البحر عالم المجهول والأسرار، مجنون تارة وساكن تارة أخرى، متجدد دوما، ففي كل موجة انطلاقة لحياة جديدة.. إنه صلة الوصل بين القارات، فما أروعها وأغربها قصص البحار في مدها انبعاث وخلق وفي جزرها انسحاب وسكون وطمأنينة..
فكم من حورية رسمناها في خيالاتنا، أنعشت ذاكرتنا البعيدة بأساطير جميلة من حكايات ألف ليلة وليلة فتركناها تطفو على وجه ماء الذاكرة بين حين وآخر ،حتى في أقصى حالات واقعيتنا. للبحر وجهان مختلفان وبالرغم من جماله وروعته فالغدر من شيمه أيضا.. شكّل مقبرة للسفن تناثر حطامها في قاع المحيطات على مر العصور.
مخاطبة البحر
البَحر ذلكَ العالمُ الساحر، وتلكَ الميتافيزيقيا الزرقاء الرائعة وهو يغدو بوسعه اللامتناهي والممتد بمثابة الرفاه الروحي مِن كُل القلق والتوترات الأرضية حيثَ تستقرُ المشاعرُ وتَهيج بسماع هدير الماء وطالما تخاطب البحر لتحكي همومها وترسمُ أحلامها عله ينقلها إلى أماكن أخرى وصورت عدة نصوص أدبية ولوحات فنية البحر حتى صار ما يعرف الآن بـ (أدب البحر).
أفلام في عمق البحار
يعتبر الفيلم العالمي الشهير تايتانك واحدا من أهم الأفلام التي أنتجت عن البحر وعنفوانه ؛ هذا الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية وهي قصة غرق الباخرة العملاقة تايتانك إثر اصطدامها بجبل جليدي في قلب المحيط الأطلسي حيث كانت متوجهة من لندن إلى نيويورك وذلك عام 1912 .
ويعد فيلم التايتانك من أهم الأفلام السينمائية التي جسدت البحر بكل حالاته، بعشقه وكرهه، بفقره وثراه، بصخبه وجنونه الذي لا يرحم فكانت أسطورة المارد الذي لا يقهر أسطورة المبدع جيمس كاميرون الحائز على إحدى عشرة جائزة أوسكار الذي أتحفنا بأروع الأفلام السينمائية في أواخر عقد التسعينات.
هواجس الشعراء
كان البحر ولايزال ملهم الشعراء فالقصائد التي كتبت في البحر لا تعد ولا تحصى وهو دائما ملاذهم الوحيد؛ يفرغون فيه ما تشوب به نفوسهم ويسرون له ما لا يستطيعوا أن يسروه لأحد.
فللبحر في نظر جبران مفهوم عميق عبر عنه في الكثير من أعماله عندما كتب البحر الأعظم الذي جسد فيه شخصيات مختلفة من البشر فغادر البحر في النهاية وأنشد البحر الأعظم ، وفي (رؤيا ) وهي إحدى نصوصه سار جبران نحو البحر وقال في نفسه (البحر لا ينام...
وفي يقظة البحر تعزية لروح لا تنام)؛ وفي (النبي) ينادي البحر بقوله (أما أنت أيها البحر العظيم أيتها الأم الهاجعة؛ أنت أيها البحر العظيم الذي فيك وحدك يجد النهر والجدول سلامهما وحريتهما فاعلم أن هذا الجدول لن يدور إلا دورة واحدة بعد ولن يسمع أحد خريره على هذا المعبر آتي إليك وحينئذ آتي إليك نقطة طليقة إلى اوقيانوس طليق).
وكان للبحر رصيد كبير من روائع الشاعر نزار قباني فما أكثر قصائده البحرية فها هو يوظف البحر في وصف سيدته الجميلة في قصيدة البحر فيقول:
في مرفأ عينيك الأزرق أمطار من ضوء مسموع
وشموس دائخة وقلوع ترسم رحلتها للمطلق
في مرفأ عينيك الأزرق شباك بحري مفتوح
وطيور في الأبعاد تلوح تبحث عن جزر لم تخلق
في مرفأ عينيك الأزرق أحلم بالبحر وبالإبحار
وأصيد ملايين الأقمار وعقود اللؤلؤ والزنبق
لو أني لوأني بحار لو احد يمنحني زورق
أرسيت قلوعي كل مساء في مرفأ عينيك الأزرق
أما لمحمود درويش وقفة على شاطئ البحر أيضاً وذلك في قصيدة ( تأملات سريعة في مدينة قديمة وجميلة) من ديوانه (حصار لمدائح البحر).. وما أكثر احتفاء الشاعر محمود درويش بالبحر، لكن بعد خروج الفلسطينيين من بيروت رأى فيه وجها آخر من وجوه التشرد والمنفى يقول:
وسلاما أيها البحر المريض
أيها البحر الذي أبحر من صور إلى اسبانيا
فوق السفن
أيها البحر الذي يسقط منا كالمدن!
