كسر حاجز الأسمنت والحديد والإسفلت وصمته وربما قسوته وجفاءه أيضا، مفردات تشكل في أبعادها الإنسانية أحد أبرز الأهداف الكامنة وراء الاهتمام البالغ الذي يوليه مهندسو المدن في تزيين حواضرهم بالورود والأزهار حينا، وبالمساحات الخضراء أحيانا. حيث تحدو الإنسان الرغبة منذ القدم في تشكيل وبناء المدن والبلدات التي قطنها عبر التاريخ، وفي كل أمكنة العالم.
إذا كان المشرفون على تصميم المدن وتطويرها يركزون على الجوانب الجمالية رأفة بعين مستخدمي الطرق والعابرين، حتى لو كانت تلك المدن والبلدات تحتضنها مناخات توفر لها بيئة خصبة لنمو الأشجار والنباتـــات والــورود والأزهار، فإن ذلك التركيز يصبح أضعافاً مضاعفة عندما يتعلق الأمر بتلك البلدان الصحراوية ذات المناخ الجاف، الذي تقل فيه الأمطار ما يقلل وإلى حد كبير من فرص تمتعها بصورة طبيعيـــة بجمال الطبيعة وما يوفره هذا الجمال من متعـــة للنظر وراحة للنفس.
وتعتبر مدينة دبي مثالاً حياً لتصميم وتنسيق المساحات الخضراء، فالأشجار والنباتات تشكل العنصر الأساسي لجمال المدينة، الذي يتناغم مع حالة متقدمة من تنسيق المواقع والشوارع والحدائق العامة والمتنزهات، بحيث تتكفل تلك الأشجار والنباتات بإضفاء عنصر الطبيعة والجمال على المرافق والمباني وتكسر حدتها، وتؤثر إيجاباً على صحة الإنسان من حيث دورها الفعال في تنقية الهواء والماء والتربة، مما يشكل عاملاً آخر يضاف إلى مجموعة العوامل الجاذبة في المدينة المعاصرة، ما يجعلها قبلة حقيقية للزائرين من كل حدب وصوب، لما فيها من تناسق وتناغم بين التخطيط العمراني والرقعة الخضراء فيها.
المدينة في أبهى صورها
هناك عدة إنجازات ملموسة تمت في مجال تزيين وتجميل الشوارع في إمارة دبي، وذلك بزيادة المساحات الخضراء واستغلال المساحات المحيطة بالشوارع لخدمة البيئة من جهة، وإضفاء المزيد من الجمالية على المدينة من جهة أخرى فتمت زراعتها بالأزاهير والأشجار المختلفة الأنواع والأشكال، ولطالما استمتعنا بمناظرها الخلابة في المرواح والمجيء، فهناك لمسات واضحة لأنامل عملت على إبراز فنية وجمالية الشوارع،.
وذلك بإدخال العنصر النباتي في شكل شجيرات أو حدائق أو أسوار على جزيرة الطريق أو جوانبه، وزراعة أنواع قابلة للقص ولا تتسبب جذورها بأي ضرر لبنية الشارع. كما تزهو دبي بنوع آخر من الجمال الطبيعي، حيث تحرص الجهات المعنية فيها على زراعة الشجيرات والأشجار المزهرة طوال العام، حيث تمتلك رائحة جذابة مثلما تحرص على زراعة الزهور المختلفة بألوان متعاكسة، بحيث توضع الزهور البيضاء بجوار الحمراء مثلاً والصفراء بجوار الزرقاء والبرتقالية بجوار البنفسجية وهكذا، كما تحرص الجهات عينها على إنشاء مدرجات من الأحواض النباتية تعكس لوحات فنية رائعة تبرز جمالية المدينة.
كما تتحلى دبي عادة بأكثر من 27 مليــون زهرة تزين وتعطر شوارعها وأمكنتهـــا العامـــة وحتى حدائق البيوت والفلل والقصور، وهي من الزهور التي تعمل الجهات المختصة على زراعتها في ثلاث عروات سنوياً، منها عروتان شتويتان، تبدأ الأولى من سبتمبر وتستمر إلى يناير، والثانية تبدأ من يناير وتستمر إلى مايو، في حين تستمر العروة الصيفية من مايو إلى سبتمبر، بينما تتخلل فترة الزراعة والصيانة العديد من العمليات الزراعية من إزالة العروات السابقة من الزهور وتجهيز التربة وتقليبها وتعقيمهـــا بالشمس ومن ثم تسميدها.
جماليات الورد
تشهد دبي توسعاً لافتاً في المساحات المخصصة لزراعة الزهور سنوياً والتي تزداد معها أعداد الزهور المستخدمة في تجميل المدينة، واستخدام الأشجار المزهرة مثل «البوانسيا»، و«البلتفرم»، و«التابوبيا»، و«الإسباثوديا»، و«الملنجتونيا»، و«الياسمين الهندي» و«الهبسكس»، و«السيزلبينيا»، التي تعتبر من أهم العناصر الجمالية التي أضفت مزيداً من السحر على شوارع المدينة وأمكنتها العامة، وخير مثال على ذلك وجود أزهار وأشجار «البوانسيا» الحمراء خلال أشهر مايو ويونيو ويوليو، التي تعوض أي نقص في الزهور في تلك الفترة من السنة.
وعادة ما تبدأ إدارة الحدائـــق العامة والزراعة في بلدية دبي في تنفيذ زراعة زهور العـــروة الشتويـــــة الرئيسية والتي يتم الانتهــــــاء من زراعتهـــــا في نهاية شهر يناير من كــــل عام، وتشمل زراعة شتــــلات «البتونيا» بأصنافها وألوانها المختلفــــة كالعنــــابي والأحمــــر والوردي والقرمزي والبنفسجي والأبيض والأزرق، وشتلات الأنترهينــــم والأليســـــم الأبيض والوردي وشتلات البلارجونيــــم والاجراتم والبنسية والسالفيا، وتستمر هذه الشتـــــلات في حالة إزهار تام حتى شهر مايـــــو لتحـــــل محلهــــــا أنــــواع أخرى من الزهور.