ألم يقف الفيلسوف الفرنسي، من أصل روماني، وليم سوريان ليقول إن «الزمن هو الاندحاري الوحيد»، وكان يتجول بين الأزقة المحيطة بجامعة السوربون. الحجر لا يتكلم، ولكنه يختزن العلم والمعرفة في باطنه.

 

من يدري بأن الكونت دي سوربون شيد هذه البناية الفخمة ليس من أجل نشر العلم والمعرفة فحسب، بل لتقي الطلبة من البرد والمطر، وهم يتلقون علومهم. واجهات المبنى التاريخي، المزخرفة على الطريقة الرومانية، شامخة في الحي اللاتيني، ومتميزة المعالم، وتظهر من بعيد كفنار وسط الحي اللاتيني.

 

أيقونة الكونت دي سوربون

أراد الكونت دي سوربون أن يكتب نصاً، فتناول ريشته ورسم مخطط الجامعة على الأوراق البيضاء، ثم سرعان ما تحولت الأوراق البيضاء إلى ألواح رخامية، وأخرى حجرية، هنا اجتمع القلم والريشة والمعول فماهي علاقة الكونت دو سوربون بالمعاول؟

 

لا علاقة له، سوى أن النحاتين أبدعوا زخارف الجدران الداخلية، وصاغوا تماثيل ومنحوتات فوق المدخل الرئيسي، لترمز إلى الشعر والفلسفة والعلوم والآداب، التي ازدهرت بين جدران هذا المبنى وأروقته الباذخة. كل شيء هنا يدل على القدم، الأثاث، الثريات، والأساتذة، بشعورهم البيضاء. وهنا ترك كبار الفنانين الفرنسيين بصماتهم على الخشب المرصع المنقوش.

 

وكل ما تحتويه السوربون الآن لا يمثل إلا جزءاً يسيراً مما كانت تحتويه قبل الثورة الفرنسية ‬1789، إذ ان معظم اللوحات الثمينة والمنحوتات قد سُرقت: إضافة إلى أقدم مطبعة باريسية تعود إلى عام ‬1470.

 

وفي عام ‬1626، قرر ريشيليو وزير الملك لويس الثالث عشر وخريج جامعة السوربون توكيل المهندس المعماري جاك لوميرسييه بترميم مباني الجامعة، وإعادة بنائها. وقد وضع رئيس الأساقفة في روان حجر الأساس في ‬18 مارس ‬1627. بغياب الوزير ريشيليو، الذي كان محتجزاً في تلك الفترة أثناء حصار لا روشيل، إلا أنه لم يتغيب عن وضع حجر أساس الجامعة في ‬15 مايو ‬1635.

 

وقد شهدت فرنسا في الثلاثين عاماً الأخيرة من القرن التاسع عشر إعادة تنظيم وإحياء المؤسسات التربوية، وبدأ العمل على إعادة اعمار السوربون في العام ‬1884. واستمر حتى أُنجز في العام ‬1901. وقد أنشئت المباني الجديدة حول ساحة الشرف القديمة ولم تبقَ سوى القبة شاهدةً على عهد ريشيليو، والتي لا تزال حتى الآن ترمز إلى السوربون إحدى أهم الجامعات الأوروبية القديمة، وتقدم خدمة ثقافية تعليمية متميزة منذ تأسيسها في مجالي الثقافة والعلم في باريس.

 

علاقة طويلة بالتراث العربي

ليست الحضارة العربية بعيدة عن جو السوربون، فهي حاضرة إما بالآداب والعلوم والأطروحات الجامعية، وإما في اللوحتين المعلقتين على الجدران الزاهية، احداهما لوحة للبهو الأسود في قصر الحمراء بغرناطة، وأخرى لوحة لمسجد أيا صوفيا في إسطنبول.

 

عندما كان الغرب يعيش في القرون الوسطى، كان العرب أول من نقل العلوم والآداب والفكر اليوناني القديم إلى شمال أوروبا. وقد اعتمدت جامعة السوربون لسنوات طويلة، على العلوم العربية:

 

رياضيات الخوارزمي جوهر تطور الرياضيات الغربية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وقد أدى ذلك إلى اعتماد الأرقام العربية بدل الأرقام الرومانية التي سبق وأن استخدمت في جميع أنحاء أوروبا. كما اعتمدت الجامعة على كتب البيروني في الجغرافيا، وابن مجاهد في علم قيادة السفن، والجزاري في علم ضغط الهواء والماء.

