منذ أن وجد الإنسان فوق هذه الأرض، وربما منذ اللحظات الأولى لهذا الوجود، رافقته حالة من الملل والضجر، وسيطرت عليه سطوة المألوف والتكرار والتعود والرتابة والسأم، ما دفعه مبكراً، للبحث عن وسائل يكشح بها هذا الملل، وُيذهب من خلالها الضجر، ويحرك المألوف، ويهز التكرار، ويخرج من التعود، ويقضي على الرتابة، ويحارب السأم وصولاً إلى منح نفسه، شيئاً من الفرح والسعادة والانتعاش والتجديد والأمل، أي خلق أسباب جديدة للحياة، وممارسة فعل العيش.

 

لتحقيق هذه الأهداف مجتمعة، أوجد الإنسان الاحتفالات (الكرنفالات) والأعياد المتعددة الأشكال والألوان والمسببات والمظاهر، الموحدة الأهداف والغايات وهي: تحريك رتابة أيام العمر، وضجر السنين، وثقل حركة الزمن، والتحايل على الإحساس المر والقاتل، بقصر رحلة الحياة، وسرعة عبور الإنسان لها!!.

 

آمال وأحلام وأعياد

ما أن يبدأ الإنسان رحلة الحيــــاة، ويعـــي ماهيتهــــا، حتى تتملكــــه آمال عراض، وأحلام ورديّة، وطموحات لا تعرف الحدود، يعمل جاهداً على تحقيقها. بعضها يتحقق، وبعضها الآخر تذروه رياح النضال الصعب على جبهة العيش، لا سيما بالنسبة للذين يولـــدون ويعيشـــون فـــقراء، وتتـــعثر حظوظهـــــم في العثور على عمل مثمر، يحسّنون من خلاله واقعهم المتردي.

بعضهم الآخر، يتمكن من تحقيق النزر اليسير من هذه الطموحات، ما يدفعهم لاستحضار المحطات السعيدة في حياتهم، بغية إرضاء نفوسهم الملولة وغير الراضيّة، وبالتالي استغفال الحياة، ونهب هنيهات هنيّة منها.

في غمرة النجاح أو الإخفاق، أو ما بين بين، سرعان ما تواجه الإنسان إشارات الخروج من الحياة التي قد تدفع البعض للركون إلى حتميّة قدومها، فيعمل لآخرته كأنه يموت غداً، والبعض الآخر، يندغر على الحياة وكأنه يعيش أبداً.

الإحساس الطــــاغي بالضجـــر والفــــــراغ ورتابـــــة الحياة القاتلـــة: نزوع قديم جديد، تملك الإنسان، ولا زال أحد أهم أمراضه التي تدفعه لليأس والقنــــوط وعـــدم التوازن، الأمر الذي يدفعه لإيجاد وسائل للتخفيف من سطوته عليه، فكانت (الكرنفالات) والأعياد والمناسبات الاحتفاليّة المتعددة الأشكال، إحدى أبرز هذه الوسائـــل التي ربـــط بعضها بالعقيدة والدين.

وبعضها الآخر بالمجهول، أو بظواهر الطبيعة المختلفة كقدوم الربيع، ومواسم الحصاد وجمع الغلال، وهطول المطر، وغـــير ذلك من مظاهـــــر عطاءات الأرض، والتحولات التي تشهدهــا عناصر أساسيّة في الكون كالقمـــر والشمـــس والنجـــوم والبرق والرعــــــد والعواصف... الخ. وبعض هذه الأعيـــاد، ربطهـــا الإنســـان بقضايا شخصيّة أو اجتماعية، كأعياد الميلاد، والختان، والزواج، والحب، والبلوغ، والانتصار، والنجاح... الخ.

 

هدف واحد

بغض النظر عن مرجعيات (الكرنفالات) والأعياد التي أوجدها الإنسان في حياته، فإن الهدف الرئيس وراء اختراعها، ظل واحداً هو: تحريك روتين الحياة وتجديدها وإيجاد المبررات للاستمرار فيها، وتالياً إبعادها عن الوقوع بين مخالب اليأس الذي يدفع بالبعض للخروج من الحياة قبل الآوان، بإرادتهم، وعن سابق إصرار وقصد، أي بالانتحار!!.

والحقيقة التي أكدتها الدراسات والبحوث النفسيّة والاجتماعيّة، تشير إلى أن الضجر الذي يقود إلى السأم فاليأس، من أبرز وأخطر الأمراض التي تصيب الإنسان، وتدفعه لوضع حد لحياته بنفسه. بمعنى أن هذا المرض الشخصي، النفسي، الاجتماعي، أشد فتكاً بالإنسان من الأمراض الجسديّة (الفزيولوجيّة) التي تصيب بدنه، إذ في حين يمكن معالجة هذه الأخيرة، بالأدوية والعمليات الجراحيّة، وأحياناً بالوقاية، يصعب معالجة الأخرى التي يصعب تشخيصها بدقة، وتالياً يصعب معالجتها.

 

اختلاف وتنوع

تتنوع (الكرنفالات) والأعياد وتختلف في أشكالها ومضامينها، من شعب لآخر، لكن هدفها يبقى واحداً. بالمقابل هناك أعياد تشكل قاسماً مشتركاً للعديد من الشعوب، كأعياد الميلاد، والفصح، والأضحى، وعيد الفطر، ورأس السنة الهجريّة والميلاديّة، وأعياد أخرى كثيرة، تتشارك شعوب وأمم فيها.

