لم يكن الليل قد هبط على كيوتو بعد، عندما خرجت تلك المايكو الشابة (الغيشا المبتدئة) مسرعة من أحد بيوت الشاي (أوتشايا)، لتدخل منزلاً قريبا في حي «شيمباشي». بوجهها الأبيض والكيمونو المزخرف، أطلت كالضوء. وحده صوت قبقابها كسر صمت الزقاق الضيق الذي تحده محال صغيرة أشبه بمنازل الدمى.
موناليزا فريحة
مساء ذلك اليوم، كانت نيتسو مدعوة مع اثنتين من زميلاتها إلى تقديم عرض في مطعم فخم.أما صاحب الدعوة فثري يريد التنفيس عن همومه. تركت نيتسي ابنة السابعة عشرة، عائلتها المتواضعة في «أوساكا»، لتحقق حلم والدتها لتنضم إلى عالم الغيشا. انتقلت إلى دنيا يختلط فيها الصبر والصمت الشرق آسيوي بالكيمونو، والعلاقات الحميمة بالتقاليد والعذابات بالأفراح.
مدارس فنية جمالية
في كيوتو، المدينة المتنقلة بين الماضي والمستقبل، والقادرة على تجاوز دورها كحارسة تقاليد الإمبراطورية الشرقية، أدركت نيتسو أن ما ينتظرها أصعب مما كانت تتوقع.
في المجتمع الياباني التقليدي، ليست الغيشا امرأة عادية، هي رمز الأنوثة والحب المستحيل.دورها الترفيه عن الرجال بشتى أساليب الفن، من الرقص إلى الغناء فالمسرح. ومن المحادثة إلى طقوس الشاي، وتنسيق الزهور والكتابة بخط جميل، وغير ذلك. إلا أن الجوهر دوما رقة جمالها وتعاطيها وإتقانها مهامها.
قصة واقعية
كانت نيتسو في الخامسة عشرة عندما التحقت بإحدى مدارس الغيشا الشهيرة في كيوتو. ولم يمر وقت طويل حتى اكتشفت الوجه الخفي لحلمها: «لم يكن يحق لي الخروج، وطوال أشهر، لم يكن علي إلا القيام بأعمال شاقة، وإلبــاس الفتيات الأخريات». وحتى غرفتها، كانت تتقاسمها مع ست فتيات أخريات، وأما مساحتها الشخصية الوحيدة فكانت خزانة ملابسها.
وتروي نيتسو المشقات التي واجهتها في فترة التعلم: جلسات طويلة من الماكياج واللبس. مع كيمونو يزن أحياناً 14 كيلوغراما. عروض يومية متواصلة في منازل الشاي، إضافة إلى كبت مشاعرنا لمعرفتنا أنه لا يحق لنا أن نحب ونتزوج.
فكرت نيتسو مراراً بترك ذلك العالم، إلا أنها كانت في كل مرة تتذكر أمها وحلمها، فتعود وتثابر.
غيشا وأوتشايا
يعود أصل الغيشا إلى العصور الأولى من تاريخ اليابان، عندما كرست جماعات حياتها للفن والترفيه، فكان زبائنها من رجال الطبقة الراقية والثرية (أوتوكو نو غيشا)، ثم أخذت النساء بغزو المهنة، قبل أن تصير حكرا عليهن.
اتخذت نساء الغيشا صفتهن الحالية في فترة ايدو (1600-1868)، وإن يكن اكتسبن شهرتهن الأوسع في فترة تايشو (1912-1926 ).
ومنذ ذلك الوقت، بدأن يتجمعن في بيوتات خاصة «الاوتشايا»، حيث تشرف عليهن سيدة متقدمة في السن، تقوم بدور الحماية أيضا، يطلق عليها «أوكاسان»، أي الأم. وفي حينه، كان هذا المجتمع نسائياً صرفا، ويسوده نظام طبقي متشدد، تطبق فيه قواعد صارمة على النساء عند دخولهن هذا العالم. وعلى غرار نيتسو، تلتحق الشابات بهذه المهنة، حينا بمحض إرادتهن، بحثا عن أسرار ذلك العالم، أو سعياً إلى المال، وأحيانا كان يتم بيعهن من قبل أوليائهن لهذه البيوتات، بسبب الفقر. بيد أن شروط الانتساب لم تكن يوما بالسهولة التي يتخيلها البعض. ولا تزال صارمة.
