لها القدرة على تحويل السكون إلى حركة عبر لهيبها الذي يثير الرهبة، إنها النار. بكل ما فيها من تأجج، يبدو أليفاً أحياناً، بينما ينقلب في أحيان أخرى إلى توحش قد يلتهم كل شيء، خاصة عندما يفوق انتشارها حدود السيطرة البشرية، أثناء اشتعال الحرائق والتي قد تستمر شهوراً طويلة، أو أثناء ثورة البراكين، التي تقذف حممها الملتهبة بعشوائية، مما ينشر الخوف والهلع، في حياة شعوب جاورت البراكين التي تخمد في مواسم وتثور في مواسم أخرى.
النار ذلك العنصر الهام من عناصر الكون، شكلت منذ أن اكتشفها الإنسان القديم عن طريق الصدفة، عند احتكاك حجري الصوان ببعضهما البعض، شكلت حاجة أساسية بل غيرت وجه العالم، عبر استخدامات تطورت مع تطور العصور، بدأت من طهي الطعام، ليستخدمها فيما بعد لأغراض كثيرة مثل صهر المعادن، وصناعة الزجاج وما إلى ذلك من حاجات لا يمكن النجاح إلا باستخدام النار بكل مصادرها الطبيعية والمستحدثة.
أما وجودها فترك في النفس الرهبة، التي دفعت بعض الشعوب القديمة إلى عبادتها، فمنهم من كان يسجد للشمس كرمز من رموز النار والحرارة.
حرارة اللون
كشف العلماء بأن لون الضوء الذي يشع من الجسم المشتعل، يتعلق في المحصلة بحرارة الجسم نفسه، وهذه الحقيقة لم تكن معروفة في الماضي، إذ ذهب العلماء للتأكيد: أن العامل الوحيد الذي يؤثر على لون الضوء الصادر من الجسم المسخن هو درجة الحرارة، وتسمى هذه العلاقة (بدرجة حرارة اللون)، وعندما تزداد درجة الحرارة تنتقل الألوان من الطول الموجي الأكبر باتجاه طول الموجه الأقصر، أي من اللون الأحمر إلى اللون الأصفر، فالأزرق فالبنفسجي، وفوق البنفسجي، وأخيرا اللون الأسود.
ولدى البدء بتسخين أي جسم فإن لونه يبدأ بالتغير من الأحمر، وعندما تزداد درجة الحرارة يصبح اللون أكثر بياضا ويقترب من الأصفر، وكما هو معلوم بأن اللون الأبيض هو مزيج من ألوان الطيف الضوئي السبعة، واللون الذي يطغى خلال التسخين هو الأبيض، أي مزيج من ألوان قوس قزح السبعة.
وأخيراً عندما ترتفع درجة الحرارة بشكل كبير، فإن الألوان تصبح قاتمة حتى تنتهي باللون الأسود، وهذا اللون لم يتم الحصول عليه عمليا، ولكن العلماء يؤكدون بأن اللون الأسود هو نهاية ألوان الطيف الحراري. وبعد دراسات استمرت سنوات وضع العلماء قوانين فيزيائية، أهمها قانون الإشعاع للجسم الأسود، ويقضي بأن كثافة الطاقة الضوئية، تتناسب مع طول موجة الضوء ودرجة حرارة الجسم، وهو ما يتيح تحديد لون الطيف الضوئي الذي يبثه الجسم الساخن فقط اعتمادا على درجة حرارته أي أن هناك علاقة مباشرة بين درجة الحرارة ولون الضوء.
حتى أن العلماء يدرسون هذه الحقائق في الجامعات، ويقولون: تستطيع أن ترى إذا سخنت جسما أسود إلى درجة حرارة 1900 درجة «كلفن» إن هذا الجسم يتوهج باللون البرتقالي، وعندما تزداد الحرارة يتحرك اللون الناتج عن الإشعاعات باتجاه الأصفر، ثم الأبيض وأخيراً الأزرق. وهذا الكلام يحدد الطيف المرئي للضوء، أما درجات الحرارة العالية جداً فيؤكد جميع العلماء لا نراها لأنها مظلمة.
