كلنا يبكي! كبيرنا وصغيرنا.. المرأة والرجل والطفل.. وفي أحوال مختلفة، من فرح وحزن وشوق وخشية لله. وهي فطرة فطر الإنسان عليها، ومع ذلك نربي أولادنا الذكور ونعلمهم أن «البكاء عيب»!

 

إن البكاء هو أحد التعبيرات التي تظهر على الإنسان في موقف انفعالي ما، وهو يصاحبه سيلان الدموع. والبكاء عند علماء الطب من وسائل تحسين الحالة الصحية، (وليس دليلا على الضعف أو عدم النضج)، حيث ينتج عنه إزالة المواد الضارة من الجسم (التي يفرزها عندما يكون الإنسان منفعلا انفعالا زائدا، بسبب القلق أو الحزن أو حتى الإجهاد الزائد)، إذ يتسبب البكاء في زيادة عدد ضربات القلب.

وهو ما يعتبر منشطا للحجاب الحاجز وعضلات الصدر. ثم بعد الانتهاء من البكاء تعود سرعة ضربات القلب إلى معدلها الطبيعي وتسترخي العضلات مرة أخرى، وتحدث حالة شعور بالراحة والاسترخاء، فتكون نظرة الشخص إلى المشاكل التي تؤرقه وتقلقه أكثر وضوحا، بعكس كبت البكاء والدموع الذي يؤدي إلى الإحساس بالضغط والتوتر المؤدي إلى الإصابة ببعض الأمراض.

 

تمايز وأنواع

كما قالوا عن سبب ظاهرة دموع المرأة الأسرع من دموع الرجل، يرجع إلى طبيعة المرأة الفيزيولوجية والنفسية، بسبب هرمون يسمى «البرولاكتين» وهو هرمون أنثوي (وهام لإدرار لبن صدر الأم لرضيعها، لكنه يفرز أيضا بنسبة أقل في غير أوقات الرضاعة). ويزيد الهرمون كرد فعل للتوتر والأحزان ومشاعر الاكتئاب التي تنتاب المرأة.

وهذا بينما البكاء عند رجال الدين له تفسير آخر، نأخذ منه ما قال به الإمام «ابن القيم»، الذي قال بعشرة أنواع، هي: بكاء الخوف وخشية الله، بكاء الرحمة والرقة، بكاء المحبة والشوق، بكاء الفرح والسرور، بكاء الجزع من ورود الألم وعدم احتماله، بكاء الخور والضعف، بكاء النفاق (أن تدمع العين والقلب قاس)، البكاء المستعار والمستأجر عليه ( مثل بكاء النائحة)، بكاء الموافقة (أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر فيبكي معهم)، بكاء الحزن (وفرقه عن بكاء الخوف، هو أن «الحزن» يكون على ما مضى من مكروه.. و«الخوف» يكون على ما يتوقع في المستقبل)، دمعة أو بكاء السرور (باردة والقلب فرحان).

على عكس عرف بعض المجتمعات في أن اعتبارها بكاء الرجل شيئا مشيناً أو دليلا على الضعف، يرى خبراء ومتخصصو علم الاجتماع أن للرجل الحق في أن يبكي، وينتقدون تنشئة الصغار من الذكور على هذه المفاهيم. ومن ثم يوافقون علماء الطب في أن سبب عمر المرأة أطول من عمر الرجل، لأن المرأة لا تتردد قي ترك العنان لدموعها، ولا ترى قي ذلك حرجاً.

وبالتالي يسهم ذلك في راحتها النفسية والجسدية، أما الرجل فهو يخجل من البكاء، مع تعرضه للضغوط، وفي الوقت نفسه تحفظه بشأن البكاء. لذلك يحذر العلماء الرجال بقولهم: «لا تدع المرأة تفوز عليك بالعمر الطويل بسبب البكاء!».

لماذا لا نبكي؟ يقول الدكتور «ايرفنج ماركويتز» مدير مركز رعاية الطفولة، بمدينة (نيوجرسي)، إن تربية الأولاد (الذكور) على حبس البكاء والسخرية من الباكي، ظاهرة من أسوأ ظواهر سلبيات الثقافة الإنسانية. ذلك لأن الحس المرهف، هو سمة التوازن في نفس الإنسان، أما القدرة على حبس البكاء وكتمان الضحك، فهذا تصرف يشير إلى خلل في المشاعر .

وإذا ضج الجميع بالضحك عند سماع نكتة، وبقي واحد لم تهزه البهجة فإننا نصفه ببلادة الحس، وأولى بهذا الوصف شخص لا تقطر عيناه دمعة عندما يتعرض لألم مبرح أو حزن ساحق. وهذان النقيضان غالبا من نتائج التربية على حبس البكاء، وغالبا ما يصبح هؤلاء غلاظ القلوب، يفتقدون الإحساس الإنساني، ويعجزون عن تكوين العلاقات الطيبة الوثيقة مع غيرهم. أما عظمة الإنسانية فهي القدرة على رقة الإحساس بما يصيب الناس، ومشاركتهم في أحزانهم.

ولو نظرنا إلى هذا الاعتقاد نظرة موضوعية لوجدنا أن الدموع ربما كانت دليلا على القوة وليس الضعف، فالرجل القوي الشجاع يثق في قدرته على التعامل مع عواطفه. ولا يهمه أن يخطئ الناس في وصفه إذا عبر عن مشاعره الطبيعية بصدق. فبذا تضحكه النكتة أو تبكيه كارثة ما دام محافظا على مشاعر الناس لا يخدشها. ولا يقصد بالضحك أو البكاء خداعا أو رياء .