ألف شباك على تابوتك الكحلي مفتوح
ولا أبصر شاعرا تسنده الفكرة أو ترفعه المرأة..
يا بحر البدايات ، إلى أين تعود ؟
أيها البحر المحاصر
بين إسبانيا وصور
ها هي الأرض تدور فلماذا لا تعود الآن من حيث أتيت؟
آه من ينقذ هذا البحر
دقت ساعة البحر
تراخى البحر
من ينقذنا من سرطان البحر
من يعلن أن البحر ميت؟
وسلاما أيها البحر القديم
أيها البحر الذي أنقذنا من وحشة الغابات
يا بحر البدايات....(يغيب البحر)
يا جثتنا الزرقاء؛ يا غبطتنا، يا روحنا الهامد من يافا إلى قرطاج؛ يا إبريقنا المكسور؛ يالوح الكتابات التي ضاعت
بحثنا عن أساطير الحضارات فلم نبصر سوى جمجمة الإنسان قرب البحر.....
يا غبطتنا الأولى ويا دهشتنا
هل يموت البحر كالإنسان في الإنسان أم في البحر؟
لا شيء يثير البحر في هذا المكان
أديب البحر
الكاتب السوري حنا مينة فقصته طويلة مع البحر كبيرة كبر البحر وواسعة وسعه ومن منا لا يعرف أديب البحر ذلك الكاتب السوري الذي يعشق البحر ويتحدث عنه كما يتحدث عن نفسه يقول:أنا هو البحر...والبحر هو أنا..لا أكتب كلمة ألا وتحمل من موجه...ومن ملحه ورائحته....
ويقول ( إن البحر كان دائما مصدر إلهامي ، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب ، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمدا؟ في الجواب أقول: في البدء لم أقصد شيئا، لحمي سمك البحر ، دمي ماؤه المالح؛ صراعي مع القروش كان صراع حياة ، أما العواصف فقد نقشت وشماً على جلدي ، إذا نادوا يا بحر ! أجبت أنا! البحر أنا ، فيه ولدت ، وفيه أرغب أن أموت !
أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلما جميلا؟ السبب أني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي الشام الصيفية الفاتنة وحارس مؤتمن على جبل قاسيون، ومغرم مؤتمن ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات).
كتب حنا مينة في البحر الكثير من الروايات أشهرها ثلاثيته (حكاية بحار؛ والدقل، والمرفأ البعيد) التي تروي أحداث قصة عائلة ساحلية بدءاً من الجد إلى الأب إلى الحفيد ويروي فيها تفاصيل صراعاتهم لإثبات وجودهم الوطني والإنساني، ومن راوياته التي كتبها في البحر أيضاً (الشراع والعاصفة ) التي نال عنها جائزة من روما في الآداب.
الموجة التاسعة
رائعة الموجة التاسعة للفنان الروسي ايفان ايفازوفسكي شاهد واضح على ان البحر غذاء الروح لما فيها من تعابير عميقة لخلجات النفس الإنسانية ففي تدرجات ألوانها الدافئة لا يبدو البحر شريرا ؛ الأمر الذي يدفع الناظر إلى الظن الواهم بان البحارة ربما يتمكنوا من النجاة وهذا شبه مستحيل.....وبالرغم من الطبيعة المأساوية للصورة فإن الفنان يبدو مفتونا بجمال البحر وروعته
طوف السفينة ميدوسا
وقد كانت لوحة الرسام الفرنسي ثيودور جيريكو المسماة (طوف السفينة ميدوسا) من أشهر لوحاته حيث استوحاها من حدث غرق الباخرة ( ميدوز) في الشواطئ الافريقية الغربية .
وذلك عام 1816 وهي تحمل على متنها مجموعة من الموظفين والمعمرين الفرنسيين الذين لم يجدوا قوارب نجاة كافية بعد أن هرب الضباط فيها وتركوا بقية الركاب لملاقاة حتفهم المحتم .
مما دفع بهم إلى صنع عوامة من بقايا خشب السفينة ولم ينج حينها من أصل 149 كانوا على متنها سوى 15 شخصا وهاي اللوحة بألوانها الداكنة وسوداويتها اللامحدودة تعبر خير تعبير عن كارثية وبؤس الموقف.