حين يسرد الرواة قصصهم، فهذا يعني أنهم يحفظون الذاكرة الشعبية من النسيان، ويكشفون عن الكثير من الحقائق والتجارب التي مضت، ولكنها أسست لحقبة لاحقة، والأهم أنها توثق تاريخا زمنيا ليس ببعيد، لكنه بحاجة إلى التدوين. والقصص التي سردها الرواة من كل إمارات الدولة، لا تقتصر على جانب واحد من الحياة، بل هناك ما يوثق الحياة البحرية، أو مراحل التطور العمراني، وأيضا أهم القطاعات والبنوك التي تم إنشاؤها خلال ستينات القرن الماضي، وغير ذلك من التجارب التي تعكس مظاهر حياة لم يبق منها في بعض الأحيان، إلا الذكريات.
تشغل قصص البحر مساحة كبيرة من مخزون وبنية الذاكرة التي يسردها الرواة، بعد أن شكل هذا الأزرق الكبير، جزءا كبيرا من حياتهم، بل ورسم ملامحها في الكثير من الأحيان، فقصص أهل البحر لها تفاصيلها الخاصة، حتى وإن اجتمعت تحت عناوين كبيرة فرضها عليهم، وذلك مثل رحلات صيد اللؤلؤ والغوص والصيد والتجارة. ولكن بقي لكل منهم تجربته. وحين تجتمع التجارب تتشكل سيرة منطقة بأكملها، يحيطها البحر بثقة أزلية.
رحلات الغوص
رجل الأعمال الإماراتي جمعة الماجد، كان يصطحبه والده في رحلات الغوص الشاقة. وعن تلك المرحلة قال: «عرف أجدادنا البحر واسترزقوا من خيراته، وسافروا فيه لمعرفتهم بتفاصيله، وكانت «النالية» أو الخريطة التي وضعها المغفور له الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، معرفا بها مغاصات اللؤلؤ في الخليج العربي، دليلا قاطعا على إلمام أهل الساحل بتضاريس البحر، ولا يمكن أن يتخيل المرء كيف كانوا يتنقلون على طريقه بسهولة، وكأنهم يتنقلون على اليابسة. وأصبحت تجارة اللؤلؤ مصدر رزق لسكان الخليج العربي الذي ترددت سفنه وبحارته على موانئ الهند وإفريقيا، ما عزز مهاراتهم في أسفار البحر. وأنعش اقتصاد المنطقة وتداولاتها التجارية».
وعن تقاليد الغوص، قال جمعة الماجد: «كان ازدهار سواحل الخليج في أوجه في العقدين الأولين من القرن العشرين، وكان للغوص أنظمة وقوانين وضعت وطبقت لتكفل وتحمي حقوق الغواصين، وكذلك التجار والمستثمرين، وتغيرت الأحوال فكانت الحياة قاسية بعد انهيار سوق اللؤلؤ واستبدال لؤلؤ الخليج الطبيعي، باللؤلؤ الصناعي الذي استهجنته اليابان عن طريق الزراعة. ورغم هذا لم يتوقف أهل سكان الخليج عن إصرارهم على المضي قدما في بحثهم عن مصادر الرزق، وتغيرت تطلعاتهم إلى المستقبل، حتى عادت الحياة التجارية والاقتصادية إلى استقرار ملحوظ عند اكتشاف النفط والطفرة التي تبعت ذلك. وعن تفاصيل البيوت التي لا تزال تسكن ذاكرته، قال الماجد: «ولدت في منطقة الشندغة في دبي، وتسكن تفاصيل بيوتها وأزقتها في ذاكرة حفظتها، وتمر أمامي كلما تأملت طبيعة الحياة في ذلك الزمن، وكلما نظرت إلى ما بقي من ذلك الزمن العتيق، فبيوت الساحل المصنوعة من الحجر والجص والطين والشعر، يسكنها أهلها في الشتاء، ويهجرونها في الصيف مستبدلينها بالخيام والبيوت المصنوعة من سعف النخيل، وهناك أزقة كثيرة تربط الحي بأطرافه في مختلف الاتجاهات، إلا أن هذه الأزقة صممت بسعات مختلفة، فالواسعة منها تفسح مجالا للجمال المحملة بالبضائع، للوصول إلى مواقع معينة. والضيقة منها تقرض مشاة الزقاق ظلا، فتقيهم من أشعة الشمس.