لوجودها في منطقة واحدة، أو لأنها تنحدر من عرق واحد، وتؤمن بنفس المعتقدات. ومع تعدد مرجعيات (الكرنفالات) أو الأعياد، تتعد طقوسها وطرائق ممارستها وأوقاتها وقوة حضورها، إذ أن العديد من هذه الأعياد غاب أو يكاد، بسبب التطورات التي طرأت على حياة الإنسان المعاصر، وبروز نزعة استقلاليّة لديه فصلته عن أسرته الكبيرة، وعن قبيلته، وحتى عن مجتمعه.

من الأعياد الآفلة: أعياد الحصاد والغلال والربيع والتعاون والختان وكل ما له علاقة، بالتجمعات البشريّة القبليّة، أو الريفيّة المرتبطة بالزراعة والأرض، حيث كانت المشاركة والتعاون في الأفراح والأتراح، أبرز مظاهر هذه التجمعات. يُضاف إلى ذلك، التفسخ الاجتماعي المتنامي في عصرنا.

حيث ظهرت بتأثير عوامل سياسيّة، واجتماعيّة واقتصاديّة، وتكنولوجيّة، ونفسيّة، وثقافيّة، حالة مخيفة من تضخم الأنا لدى الناس، وسطوة النزعة الفرديّة المريضة لديهم، بحيث لم يعد المرء يزور والديه إلا مرة واحدة في السنة، بمناسبة أحد الأعياد، كما هو حاصل في الغرب الأوروبي والأميركي، مع أنه قد يكون ساكناً وإياهما في نفس المدينة، وهذه الحالة المرضيّة، بدأت تتسرب إلى مجتمعاتنا الشرقيّة التي طالما كانت تفتخر بروحانيتها، وعواطفها، وتعاونها الأسري والاجتماعي،وشدة إرتباطها الأسري.

 

أمثلة ونماذج

تزخر حياة الشعوب والأمم، بالعديد من (الكرنفالات) والأعياد والاحتفالات المتنوعة في أشكالها وأوقاتها وأساليبها وطرائق المشاركة فيها وطقوسها ووسائلها.

فإذا ما استثنينا الأعياد والمناسبات الدينيّة التي حُددت شكلاً ومضموناً ووقتاً، وفق تعاليم الشرع، نجد نماذج أخرى كثيرة، تنفرد بها بلدان وشعوب بعينها. مثال ذلك، مهرجانات رقص (السامبا) في البرازيل، و(الفاشنك) أو مهرجانات التنكر التي تشهدها البلاد الألمانيّة بدءاً من ‬11/‬11 وانتهاءً بيوم ‬11/‬2 من كل عام.

ومن أول شروط المشاركة في هذه (الكرنفالات) قيام الإنسان بالتنكر، بارتداء الثياب والأشياء الغريبة والطريفة التي تشعره بالتجديد، وتمنحه طيفاً واسعاً من الحرية، يمارس خلالها نوعاً من الانعتاق المفتوح على المغامرة المتماهيّة أحياناً بالجنون الجميل والمثير والطريف.

وفي أسبانيا، ثمة مهرجانات كثيرة، منها إطلاق الثيران في الشوارع، وقذف الناس بعضهم البعض بحبات الطماطم (البندورة). وفي دول أوروبيّة عديدة، تقام مهرجانات للخضار والفواكه، حيث تُشكّل من حبات الفواكه المختلفة (تفاح، برتقال آجاص، موز، أناناس، كرز، فريز، دراق، عنب، خوخ، جوافة، كريفون، رمان، ليمون، مشمـــش، تين) هيئات لنـــاس وحيوانات وعمائر وآلات ونصـــب تذكاريّـــة وكتل فراغيّة مختلفة. أو تُزين بها وسائل النقل ، إضافة إلى الخضار. وقد تحوّل السيارات إلى مروج خضراء.

وكذلك ثياب أصحابها، لتحقيق حالة من الانسجام والتوافق بينهما. وفي إيطاليا، توجد مهرجانات خاصـــة بالأقنعـــة، كذلك الأمر بالنسبة للعديد من الدول الأفريقيّة، حيث يعتبر القناع من الطقوس المتعددة الأهداف والغايات. وهناك أيضا عيد الحب (الفلنتاين) الذي عاد للظهـــور مؤخراً، وبقوة، في بلادنا العربيّة.

وفي كثير من الدول، تُقام أعياد للوحدانيين من النساء والرجال، حيث يتم توفير فرص اللقاء فيما بينهم، بهدف خروج كل منهم برفيق يؤنس وحدته، ويُزيل ضجره. وثمة أعياد و(كرنفالات) ومناسبات كثيرة تشهدها الصين واليابان وأندونيسيا والهند وروسيا ودول أمريكا اللاتينيّة، والدول الأفريقيّة، لا يمكن حصرها، أو الوقوف عندها جميعاً، في عجالة كهذه.

وكلها تهدف إلى تحريك حياة الإنسان الراكدة، وحقنها بالتجديد والحيويّة والفرح والسعادة، وبالتالي، بالأمل الذي يقدم للإنسان أسباباً دائمة للحياة وحب الحياة، بعيداً عن الضجر القاتل، والشعور المر بالفراغ، وسطوة العادة والتعود على جسده وروحه.

إن الإنسان (مثله مثل باقي المخلوقات والأشياء في الطبيعة) يتعرض شعوره للصدأ، وعواطفه للتجمد، وحركته للتكرار، وحياته للسأم والضجر، الأمر الذي يدفعه للبحث عن وسائل للتخلص منها وإزالتها منها: الانغماس بالطبيعة، والمشاركة بالكرنفالات والأعياد، وممارسة كل ما يمكن أن يجدد له حياته، ويحرك نهرها الراكد!!.