للألق الممتد ما بعد الظهيرة سحره، وللخيوط المتسللة للشمس غواياتها الأبدية اللامنتهية، فالقرص المعبود منذ فجر التاريخ الأول حتى عصر استغلال طاقاته البديلة، ظل قادراً دائماً أن يبعث في نفوسنا حكايات مختلفة، لصداها خرير الماء، يسردها في وهج العتمة، ويخبئها خلف نوافذنا هدايا تتسلل منسابة يسيل ألقها لؤلؤاً وذرات ضوء لمرجان مفتوت.
هي الظهيرة المشرعة ـــ ابنة الشمس في ذروتها ـــ بكل امتدادات الوقت فيها تمنح الإنسان كل ذلك الصفاء منذ الأزل، لها بعدان في حياته، فلسفي معرفي بحت، وفلكي زمني مرتبط بدورة النهار والشمس، وأبعاد أخرى نفسية تحمل نكهة الوقت والأشياء والأمكنة والمتخيل.
ذاكرة الوهج العابر
من وهج الظهيرة صنعنا القيلولة المرتبطة باستكانات مابعد الزوال والخدر الجميل، حيث يسترقها البعض في اقتناص متع القراءات العابرة حين يشرع الضوء، ويرسمها آخرون شكلاً من أشكال فتنة الطبيعة في ذروتها. كما تحمل عدة أوجه، إذ هي لافحة في الصحراء تشي بأطياف السراب والقيظ، وفي المدينة متعددة الملامح، يتسلل نبضها من وراء النوافذ والأبواب والواجهات الزجاجية فيضاً له ألف معنى .
فيها يستريح العمال وينزلون أحياناً كصورة نمطية من صور الوقت في حياتهم، وفي غابات الإسمنت والمكاتب الزجاجية ؟ في أحايين كثيرة ــــ تمر دون أن ينتبهوا لها وهم تحت سطوة الانهماك، هي عدوة للتقانة إذن وشكل آخر من أشكال استبطان المعرفة الحضاري والاستلاب الآخرى لإنساننا المعاصر.
أرواح للأمكنة والأشياء
من تلك الزاوية التي تمجد الضوء ؟ فقط ولا شيء غيرها ــــ ربما كانت هناك مسوغات لرؤية الشعراء والرسامين لمسافات الضوء في جسد الظهيرة، لأنهم ينظرون لألق لحظاتها في ومض الذاكرة، يستشفون ما تضفيه من قيمة وألق على الأشياء، شكل الطبيعة والأشجار وهي تمرغ ذوائبها في ماء الضوء، يحاكون لغة الشمس والصفاء من خلالها، ويجارون الظلال وفسحة المتخيل المنساب في أذهانهم.لذلك في كتابه (حياة الصورة) لم يكن أمام ريجيس دبريه من بد، في استقراءاته السيميولوجية حول المرآة سوى اعتبارها انعكاساً للضوء على الأشياء.
وهو ما تؤكده الواقعة التي حدثت لعميد السرياليين سلفادور دالي، حين وقع تحت فتنة البصر وغواية المتخيل، كما اعترف في سيرته الذاتية، حيث قال إنه حينما شاهد الضوء منعكساً على الظهر العاري والجميل لزوجة صديقه وهي على الشاطئ شرع في الخيانة، أمام انثيالات الضوء! ظل الفنان الانطباعي يقوم بتسجيل مشاهداته وانطباعاته خلال فترة معينة من الزمن، كما يلتقط المصور الفوتوغرافي صورة لشيء ما في لحظة محددة من النهار، فيما عني التأثيريون بتصوير الأشكال تحت ضوء الشمس مباشرة فظهرت لوحاتهم متألقة بالألوان الجميلة.
العدسة المستفيضة للوقت
هو اشتباك للصورة إذن وتواطؤ لبنيات تعالقية بين البصر والذهن يفرض إفرازاته المعرفية، ويؤسس لمدركاته الخاصة في إطار زمني ومعرفي محدد يفتح نوافذ وامتدادات شتى، ومن ذلك الامتداد الساحر ما عبر عنه أيقونة السينما الفرنسية (إريك رومير) في فيلمه (حب في الظهيرة)، الذي تم إنتاجه في العام 2010.