الموسوعة المتحركة
خميس راشد بن زعل الرميثي، أو «الموسوعة المتحركة»- كما يطلق عليه البعض هو تاجر لؤلؤ مارس مهنته هذه عندما كانت في أوجها. وقال الرميثي: «ولدت ونشأت في جزيرة دلما، التي كانت في أوج ازدهارها قبل انهيار تجارة اللؤلؤ، وكان البحارة يطلقون عليها اسم «بومبي الصغيرة»، كناية عن الأضواء والحياة الاقتصادية المفعمة آنذاك، وتغيرت الحياة بعد انهيار تجارة اللؤلؤ، وكانت أيام المجاعة قاسية وشحيحة، إلا أن ذلك لم يؤثر فينا، فالبحر رزقنا اللؤلؤ والسمك، ووهبنا بذلك الأمل». وأضاف الرميثي: «كان جدي شيخ علم، أما أبي فكان متفوقا في مدرسة الحياة، وتعلمت من مجالسه الأخلاق العالية والجرأة والشجاعة والصبر والحلم عند الغضب. كما وضعني والدي «نخوذجا» منذ سن صغيرة، فكان ذلك تحديا لا أنساه، حيث صقل مهاراتي وعزز ثقتي، ووثق علاقتي بالبحر».واسترجع الرميثي تلك الأيام: «كنت شغوفا بجمع معلومات عن اللؤلؤ، ومارست تجارته، فأصبحت ملما بمسمياته وأوزانه وأشكاله ومقاييس جماله، وتثمينه على هذا الأساس، لقد احترم سكان الخليج البيئة، فتركوا البحر ثمانية أشهر في السنة، ما أسهم في اكتمال نمو اللؤلؤ ووجوده عاما بعد آخر».ورغم تواجد الرميثي في أبوظبي، منذ العام 1951، إلا أن تلك الأيام باقية في أعماقه، ويقول عن ذلك:« جزيرة دلما، وجزر الإمارات الصغيرة منها والكبيرة، محفورة في جدران قلبي ما حييت، وهذا ما يعبر عنه شعري. فأنا أكتب الشعر الذي أتصور فيه جماليات البشر والمكا، فأرسمها بالكلمات، ولا زلت متعلقا باللؤلؤ، فأشارك في المعارض والفعاليات التراثية المختلفة لتعريف الباحثين والجيل القادم بحياة الماضي، وبما اكتسبناه من خبرات، فأنا أسعى إلى توضيح الأمور التي يراها الناظر ولا يستعيض عنها، فيبحث في أسرار الكون عن مضامينها، فاللؤلؤ المكنون مذكور في القرآن الكريم، ولعلمه بحور نجهلها وفي تكوينه (عبرة لمن يعتبر)».
لغة الفصول
لرئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للغوص، فرج بطي المحيربي، قصص تختلف بتفاصيلها عن غيره ممن عاصر حياة البحر:«إن ارتباطي بالبحر له جذور بعيدة، فعلى مدى الـ 45 عاما الماضية ارتقيت من صبي صغير يعمل على سفينة للغوص، إلى قبطان لسفينة غوص. وللغوص أنظمة محكمة فعلى كل سفينة أدوار ومهام وظيفية محددة، ويُعمل بها حسب الأصول والأعراف التي تنظم العمل طوال رحلة الغوص، والذي يكون تحت مسؤولية وإشراف النوخذة المسؤول عن السفينة، منذ لحظة إبحارها حتى عودتها إلى البر سالمة». وعن معرفته بحياة البحر :« الحياة البحرية وكائناتها تعرف لغة الفصول، وتتأثر بمؤثراتها، فكثير من الأسماك تتوافر إلى أن تغيب الثريا في الخامس من شهر مايو، وتتأقلم بعض الأسماك بوفرة توازنها بين الصيف والشتاء، فلا تهزل أنواع معينة في الشتاء، وأخرى في الصيف، بتخلصها من البيض، وتصبح هزيلة بفقدانها قيمتها الغذائية».