 

البكاء شرف الإنسان

من المفارقة أنه امتلك الإنسان والحيوان، الغدد والقنوات الدمعية المسؤولة عن إمداد العين بالدمـــوع التي تحتاجهــا العين. كما ان الجهاز الدمعي يتكون من جزأين، الجزء الأول وهو الخاص بإفراز الدموع، وأهم جزء به هو الغدة الدمعية الرئيسية، وتوجد في أعلى الجفن العلوي بالعين.

أما الجزء الثاني فهو الجزء الخاص بتصريف الدموع من العين، ويتكون من فتحتين صغيرتين في أعلى الجفن السفلي من ناحية الأنف، توصلان إلى أنابيب دقيقة تنتهيان في الكيس الدمعي، الذي يصب الدموع في الأنف، فتُسيل الأنف. ولولا الإفراز المنتظم للدموع بالقدر الذي لا يشعر به الإنسان، لولا ذلك لأصيبت العين بما يعرف بالجفاف، الذي حتما سوف يؤدي إلى التهابات شديدة.

حيث تقوم الدموع بترطيب العين وحمايتها من الأتربة والغبار، وتقوم بغسيل العين باستمرار، كما أنها تحتوى على أجسام مضادة تقي العين من بعض البكتيريا.كما أن للدموع وظيفة مهمة، وهي وظيفة بصرية، حيث تعمـــل الدمــــوع على تنقيـــة الصـــورة المرئية.

ومع ذلك فإن المؤكد علمياً أن الحيوانات لا تعرف البكاء وانهمار الدمع الناتج عن الشعور بالألم أو لأي سبب آخر، فالحيوانات لا تبكي أبداً، بالرغم من أنها تمتلك غددا وقنوات دمعية ولديها الدموع! لكن دموعها لا تظهر إلا لأسباب عضوية أو مرضية بحتة.

وذلك إذا هيجت النهايات الحسية العصبية في عينيها.وهنالك حيوانات لا يُستثار دمعها أبداً كالتماسيح، مع أن التشريح أثبت وجود غدد دمعية متكاملة لديها. لذلك كان مثل «دموع التماسيح» التي فسرت تفسيرات كثيرة، وثارت مضرب الأمثال. فتطلق على الإنسان غير الصادق في مشاعره، أو الذي يصطنع البكاء في المواقف التي تحتاج البكاء والحزن الذي يعقبه عذر وإفك، تماماً كالتماسيح (التي ينزل الدمع بغزارة من عينيها كلما جرى المضغ) . وقد قال ابن المعتز:

ثم بكوا من بعده وناحوا

كذباً كما يفعل التمساح

 

طرائف البكاء

هناك شعوب لا تبكي كثيراً، مثل الشعب الفرنسي الذي لا يبكى فيه إلا ‬8٪ فقط. ويطلقون على العين التي لا تذرف الدموع، والمدربة على عدم البكاء: العين الجافة، ويصفون أصحابها بالقساة. وهؤلاء المعرضون بالإصابة بالقرح في عيونهم، ونسبة تلك الإصابة في عيون الرجال أكثر من عيون النساء، للسبب نفسه!

وتفرز الدموع في الحزن والفرح بآلية واحدة، حيث تومض العين ست عشرة مرة في الدقيقة، ومع كل ومضة لجفن العين فإنها تسحب قليلاً من سائل الغدد. وعندما يشعر الإنسان ببعض الانفعال، مثل الحزن أو الغضب أو السعادة البالغة، تضيق العضلات التي حول الغدد الدمعية وتعصر السائل الدمعي. ويحدث الشيء نفسه إذا ضحك الإنسان من أعماقه.

وهناك نسبة ‬67٪ من النساء يبكون في كل الأوقات والمناسبات، حتى السعيدة منها. وأيضا نسبة ‬62٪ ممن يعملون في الزراعة والأرض لا يعرفون البكاء. وكذلك يوجد نسبة صفر إلى ‬23٪ فقط من أصحاب المراكز العليا يبكون لأسباب قاهرة. كما اتضح أن نوبات البكاء تحدث بشكل أساسي بين السابعة والعاشرة مساء، وأن احتمال البكاء أثناء مشاهدة فيلم مؤثر، هي أكثر في المساء عنه في الصباح.

مناسبات البكاء بين البشر، عديدة ومتنوعة، فـ ‬49 من البشر يبكون عند مشاهدتهم للفيلم التليفزيوني أو السينمائي، ونسبة أخرى عند فراق الأحبة، ونسبة عند المشاجرة مع الأزواج، ونسبة عند سماع الموسيقى. أما بقية البشر، والتي نسبتها ‬51٪ في بعض الشعوب المتقدمة فإنهم لا يبكون أبداً.

وهذا لأن نسبة ‬61٪ ممن تتراوح أعمارهم بين ‬15 عاماً و ‬24 عاماً، يُعتبرون أرضاً خصبة لإمكانية البكاء، أما الأرض الجرداء التي تنعدم فيها فرص الدموع فهي أرض من بلغت أعمارهم الخامسة والثلاثين، وحتى التاسعة والأربعين.

وختاما، فإن الذي يبكي هو الذي يُمزق كل الأقنعة والاعتبارات وكل الأدوار الاجتماعية، لذلك يقولون: «إن من لا يعرف الدموع لا يعرف الرحمة ».. و«الذي لا يبكي عندما يتألم ،فإنه يتألم أكثر، لأنه يشعر بالألم مرتين».