 

وقد طغت كتابات ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع على مناهج السوربون ردحاً من الزمن. وظلت كتب ابن سينا تدرس فيها حتى بداية القرن العشرين.

 

وذلك يشرح سبب تبلوّر حركة الاستشراق على يد عدد كبير من العلماء والمستشرقين أمثال ماسينيون وهنري لاوست وجاك بيرك وروجيه غارودي وغيرهم. كما أن الأساتذة العرب لعبوا دوراً بارزاً في ترسيخ تدريس العلوم العربية أمثال محمد أركون ويواكيم مبارك وجمال الدين بن الشيخ وأنور عبد الملك وغيرهم.

 

آلاف الطلبة يتوافدون سنوياً للدراسة في أروقة جامعة السوربون ولعلهم يتذكرون أسلافهم الذين كانت الجامعة تنهل من علومهم وكتبهم في بداياتها الأولى.

 

مشاهير تخرجوا منها

تعتبر جامعة السوربون، الكائنة في الحي اللاتيني، من أعرق الجامعات وأرقاها في العالم. تأسست قبل ‬750 سنة في العام ‬1253 للميلاد وذلك في القرون الوسطى بجهود الكونت روبير دي سوربون، المرشد الروحي للملك لويس التاسع ملك فرنسا آنذاك.

 

وقد استمدت بعض علومها من الحضارة الإسلامية العربية في الأندلس؟، وهي أول جامعة تقدم شهادة الدكتوراه. كما أن الجامعة تمتاز في تخصصات التاريخ والشؤون الدولية والآداب والعلوم الاجتماعية. ومن أبرز مشاهير العرب الذين تخرّجوا من جامعة السوربون طه حسين، الحبيب بورقيبة، أحلام مستغانمي، كمال جنبلاط، عبد الحليم محمود، بهاء الدين علايلي، يحيى الجمل، حسن الترابي، عبدالله النيباري وغيرهم الكثير.

 

كان الطلبة العرب يتحلقون حول أساتذتهم في المقاهي المجاورة احتفالاً بمناقشة أطروحاتهم. وفي الحقيقة، إن حياة كاملة تحيط بالجامعة حيث الطلبة يسكنون في الغرف الكائنة على الأسطح، وهي زهيدة الأجرة، وعادة ما تكون في الطابق السابع من البناية بدون سلالم كهربائية.

 

وتسمى (غرف الخدم)، حيث أمضى فيها الطلبة العرب سنوات من أعمارهم فيها، من أجل إكمال دراستهم العليا. كما تنتشر في المحيط أهم المكتبات العامة والتجارية. إضافة إلى صالات السينما ومطاعم المحافظات الفرنسية الشعبية التي لم تصمد في وجه الزمن، بل سرعان ما تحولت إلى مطاعم الأكل السريع.

 

الجامعة الأم بعد ثورة ‬1968

حررّت ثورة الطلبة في عام ‬1968 جامعة السوربون من الدولة، فانشطرت «السوربون» الأم إلى ‬13 جامعة في مختلف المناطق الباريسية، وأشاعت حرية الدراسة وديمقراطية الاختيار. وهناك اليوم ثلاث عشرة جامعة مستقلة حاليا، أربع لها وجود في مبنى السوربون التاريخي،.

 

وهي جامعة باريس الأولى (بانتيون- سوربون)، وجامعة باريس الثالثة (سربون الجديدة)، وجامعة باريس الرابعة (باريس-سوربون) وجامعة باريس الخامسة (باريس ديكارت).

 

ولجميعها مقرات بالبنايات القديمة للسوربون. وتعد شهادتها مفتاحاً للمناصب العليا الرفيعة وللشهرة. لقد افتتحت ثورة الطلبة مرحلة جديدة في أزمة المجتمع المعاصر، حيث انتقلت الحركة بالفعل من النظرية إلى النضال في الشوارع. وتحولت الجامعة إلى متاريس يحتمي بها الطلبة، ويدافعون عن حصنهم الأخير.. الثقافة. ولعل أهم ما أنجزته ثورة الطلبة أنها جعلت التعليم مجانياً لكل طبقات المجتمع دون تفريق.

 

وقد خرّجت الجامعة أفواجاً من الطلبة الفقراء الآتين من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، الذين لم تتوفر لهم رسوم الجامعة في البلدان الأوروبية الأخرى. فقد كانت جامعة السوربون تؤمن بأن رسالتها، كما رسمها مؤسسها، الكونت دي سوربون، هي نشر العلم والمعرفة بين الجميع.