تستعد الأرض ومعها البشرية لـ«يوم السبعة مليارات» بكثير من التشاؤم، نواقيس الخطر تدق من كل حدب وصوب مذكرة بنضوب خيرات الأرض وجفاف المياه الجوفية وانجراف التربة وذوبان الكتل الجليدية. هل يمكن للأرض التحمل في ظل توقع ارتفاع عدد السكان إلى ‬9 مليارات بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين؟

 

في ‬12 أكتوبر من العام ‬2011، يطفئ عدنان نيفيتش شمعته الثانية عشرة. ففي هذا اليوم، قبله أو بعده بقليل، ينزل عدنان عن عرشه، ليتربع عليه «عدنان» آخر يتوج ملياراً جديداً لسكان الأرض.وعدنان نيفيتش، المولود في ساراييفو قبل دقيقتين من منتصف تلك الليلة الخريفية عام ‬1999، اختارته الأمم المتحدة ليكون «الطفل الرمز»، الذي ارتفع معه عدد سكان الأرض إلى ستة مليارات.

ويومها، حمل الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، حمل الطفل الذي لم يكن والداه قد اختارا له اسماً بعد، متمنياً أن تكون «ولادة طفل الستة مليار...في مدينة تعود إلى الحياة، وبين أناس يعيدون إعمار منازلهم، وفي منطقة تعيد ثقافة التعايش بعد عقد من الحرب...، نورا لطريق من التسامح والتفاهم للبشر أجمعين».

لكن.. وخلافاً للأمل الذي حاول عنان إشاعته في ذلك اليوم، هاهي تستعد الأرض، ومعها البشرية لـ«يوم المليارات السبعة»، بكثير من التشاؤم. وتدق نواقيس الخطر وأجراس الإنذار، من كل حدب وصوب، مذكرة بنضوب خيرات الأرض، وبأن المياه الجوفية تجف. وأن التربة تنجرف والكتل الجليدية تذوب والثروة السمكية تضمحل. ومع هذه الإنذارات تتعدد الأسئلة: هل يمكن للأرض حقاً تحمل ‬7 مليارات إنسان.

وخصوصاً مع توقع ارتفاع عدد السكان إلى تسعة مليارات بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين؟ وهل حقاً سيكون العالم بحاجة إلى كوكب آخر في غضون ‬20 سنة، إذا مضى في التهام موارد الأرض بالوتيرة الراهنة؟ ومع ‬1,5 مليار شخص. ويعيشون حاليا بأقل من ‬1,25 دولار في اليوم، ومليار جائع يومياً تقريباً، وفي ظل كل الأضرار التي لحقت بالطبيعة، يذهب أكثر المتشائمين إلى حد التحذير، من أن البشرية قد تكون على طريق الاندثار.

 

«قانون السكان العام»

ولا شك في أن هذه النظريات، محبطة وكفيلة بإشاعة الذعر بين البشر، بيد أن العالم قد يتنفس الصعداء قليلاً، إذا ما عرف أن مثل هذه التوقعات ليست بالجديدة، ولا هي مرتبطة خصوصاً بتلك اللحظة التي ستشهد فيها البشرية منعطفاً ديموغرافياً جديداً، في لحظة ما بين أواخر ‬2011 ومطلع ‬2012، (استناداً إلى شعبة السكان في الأمم المتحدة). فلئن تكتسب تلك النظريات زخماً مع اقتراب يوم ولادة الطفل الذي يرفع عدد سكان الكوكب الأزرق إلى سبعة مليارات، ليس الخوف من النمو السكاني حديث العهد.

ولطالما أدرج ضمن الحديث عن نهاية العالم.وقاد التيار المتشائم في هذا الشأن الاقتصادي الانجليزي طوماس مالتوس، الذي نشر عام ‬1798 «قانون السكان العام» القائل بحتمية طبيعية مفادها أن الناس يتزايدون بوتيرة أسرع من حاجاتهم إلى الغذاء، ما يرتب اندلاع الحروب وانتشار المجاعة، ليليها انخفاض عدد البشر.

وبعد مرور أكثر من قرنين على إعلان مالتوس بأن عدد السكان لا يمكن أن يستمر في الارتفاع، حدث العكس تماما. وبات عدد سكان العالم يتزايد بوتيرة أسرع من ذي قبل. في الواقع، حصلت آخر موجات الطعون التي اجتاحت العالم في زمن مالتوس، وتوالت الحروب التي حصدت مئات آلاف القتلى، ومع ذلك، نجد انه يلفت المؤرخون إلى سكان العالم لم يتقلصوا منذ «الموت الأسود»، الذي وقع في القرن الرابع عشر، ولا بل تسارع التزايد السكاني، وصولاً أخيرا إلى ارتفاع عدد السكان، من ستة إلى سبعة مليارات خلال ‬12 سنة.