ويعتقد العلماء نظرياً بأننا إذ سخنا الجسم إلى درجة حرارة لا نهائية، فإن طول موجه الضوء الناتج، ستكون صفراً، أي أنه ليس هناك أي ضوء، بمعنى آخر هنالك إشعاع أسود وتصبح عندها النار الناتجة، عن احتراق هذا الجسم ذي درجة الحـــرارة اللانهائيــة سوداء مظلمة، ويبلــغ طول موجة اللون الأحمر 700 «نانو متر» أما اللون البنفسجي فطول موجته «400 نانو متر» ويبدو النجم ذو درجة الحرارة حتى 10 آلاف درجة «كلفن» تبدو بيضاء، والنجوم التي درجة حرارتها أكبر من 10 آلاف «كلفن» تبدو زرقاء قاتمة، لذلك يبدو التدرج، أحمر، أبيض، وأزرق، ولكن ماذا بعد الأزرق؟
اللون الأحمر هو أول الألوان ظهورا، وعندما نسخن أي شيء ونرفع درجة حرارته فإن أول لون يظهر نتيجة احتراق هذا الجسم هو اللون الأحمر ولذلك يعتبر العلماء أن الأحمر هو أبرد الألوان على عكس ما نشعر، أما الأبيض فهو المركزي ويقيس العلماء الألوان بدرجة الحرارة التي تعبر عنها، فدرجة الأحمر 1800 درجة «كلفن» وأخيراً الأزرق فحرارته 10000 «كلفن» .
وهذا ما يؤكد أن الأحمر أبرد من الأزرق وهذه حقيقة علمية لم يستطع العلماء الوصول إليها إلا مؤخراً بالأرقام والقياسات، ومن يستخدمون اللون الأبيض يجعلون منه لونا مركزيا ويطلقون عليه، «توازن اللون الأبيض» أما الأسود آخر الألوان ظهورا.
ولابد أن الناس سمعت جميعا بما أطلق عليه العلماء «الثقب الأسود» وهو نجم انفجر على نفسه وتهاوى ثم أنضغط بفعل الجاذبية الفائقة وأصبح لا يرى، أي هو جسم درجة حرارته عالية جدا، ولا يمكن تصورها، فالثقب الأسود يمثل المرحلة النهائية من عمر النجوم، وبالتالي فإنه يمثل المرحلة النهائية من ألوان النجوم. وبالتالي يمكن القول بأن اللون الأسود هو آخر الألوان الحرارية، لذلك أطلق عليه العلماء على الجسم التخيلي، الذي يعتمدون عليه في نتائج تجاربهم «الجسم الأسود» وهم لم يصلوا إلى هذا الجسم بعد إلا نظرياً.
كما صنفت الحرائق إلى أربعة أنواع وهي حرائق المواد الصلبة، القابلة للاشتعال مثل الخشب والكتب والملابس، وتناسبها مادة الإطفاء التي تحتوي على الماء أو مطفأة تحتوي على مادة كيميائية، أما حرائق السوائل والغازات القابلة للاشتعال مثل البنزين، والزيت والأصباغ وغيرها.
فتتكون مادة من مواد كيمائية جافة وثاني أكسيد الكربون والرغوة، أما حرائق الأجهزة الكهربائية أثناء اشتغالها أو تلك الأجهزة التي تحتوي بداخلها على طاقة مخزونة ومن أمثلتها الأجهزة الكهربائية، والتوصيلات، وتتألف مادة الإطفاء من ثاني أكسيد الكربون وطفايات المواد الكيميائية الجافة وغاز «اف ام 200 » وأخيرا بالنسبة لحرائق المعادن القابلة للاحتراق ومن أمثلتها الصوديوم والبوتاسيوم، والماغنيسيوم، فتتألف مادة الإطفاء من مسحوق خاص أو رمل جاف.
النار تؤجج الإبداع:
من أشهر حرائق التاريخ حريق روما في العام 64 قبل الميلاد، وقد أشعله الإمبراطور «نيرون» عندما أوحى إليه خياله أن يعيد بناء روما، وبدأت النيران التي أشعلها نيرون تمتد من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير، لتنتشر بسرعة ولمدة أسبوع في أنحاء روما، وتلتهم بالتالي عشرة أحياء من أربعة عشرة حيا من مدينة روما، وبينما كانت النيران تتصاعد والأجساد تحترق وسط صراخ الضحايا، كان نيرون جالسا في برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق الذي أسره، لدرجة أنه كان يغني من أشعار هوميروس التي يصف فيها حريق «طروادة».
