حلم النزوح إلى المدينة «البندر» ــ كما يسميهـــا أهــل الريف ــ في مصر، هو حلم قد يبدأ على نغمات الناي في ليلة يضحك فيها القمر، الذي يخترق شعاعه الفضي قلب ووجدان كل من يحلم بالهجرة إلى «البندر»: وفجأة يكون القرار، قرار شباب كل حلمهم أن يعيشوا تحت الأضواء ووسط الزحام.. و«ليكن ما يكون».
يحمل معه «الزوادة» وهي بعض الأطعمة التي تحضرها «ست الحبايب» وهي غارقة في دموعها، تتسارع على لسانها الدعوات لابنها الوحيد الذي قرر «الهجرة» إلى مصر المحروسة، وهو يحمل داخل سبت «سلّة» البتاو وبطة محمرة وبيض وجبنة قريش، وذكرياته مع الناي وضحكة القمر في ليلة التمام.
وسط الزحام انضم إلى الملايين، بقوة الدفع، يسير وبإيقاع المدينة تتسارع خطاه، سؤال يقفز إلى بؤرة الشعور، أنجرفُ وسط الزحام أم أعود لعالمي ومفرداته البسيطة.. الناي والقمر وظل شجرة «أم الشعور»؟
أستمر! هو القرار.
أوراق إثبات الشخصية وشهادة الثانوية العامة، مؤهل كل النازحين لمصر المحروسة أن يعملوا في وظائف بسيطة ولكنها مؤثرة في مجالها.
الكمساري، وظيفة بسيطة ولكنها حلم كبير بالنسبة للنازحين إلى البندر.
مجرد ان تُقبل أوراقه، يجد نفسه بداخل «بدلة» بلون يتأرجح بين الأصفر وتدرجاته البني، شارة نحاسية مثبتة على جيب البدلة «الميري» يكتب عليها المنطقة التي يتبع لها الكمساري، رُزمة من التذاكر الملونة غالباً الأحمر والأصفر والأخضر مثبتة جميعها على لوح من الخشب الأملس، معها يتسلم قلم «كوبيا» شديد الزُرقة، وآخر احتياطي يثبته وراء إحدى الأذنين بمهارة بحيث لا يقع أبداً.
وهناك كمسارية «الأمْنوبيس» وهو الاسم القديم لكلمة الأتوبيس المعروف حالياً والذي يجوب العواصم ومنها القاهرة، أيضاً كمسارية القطارات والترام ذو التاريخ العريق في مصر وإنجلترا في بداية القرن الثامن عشر.
كيف يبدأ يومه؟
عليه قبل ذلك أن يؤمن سكناً متواضعاً، ربما يخترق العشوائيات ليصل إليه، راضياً لأن حلمه قد تحقق في أم الدنيا مصر، ولكنه لا يعرف أن العواصم الكبرى في العالم كله يتبخر فيها الحلم في مواجهة الواقع الشرس الفارض نفسه بقوة، واقع بعيد عن ليلة ضحك فيها القمر واخترق الوجدان تحت شجرة «أم الشعور» في البعيد في النوبة بجنوب مصر وانين الناي لا يسمع أبداً وسط الزحام.
والوقت بكل سيطرته يجعل الإنسان يتأقلم ويعيش ويذوب في الزحام كما ذاب كل شيء حتى الحلم.
الكمساري يخرج في «البدرية» مرتدياً بدلته الميري ليتجه فوراً إلى موقف الأوتوبيس الذي يُمكن في المنطقة الخاصة بمساره ليتسلم التذاكر وقلم الكوبيا، وأيضاً ليصبح على كل «الزملاء» في المكان الذين تتعمق بينهم صداقة ربما سطحية ولكنها تفرض نفسها بمنطق الاستمرارية.
وبجوار مواقف الأوتوبيسات توجد ما يعرف في مصر المحروسة باسم «النصبة» نصبة الشاي غالباً ما يديرها المعلم وتحت «إيده» صبيانه، أو المعلمة التي اضطرتها ظروف قاسية أن تدخل وسط الزحام.. فقط لتعيش.
كوب شاي «ثقيل» في الخمسينة، هكذا يطلق عليه في مصر، أي نصف كوب من الشاي الذي يعيد للعقل حيويته، و«يصحصح» النائم وربما يطيح بنومه في الليل أيضاً، لأن عند كل محطة «ناصية شاي» يمكن أن يتناول السائق والكمساري الشاي فيها وما على الراكبين إلاّ الصبر في زمن ودع فيه انضباط الوقت لقيمته.
طبق فول «كهرماني» مدمس ومخللات وبصل أخضر ورغيفين «بلدي» هي وجبة الكمساري، وسيجارة محلية الصنع مع كوب الشاي.. و«توكلنا على الله»، هكذا يتمتم الكمساري.
