحفر الحروف الأولى للشخص الذي يقتني الجوبلان، والركن الثاني الحروف الأولى الموقعة (سينيه) بأيدي الفنانين المبتكرين لهذا الفن الرائع.