وكان يعزف على القيثارة لحنا شجيا، وينظم قصيدة وروما العظيمة تحترق، مستلهما من فضاءات النار، وسحب الدخان، وروائح الموت أفكاراً يسطرها في قصيدة تخلد ذكراه، وقد خلدته بالفعل كواحد من أكبر المجانين الذين عبروا التاريخ، وواحدا من أكبر السفاحين الذي طغت عليهم جنون الأنا فأحرق إمبراطورية بأسرها.
وحين تُشعل الحرائق في العالم لا بد أن تحضر ذكرى «نيرون»، إذ كتب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش قصيدة بعنوان «نيرون» حين رأى بعينه حرائق بيروت قال:
ماذا يدور في بال نيرون، وهو يتفرج
على حريق لبنان؟ عيناه زائغتان من النشوة
ويمشي كالراقص في حفلة عرس:
هذا الجنون جنوني سيد الحكمة
فلتشعلوا النار في كل شيء خارج طاعتي
وعلى الأطفال أن يتأدبوا ويتهذبوا
ويكفوا عن الصراخ بحضرة أنغامي
وماذا يدور في بال نيرون وهو يتفرج
على حريق العراق
أيسعده أن يوقظ في تاريخ الغابات
ليصل للقول في نهاية قصيدته:
ماذا يدور في بال نيرون
وهو يتفرج على حريق العالم
أنا صاحب القيامة
ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير
لأنه لا يرد لأحد أن يرى النار المشتعلة
في أصابعه
عند نهاية هذا الفيلم الأميركي الطويل
كما ربط الكاتب عدنان كنفاني الأحداث الأخيرة في مصر بحريق روما قال: ذلك نيرون وحريق روما فماذا يفعل الآن في مصر.
وأثار لهيب النار الشاعر عبدالله بن عون الرويس وقال:
لنار لهبها جــلال السمـر تظريمـه
ودنيت نجري وخمس دلال رسلاني
هيما لظا النار فيها بأن توشيمه
ومبهــــــارات يميتنــها كـــــــل ظرمــــــــاني
أما الشاعر النبطي غالب بن لؤي فيؤكد على أهمية النار في جذب الضيوف فهي رمز من رموز الكرم عند العرب عندما تتوقد قال:
ياللي تطق الباب لا تكسر الباب
الباب مفتوح من طلعة الشمس
أقلــــط على نــــار تولـــع بمشهـــاب
ماهوب قـــز بايـــح غـازه من أمس
فنون من نار
تتجلى الكائنات الأسطورية التي لها علاقة بالنيران، بالكثير من النصوص الأدبية، أو الفنون بأنواعها من أهمها (التنين) الذي يعتبر واحـــداً من الكائنـــات الأسطوريـــة ذات شكــل أفعـــواني أو شبيـــه بالزواحف، وذكر في الكثير من الثقافـــــات، والأساطير، على أنه يملك أجنحة، وفي بعض الأساطير لا يملك أجنحة، ويقال أيضاً في العديد من الأساطير بأنـــه ينفث النار من فمه.
وما زال (التنين) حاضـــراً ينفـــث الأفكار، في الأفـــلام وألعاب الفيديو، والروايات، كرمز لقوى الشر، وكان (التنين) قد ذكر في الكثير من الكتب في مختلـــف العالم منها (الكتاب المقدس) وكتاب (لسان العرب)، وما زال الصينيون يعتقدون بأن مواليد برج التنين من أكثر الناس شهرة، ويقال انهم أذكياء، وأقوياء، ومحظوظون، ومليئون بالطاقة الملتهبـــة، بينما حفظ بعض الفنانين شكله في منحوتة توضـــع في بعض ساحات المدينة، في عدد من مدن العالم.