وتبدأ غالبية الغيشا خطواتهن الأولى في سن الرابعة عشرة. ولكن قبل ذلك، عليهن أن يتقدمن أمام «الاوكاسان» التي كانت تقرر ما إذا كانت تقبلهن في عالمها أم لا. وبالنسبة إلى كثيرات، تبدو فترة التدرج أشبه بالأعمال الشاقة البعيدة كل البعد عن ذلك العالم الساحر الذي يتخيله البعض. فإلى الصفوف الفنية، تشمل الفترات الأولى أعمالا منزلية يومية. وتلبية طلبات الغيشا.
مستويات وقوانين صارمة
إن هذه الفترة التي تستمر أربع سنوات، تتدرب الفتاة خلالها، على ارتداء الكيمونــو، وينســق شعرها بالطريقة التقليدية. كما يدهن وجهها بماكياج أبيض سميك.
وتشارك في حفلات رقص تكتسب فيها شهرتها الأولى. ويطلق على الفتاة اسم المايكو. وإلى أن تصير الفتاة في العشرين. وعندها تقرر ما إذا ستترك هذه المهنة أم تنخرط فيها أكثر. وإذا اختارت البقـــاء، تصير غيكــو، وتستمر هذه الفترة عشر سنين تقريباً. وخلالها، تتغير حلـــة الفتـــاة تدريجيــا، وتبدأ بارتداء كيمونو ذي أكمام قصيرة، وتتخلى شيئا فشيئـــا عن التبرج الفاقـــع وحلــي الشعـــر والشعـــر المستعـــار( الكانزاشي).
وتستمر في هذه الفترة أيضا، التدريبات بإشراف نساء غيشا مخضرمات، لإتقان فنون الرقص والعزف على الآلات الموسيقية (كوتو وشاميسن) والغنــاء، بالإضافة إلى تعلم طريق الاختيــار والاعتناء بملابسهـــن وجمالهـــن، وتعلـــم أساليب المحادثة الراقيـــة. ومع الوقت ترتفــع تكاليف خدمـــات الغيكـــو. وتصير إطلالتهــا أقل. وفي ختام هذه الدرب الطويلة تكتسب عن جدارة لقب الغيشا.
لا حق في الزواج
لا يحق للغيشا التفكير في الزواج أو الإنجاب، فهن متى اخترن هذه المهنة نذرن حياتهن لها، واعتبرن بمثابة جاريات من طبقة راقية. وهناك قصص كثيرة لفتيات وقعن في الحب وحاولن الإصغاء إلى قلوبهن، والتغريد خارج سربهن، فما لبثن أن خبن. فالفتاة التي تريد الارتباط عليها أن تتخلى عن مهنتها. كما على الرجل الذي يريد الارتباط بها دفع ثروة طائلة لكي يعتقها.
وإذا لم يعتقن عند التقدم بالسن تدير الغيش بيوتات جديدة، ويقمن برعاية المنتسبات الجديدات. وتتسم حياة الغيشا بطقوس خاصة تكسبها مزيدا من الفرادة والجمال. فالكيمونو الذي ترتديه عادة يكون باهظ الثمن، وتتجاوز قيمته أحيانا عشرة آلاف دولار، فهو مصنوع من الحرير وله ذيل طويل وأكمام طويلـة ليساعد الفتاة في التمايل خلال الرقص. وأحيانا يسد البيت الذي تسكن فيه الغيشا ثمن الكيمونو، ويحدث أن يكون هدية من زبون ثري.
وليس حذاء الغيشا مجرد حذاء. فالغيتا أو الخف يكون ذا كعب عال جد. وعليه نقوش ورسومـــات أنيقـــة وجميلـــة ومكملـــة للكيمونو. ويتعين عـــلى الفتاة التدرب على المشي والرقص به.
نهارات طويلة
ليست نهارات الغيشا بالقصيرة. فهن يبدأن منذ الظهر تقريبا الاستعـــداد لعملهـــم المسائي. فالتبرج يستغـــرق وقتـــا، من تصفيف الشعر إلى الزينة التي توضع فيه، إلى الماكياج المميز وطلاء الوجه بلون ابيض ناصع، فوضع احمر شفاه شديد الحمرة، مع الكحل الأسود، ورســـم الحواجب بطريقة معينة. ومع غروب الشمـــس، تنقل عربات «الريكشــو» الغيشا، إلى مطاعم راقية تعرف باسـم «ريوتي»، حيث يرفهن عن رجال في حفلات تستمر حتى الساعات الأولى من الصباح.
وتلخص نيتسو دورهـا ودور زميلاتها:
«مهمتنا تكمن في التخفيـــف عن القلوب الجريحة..لا أكثر!