ويحكي المحيربي كيف تزامنت بداياته في الغوص مع فترة انتهاء عهد صيد اللؤلؤ: «تركزت معظم رحلات الغوص في مناطق الساحل الغربي للإمارات، بهدف جمع الكثير من صدف المحار، فجل ملاحظاتي تركز على حال صدف المحار، وأنا أؤمن إيمانا تاما بأنه إذا كان المحار بصحة جيدة، فهذا يعني أن البحر في حال جيدة، وحتما سندرك ذلك، وإذا كان المحار مريضا فهذا يعني أن البحر مريض أيضا، وسينعكس ذلك علينا».
ووصف المحيربي رحلات الغوص على اللؤلؤ بأنها شاقة. وأضاف:« كانت تمتد إلى شهرين، ويعود بعدها الغواصون إلى اليابسة لعشرة أيام، ليذهبوا من بعدها في رحلة غوص أخرى، تسمى «غوص اللازم» أربعة أشهر، ثم يعودون في شهر أكتوبر وتسمى رحلة العودة «القفال»، أي انتهاء موسم الغوص، وعندما فعلت واعتمدت بممارسة متوسعة، فكرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، بإعلان «سباق القفال»، جاء ذلك متناسقا مع واقع رحالة العودة في الماضي، فقد كان الغواص يغطس ما يقارب ال 50 غطسة يوميا. فمن البديهي أن يتسابق للوصول إلى ما يزيل عناءه ويجمعه بأهله واليابسة». وتمنى المحيربي أن تعي الأجيال القادمة أهمية الإلمام بالبيئة:« هناك كائنات تدب على الأرض، وغيرها يسبح في الماء، وتربطها ببعضها البعض شبكة من العلاقات المتبادلة، والتي تتحكم الفصول في صيرورتها وبدقة متناهية. . إن كل هذه المعارف دوناها في صدورنا، ولقد آن توثيقها، وحفظها من الاندثار».
ذاكرة القرن
اهتمامات الباحث عبد العزيز المسلم، بالتراث وتاريخ المنطقة، كانت كافية للحديث نيابة عن الراوي جمعة بن حميد بن خلفان بن صالح، والذي رحل في 11 نوفمبر من العام الماضي. واستعرض مسلم بدايات بن حميد مع البحر:« تعلم جمعة بن حميد في حلقات «المطوع». وهو أشبه بتعليم الكتاتيب، إلى جانب هذا تعلم السباحة وصيد الأسماك، ورافق ذويه وأقرانه في رحلات الغوص والصيد، ثم رافقهم في أسفارهم البحرية في الخليج. وكون بن حميد مخزونا ثقافيا مميزا أثناء عمله في البحر مع كبار الربابنة العارفين لعلوم البحر التي أورثهم إياها البحار الإماراتي الشهير أحمد بن ماجد. ودأب على حضور مجالس الرجال فنهل من معين الأدب الشفاهي الذي كان متداولا في زمانه، وأخذ بأسباب التعلم الشفاهي، أينما كان، وهو تثقيف ذاتي صرف درج عليه محبو الثقافة الأوائل، وكان محبا للشعر، يحفظه ويردده.وكان يحفظ كثيرا من الأمثال والحكم، ولمعاصرته مراحل وأحداث تاريخية عددية ترسخت في ذاكرته تلك الأحداث، وصار إخباريا متميزا، وكان محيطا بأشكال التراث العمراني ومميزاته، وأيضا الطبيعي للإمارات».
وعن حياة بن حميد أوضح المسلم:« كان عمل بن حميد في البحر، به ابتدأ وبه انتهى، ولكنه بين ذلك سافر للعمل في بعض دول الخليج، وعند ظهور النفط عاد ليعمل في بلاده. وعاصر ثلاث مراحل تاريخية هامة في تاريخ الإمارات، وكان شاهدا على ثمانية عقود من عمر الشارقة، وعاصر خمسة حكام فيها، ما جعله يحمل ذاكرة القرن العشرين كاملة، بكل أفراحه وأتراحه». وأضاف المسلم:« كان ربانا من الطراز الأول، وعارفا بالنجوم والطوالع، وبمجاري السفن في البحر. وكان يهوى الزراعة، فأبدع فيها، وكذلك في معرفة موارد المياه. وبرع في وصف ملامح الشارقة القديمة، وكان متخصصا في سرد سير رجالات الشارقة الأوائل».