أما الكائن الآخر الذي حصد شهرة أوسع في الشرق والغرب، فهو (طائر النار) ويقال أنه (العنقاء، أو الفينكس) فهو طائر طويل العنق لذا اسماه العرب العنقاء، أما (فينكس) فهي كلمة يونانية الأصل، وتعني نوعا معينا من النخيل، وفي بعض الروايات يرجع أصل تسمية الطائر الأسطوري إلى مدينة يونانية، أخذ عنها المصريون تلك الأسطورة. وتقول الأساطير:
عندما تقترب ساعة موت العنقاء، يعمد إلى إقامة عش من أغصان التوابل، ومن ثم يضرم النار في العش مما يؤدي إلى احتراقه بلهيبها. ولهذا يمثل العنقاء كما قالوا الشمس التي تموت في نهاية كل يوم، وتعود لتولد في اليوم التالي. ومن هذه الأسطورة استوحى الفنان الروسي (إيجـــور فيودرفيتش سترافينسكي) في العام 1910 بالية (طائر النار) وهي قصة آتت من روايات الفلكلور الروسي، حول طائر سحري، يجلب لمن يحصل عليه النعمـــة، أو قد يجلـــب اللعنـــة أيضا.
وأطلق الفنان التشكيلي محمد الثقيفي اسم (النار طائر الفينيق) على منحوتة من منحوتاته، واستخدم الشاعر السوري فريد نظريان عنوان (طائر النار) لإحدى مجموعاته الشعرية، بينما استخدمت الكاتبة ناديا دياب العنوان نفسه لقصة موجهة للأطفال، كما كانت قناة الجزيرة الوثائقية قد عرضت فيلم (جزيرة طائر الفينيق) وهو فيلم وثائقي يعرض على مدار ساعتين الاكتشافات الأثرية في جزيرة سومطرة. كما استخدم معظم الشعراء في قصائدهم طائر الفينيق كرمز للنهوض من بين الرماد.
القسم بالنار
القسم بالنار دليل على قدسية المقسوم به، والقسم يمثل التجاء الإنسان إلى مصادر القوة، ليحتمي بها ويؤكد صلته بعالمها، وأشار المؤرخون إلى (نار اليمين المقدسة، التي كان لها سدنة يعنون بالنار التي توقد لهذا الهدف، وكان للنار مكانة مرموقة، في المعتقدات الجاهلية، فقد اعتقدوا بقواها السحرية، وربما جاءت عبادتهم للأصنام الحجرية، لأن النار لا تقدر على إحراقها وإفنائها، ولكن عندما جاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) حرص على إحراق الأصنام.
وقد قال أعشى قيس في إحدى قصائده:
حلفت بالملح والنار وباللات نسلم الحلقة
حتى يظل الجواد معفرا
ولا يزال البداة حتى اليوم في شرقي الأردن يحكمون النار، ويحمون حديدة (المقلاة) حتى تقدح شراراً، ثم يؤتى بالحالف فيلحسها بلسانه، فإن كان صادقاً بريئاً، لم تضره، وإن كان كاذباً أحرقت لسانه، ويطلقون على الاحتكام بالنار (البشعة).وفي محافظة الشرقية في مصر هناك قبائل (العبايدة، والدراجين.
والحويصات) يمسكون بيد المبشع بالطاس المحمية، قبل أن يكوى فيها المتهم، دون أن يناله ضرر من هذا المسح، وهذه الطريقة تشبه (الأورداليا) في اليونان والأمم المسيحية في العصور الوسطى، وصدر العصور الحديثة، حيث يؤتى بالمجرم، وتحمى قطعة حديد ويكلف بها المتهم، بالقبض عليها بيده، أو يكلف بالمشي على جمر الفحم فإن لم يصبه ضرر دل على براءة المتهم.
النار في الديانات
بداية صنف أرسطو النار واحدة من العناصر الطبيعية الأربعـــة، وهي المــاء والهــــواء والتراب والنار، بينمـــا تعتبر في الهندوسيـــة عنصـــراً من العنـــاصر المقدسة، واتخذت الزردشتية النار إله وشيدوا (معبد النار) كما أوجدت بعض الشعوب ارتباطا بين عبادة النار وعبادة الشمس، وفي اليهودية للنار رمز خاص في شموع الأعياد، وفي المسيحية ترمز النار إلى روح القدس، وفي وصف جهنم، في الإســـلام ورد في القرآن الكريم وردت آيات في قصة النـــار التي ألقــي فيها النبـــي إبراهيم عليه السلام في الوادي المقدس، فجعلهـــا الله (برداً وسلاماً) كما وردت في سورة الواقعة.