وهي المدة نفسها التي استغرقتها الزيادة من خمسة إلى ستة مليارات، والتي كانت الأقصر التي يزداد فيها عدد سكان العالم مليار نسمة. ولا شك في أن هذا التزايد الكبير والسريع، يعود خاصة إلى تطور الطب. وإلى اكتشاف أنواع جديدة من الأدوية واللقاحات أطالت عمر البشر.

 

الأرض تنبض بشراَ

ليس صعباً ملاحظة التزايد المتسارع في عدد سكان الأرض، من كالكوتا إلى بيجينغ، ومن جاكرتا إلى القاهرة. إنها شوارع تنبض بشراً. ففي عام ‬1975، لم تكن إلا ثلاث مدن في كل أنحاء العالم تعد عشرة ملايين نسمة، بينما صار عدد المدن العملاقة أكثر من ‬21 حاليا، وهي موزعة خصوصا في البلدان النامية، حيث تستوعب المناطق الحضرية جزءا كبيرا من سكان العالم المتزايدين.

والى جانب الضغط الذي يشكله النمو السكاني على كوكب الأرض، يؤدي ارتفاع الدخل العالمي إلى تزايد الاستهلاك، وبالتالي إلى استنفاد اكبر للموارد الطبيعية، وخصوصاً في الدول الغنية. قد يجد أصحاب النظريات المتشائمة في هذه الإشارات وغيرها، مبررات حاسمة. بيد أنها في الواقع تبدو مضخمة، وخصوصا إذا ما عرفنا أن النسبة الكامنة للنمو السكاني تتراجع.

 

انعكاس

نلحظ انه في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، أو في آسيا مطلع القرن العشرين، كانت المرأة تنجب ستة أولاد، ساعية بذلك مع زوجها، إلى ضمان وريث لهما، لان أطفالا كثيرين كانوا يموتون قبل بلوغهم سن الرشد.ومع تراجع وفيات الأطفال، بات الأزواج ينجبون أطفالا أقل. غير أن التغيير لا يمكن ملاحظته إلا بعد جيل على أقل تقدير.

وليس الارتفاع المستمر في عدد سكان الأرض حالياً، إلا انعكاساً للزخم الذي شهدتها ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فإذذاك شهدت أوروبا وأميركا ما عرف بالطفرة الإنجابية، كما سجلت الدول النامية معدلات مرتفعة جداً للإنجاب. بيد أن هذا الزخم يتبدل على نحو لافت.

 ومنذ فترة، يتراجع المعدل العام للخصوبة، وينخفض بمعدل النصف تقريبا، من ‬4,8 بين ‬1965 و‬1970، إلى ‬2,6 بين ‬2005 و0102. وفي بعض الدول كانت سرعة التغيير مفاجئة.ففي إيران مثلاً، تراجعت نسبة الخصوبة من ‬7 عام ‬1984، إلى ما دون ‬2 عام ‬2006.

توقعات

ذكر تقرير لمجلة «الايكونوميست»، أنه من المتوقع أن يبلغ العالم في السنوات القليلة المقبلة، مرحلة حاسمة أخرى، إذ إن نصف سكان الأرض سيكونون في دول أو مناطق لا تتعدى فيها نسبة الخصوبة ‬2,1 في المائة، وهو ما يؤدي عمليا إلى تباطؤ النمو السكاني واستقراره.

ولكن مهلاً، فقد لا يبدد هذا الأمر مخاوف المالتوسيين من الضغط السكاني على موارد الأرض. بيد أنه قد يفسح في المجال، اقله لالتقاط الأنفاس، وربما لبدء تطبيق الحلول المقترحة لنضوب الموارد البشرية، مثل الضرائب البيئية وترشيد استخدام المياه و«ثورة خضراء» جديدة.

ويقول الخبراء إن المليار الجديد الذي يتوجه «عدنان» جديد خلال أشهر، سيكون الأخير في فترة زمنية قصيرة كهذه، وإن المليار التالي سيستغرق فترة أطول بقليل (‬13 أو ‬14 سنة)، فيما سيتطلب المليار الذي يرفع عدد سكان الأرض إلى تسعة مليارات، ما بين ‬20 و‬25 سنة. وبحلول ذلك الوقت، أي قرابة العام ‬5002، يتوقع أن يكون العالم يقترب من استقرار عدد سكان الأرض للمرة الأولى في قرون. وفي حينه، سيكون عدنان نيفيتش، بلغ الخمسين تقريبا، وسيولد أحفاده في عالم أكثر اكتظاظاً. ولكن أشد استقراراً ديموغرافياً.