«صباح الفُل يا أسطى شلبي» وطريق السلامة، ويكفينا شر طريقنا وشر الناس وشر نفسنا، ديباجة صباحية لابد وأن يتحاورها كل من الكمساري وسائق الأوتوبيس، وتبدأ الرحلة، رحلة الكمساري الذي يبدأ حياته فيها زاده الناس والوجوه والأماكن.
«أيوه ورق» (يعني تذكرة) كله يحضر الفكة.. لسه ما اسطبحناش، ولابد أن يطيع كل الركاب وفي صمت أوامر الكمساري، ومن لا فكة معه يكتب ذلك على ظهر تذكرته ليأخذها من المكتب التابع له الأوتوبيس.
ولكن هل تقف وظيفة الكمساري عند هذا الحد؟
بالطبع لا! فقد خرج من تحت عباءة حلم بعيد المنال، إلى شخصية قيادية مسيطرة، وربما يكون المكان والازدحام استنفذ بكل قوة تلك الشخصية التي اكتفت يوما بالناي وضحكات القمر في ليلة التمام وسط سماء شهدت التي اكتفت يوما بالناي وضحكات القمر في ليلة التمام وسط سماء شهدت تدرعه لتحقيق حلمه «البندر»، عليه أن يحافظ على أمن الراكبين ومراقبتهم ومتابعة اللصوص المحترفين الذين يركبون الأوتوبيس في أول كل شهر، لينقضوا على المرتبات الهزيلة للموظفين الكادحين، في صمت وسيطرة يقبض عليهم الكمساري الذي يطلق صيحة للسائق «أغلق الأبواب.. وعلى أول قسم شرطة قف»، فيسلم اللصوص، ولا يكتفي بذلك، بل يقفز بخفة الشباب ليتعود الراكبين يلقنهم النصيحة «كل واحد يخلي باله من فلوسه.. يا حضرات»، فيسمع صيحات نهم وأحياناً همسات مسبوقة بحسرة قائلين: «ودي فلوس.. الأمر لله»!
ويظل الأوتوبيس يشق الشوارع بهيمنة معتمداً على كبر حجم الحافلة التي يعمل لها المنتظرون على المحطات كل حساب.. ويجيء وقت الظهر، فيقف الأوتوبيس في محطة النهاية المعروفة في زمن «الخواجات» باسم «ترمبنوس»، لا لشيء إلا ليأخذ كل السائق والكمساري علبة كشري مصري بالدقة، تنتشر رائحته داخل الحافلة.
وهكذا ينتقل الكمساري من محطة إلى أخرى ومع الوقت والاستمرارية يتواصل مع الراكبين الدائمين بصداقات فرضها الواقع، يعرف معظمهم بأسمائهم، وربما يعرف جزءا من مشكلاتهم عن طريق التعليقات الساخرة التي يلقيها الراكبون.
في الزمن الجميل كان الأوتوبيس كله لابد وأن يقف رجاله لأي سيدة لتستريح ولا تتعرض للتمايل بسبب سرعته، خصوصاً في المنحدرات والنواصي، واليوم تختلف السلوكيات في زمن المتغيرات، وإذا تفوهت سيدة بكلمة طالبة الجلوس لأنها في شهرها التاسع، يرد أحدهم «مش برضه بتطالبوا بالمساواة»؟! خليكي واقفة أو خدي تاكسي يا ست!
وهكذا يمضي الكمساري يومه بعد ساعات عمل تفوق التسع ساعات، فيحمل معه زاده المسائي من أقراص «الطعمية» وحبتين من الطماطم، ليجد نفسه داخل حجرته البسيطة مروراً بالأزقة داخل عشوائيات تطل من وراء بنايات شاهقة، مفلترة من المشاكل اليومية تماماً.
وماذا عن كمساري القطارات؟
مسؤوليته أكبر وأخطر، وشعوره بالسيطرة يزيد مع سرعة القطار وطول الطريق، وغالباً ما تربطه صداقة وطيدة بالحمالين الذين يحملون حقائق الراكبين ويرصونها بنظام شديد داخل القطار.
يتحكم كمساري القطارات في الركاب الذين لم يتمكنوا لضيق الوقت من حجز تذكرة قبل ركوبهم القطار، وهنا، في حالة وجود أماكن خاوية بالقطار، يدفعون للكمساري ثمن التذكرة، وهذا الوضع يعرف باسم «تطويق» الراكب.