حيث تدور كل أحداث الفيلم في ظهيرات للبطل فريديريك، بين مكتبه وبيته والمقاهي العابرة في براح وقته، ويقدم الفيلم انطباعات آنية للوقت والزمن بشكل فلسفي يقدم تأويلات ممكنة للحياة، إذ يمل البطل من الأحداث المتكررة التي تقع في نفس الوقت بنفس التواتر، فيصاب برهاب فظيع تحت وطأة الظهيرات، فيهرب لمتع أخرى، إذ من بين متع فريديريك القراءة، حيث يرى في ذلك نوعا من السفر إلى البعيد، وتحليقاً في أكوان مفارقة.
وهو نفس الحب الرومانسي الموقوت بالظهيرة والمسكون بألقها المستفيض، والذي ينشأ وفق تراتبية مواعيد في قرية الوعول عند البئر بين الأستاذ منصور وفتاته الريفية، التي تأتي من أجل السقي وجلب الماء، في رواية (أطياف الظهيرة) للكاتب المغربي بهوش ياسين.
تبديد لمفردات الوحشة
ولعل رواية (ظلام عند الظهيرة) لآرثر كوستلر تقدم مسوغاً ضمنياً للمنظور النفسي للضوء ؟ على الأقل- من خلال عنوانها النشاز أو من خلال نهاية كاتبها، الذي انتحر مع زوجته سينيثيا في العام 1988، وهو غارق في استرجاع ماضيه الملون تلون القرن العشرين الذي عاش فيه، حيث من العبث جعل زمن الظهيرة إشكاليا أو زمنا مطابقاً للقلق، إذ أثبتت معارف طبية وإكلينيكية بسيكولوجية تبديد الضوء لمظاهر الاكتئاب والتوتر، الذي يفرض كوابيسه كمرض عصر لإنساننا الحديث، إذ بينت دراسات علاقات طردية بين الشمس والضوء والطمأنينة والظلام والانتحار والكآبة.
وتم تسجيل أعلى معدلات انتحار في مناطق تطول فيها ساعات الليل، ولا تحظى بوفرة في ضوء الشمس، فيما وجد الباحثون ارتفاعا في المعنويات والرضا والميل للحياة والتعلق بها عند الذين يفتحون نوافذ حياتهم للشمس بشكل يومي ويغتسلون بضوئها بأمان.
وعلى مستوى عضوي بينت دراسات أن أفضل وقت لتعرض الجلد غير المحمي لأشعتها بهدف تنشيط إنتاج الفيتامين (د) في الجلد إلى أعلى مستوى له يكون في وقت الظهيرة، حيث تكون الشمس في أعلى مستوى لها في السماء، وتصدر أكبر مقدار من الأشعة فوق البنفسجية من نوع (ب) في الطيف الضوئي، التي تثير بدورها إنتاج الفيتامين في الجلد.
وهج الضوء
أن الفنان سلفادور دالي خرج على الانطباعيين في سرياليته، فقد كانوا سابقين عليه احتفاءً بالظهيرة، يلتقطونها في رسوماتهم حين ينعكس وهج ضوئها على أسطح الأشياء، حيث أظهر كل من (أوجست رينوار) و(بول سيزان) براعة فائقة في رسم الطبيعة تحت الضوء الدافئ، وتأثير ضوء الشمس على الأجسام والأشكال والزهور، كلوحة (زهور الأضاليا في إناء) عام 1875، التي أظهر فيها سيزان فهماً وتقدير للألوان بكل ثرائها وشدتها اللونية.
كوتيشن
للظهيرة كائناتها الخاصة في الطبيعة، فعباد الشمس أو الزهرة النباتية، التي تعيش في ظل الظهيرة، وتسير مع الشمس دائماً أين ما اتجهت، كانت مصدر إلهام كبير للكثير من الفنانين، منهم الفنان الانطباعي الهولاندي فينسنت فان جوخ (1853- 1890).
حيث رسم لوحته «عباد الشمس» 1889، والتي تقدم الزهرة الشمسية في إناء تحت الضوء. وككل الانطباعيين لم يكتف بتلك فحسب احتفاء بألق الظهيرة، حيث رسم لوحة «قيلولة فلاحين» 1890، وهي من أروع وأشهر لوحاته التي رسمها قبل رحيله بفترة وجيزة، وتظهر اللوحة فلاحاً وزوجته في عز الظهيرة يستريحان فوق عشب في حقل ريفي ويستظلان بأكوام من القش، وخلفهما حصان وجرار زراعي.