يشق القطار الريف المصري، وهناك قطارات تقف في كل محطات البلاد، وكل بلد لها حكاية وألف حكاية، فعندما يدخل القطار على محافظة طنطا يقول الكمساري للركاب «اقروا الفاتحة للسيد البدوي»، ويقف الباعة المتجولون يشتري منهم الركاب عن طريق فتح نوافذ القطار سلالاً صغيرة بها حمص و«حَبْ العزيز»، وهو نوع من المكسرات الشعبية اشتهرت بها محافظة طنطا، وأيضاً يشترون حلويات مولد السيد البدوي عبارة عن الهريسة والسمسمية وغيرهما.
وهكذا تسير الأمور، فيجد الكمساري أن حياته ارتبطت بالرحيل والترحيل فوق عجلات الأوتوبيس والقطارات وكل ما عليه أن يتقبل آثار حلمه الذي كان، ولا بوسعه إلا الحمد والشكر وإرسال نصف راتبه الهزيل إلى لست حبايب يعينها على المعايش. وعكست السينما المصرية حياة الكمساري ومفردات يومه في العديد من الأفلام، أهمها فيلم «فرحان ملازم آدم» إنتاج عام 2005، وهو آخر فيلم يكتبه محسن زايد قبل وفاته. الفيلم من بطولة فتحي عبد الوهاب ولبلبة وحسن حسني وياسمين عبد العزيز وسامي العدل، ومن إخراج عمر عبد العزيز، وموسيقى هاني شنودة.
يعتبر هذا الفيلم تجسيداً حقيقياً لمتغيرات في المجتمع المصري، يبدأ الفيلم بنزوح «فرحان» من النوبة بالتحديد من منطقة «الديمومة» وهي قرية متناهية الصغر ربما لا مكان لها على الخريطة، ولكن سكانها يعشقون الحياة البسيطة، لهم «غناويهم».
والتي منها تلك الأغنية التي غناها فتحي عبد الوهاب الذي يعكس شخصية «فرحان» الكمساري والتي تقول: «نازل على المزار.. أسقي ريحان الحي».. يغنيها بلهجة أهل القرية ؟ الديمومة التي يعتز بها وكأنها واحدة من أكبر عواصم العالم، وقد قام بغنائها وسط جيرانه في العشوائيات التي يسيطر عليها شخصية البلطجي الذي قام بها سامي العدل.
وربما كان كل هذا المناخ الصارخ في غرابته دفعت بـ «فرحان» الكمساري الذي فقد براءته وكرامته، دفعته بأن يحمل السلة ذاتها التي ملأتها والدته بـ «الزاد والزواد» إلى أول قطار يتجه إلى جنوب القاهرة إلى النوبة، ومنها إلى قرية «الديمومة»، ولكن السلة كانت في طريق العودة خالية من البطة المحمرة والبيض وجبن القريش (الصابح)، وامتلأت مثله بالمرارة، بعد أن تبخر الحلم ومعه الكرامة.
كما عكس فيلم «أنا وأنت والسفر» دور الكمساري ذي الدهاء والسيطرة الذي يتمايل على الركاب لأخذ «البقشيش» منهم ؟ الفيلم من بطولة نيللي ويحيى الفخراني، يعكس حكاية أستاذ جامعي لم يمكنه الازدحام في القاهرة الكبرى من الوصول إلى منزله، فوجد نفسه أمام محطة سكة حديد مصر، فركب القطار المتجه إلى الإسكندرية ليعود فيه إلى القاهرة في المساء، وفيه لعبت الصدفة دورها، فجلس بجوار «نيللي» حبه الأول، ولأن المتغيرات الاجتماعية طالت علاقتهما الرومانسية، فذهب كل في اتجاه يجمعهما القطار.. ولكن بلا طائل!
وفيلم «الكمساريات الفاتنات» من إنتاج العام 1957 من بطولة إسماعيل ياسين ونجاح سلام وأحمد رمزي وعبد السلام النابلسي وزينات صدقي ومن إخراج حسن الصيفي.
يعكس الفيلم مجموعة من الفتيات العاطلات عن العمل، فيقررن العمل في مجال الكمساريات، وقد بدأت في هذا الوقت المبكر نغمة المساواة بين الرجل والمرأة في مصر، ويعكس الفيلم المساواة ولكن المهنة لا تحتمل المرأة بالالتحاق فيها لصعوبتها.
وكل مهمة تخلق ما يعرف في علم النفس الحديث باسم «شخصية الظل»، وهي شخصية تكتسب مفردات جديدة بسبب المهنة التي يعمل فيها الإنسان، وإذا زاد تأثير شخصية الظل هذه ربما يتحول النسيج النفسي للإنسان إلى ازدواجية مؤقتة. وسيظل الكمساري يسير على عجل زاده الطريق والناس وحكاويها التي معها تنسى بداية حكايته هو.. فيكون الاغتراب!