صغيرة كانت عندما تنظر في عيون مدرّستها وطريقتها التي لا تخلو من المداعبة والسيطرة المحببة التي لابد أن تخضع لها جميع الطالبات الصغيرات راضيات كل الرضا، تصورت الصغيرة ذات الجدائل السوداء المدلاة من تحت الكاسكيت الجوخ الكحلية على بلوزة بيضاء تحمل «بادج» المدرسة الراقية،تصورت ان العالم كله داخل عيون مدرّستها، حب واحترام وانتظار للغد حتى تلقاها مع بقية الطالبات في المرحلة الابتدائية. وعندما كبرت الصغيرة وسمعت الأغنية الشهيرةللفنان محمد منير : «البنت بالمريلة الكحلي»، علمت تماماً ان هذه الأغنية بكل تفاصيلها أعادت لها ذاكرة أحلى سنوات العمر في مدرستها الألمانية بالقاهرة.
وظل الطموح والثقة بالنفس منحوتين داخل قلوب وعقول خريجات هذه المدرسة وغيرها من مدارس الزمن الجميل الذي كان فيه المدرس رمزا للاحترام والتقدير وينطبق عليه ما سرده أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الرائعة «قم للمعلم»، حيث وضع المعلم في منزلة عالية تعكس التقدير له والحب والاحترام حيث قال:
«قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاـد المـعـلم أن يكـــون رســولا
أعلمت أشـرف أو أجـل مـن الذي
يبني ويــنشــئ أنفــساً وعــقولاً
ربّوا على الإنصاف فتيان الحمى
تحدوهم كهف الحقوق كـهولا
فهو الذي يبني الطباع قويمة
وهو الذي يبني النفوس عدولا
ويقيم منطق كل أعوج ينطق
ويــريــه رأيــاً في الأمــور أصــيلا
كبرت الصغيرة عاشقة الشعر بكل لغاته، معه ينبض قلبها وتطير في ذكريات الصبا والشباب، وكانت قصيدة أحمد بك شوقي لها مكانتها الخاصة جداً في وجدان صغيرتنا التي شبّت على حب كل المعاني الجميلة التي تربت عليها على يد معلمين أجلاء، عربا وأجانب، حلقت في عوالمهم الرحبة، فكانت فيما بعد شخصية متكاملة متزنة ورائعة، المعلم والأهل في المنزل وجهان لعملة واحدة تعكس كل المنطقية والتحضر والاستنارة، وتدوير الحوار وتقبل الرأي والرأي الآخر.. فكانت أجيال لاتزال تحمل في ثناياها بقية زمن لابد من الانحناء له تبجيلاً، في محاولة لوضع أسسه ومعاييره لتجد لها مكاناً ولو ضيقاً في زمن لاهث تختلط فيه الأوراق، ويغيب فيه الحق والاحترام، وينزوي المدرس بعيداً لا يقوى على أن يبني النفوس عدولاً.
والطريف ان الصغيرة ذات الجدايل السوداء و«المريلة الكحلي» تتذكر مدرسة الفصل الألمانية، كلما ذهبت الصغيرة بعد أن كبرت لشراء عطر فرنسي مميز وراق كانت تتعطر به مدرستها، فلمسة من بخاخ هذا العطر تختزل كل سنواتها وتعود بها إلى مدرستها الراقية التي خرجت أجيالا وأجيالا تحت شعار الحب والاحترام والحق والجمال.. معان هي، ولكنها نهج حياة تتزاحم هذه المعاني لتجد لنفسها مكاناً هنا أو هناك في زمن طارد لكل ما هو نفيس، زمن «تيك آواي» فقط!!
والمعلم.. مسيرة حياة في الشرق والغرب عنه وحوله كتبت الأقلام، فالمعلم في فكر وروايات نجيب محفوظ الذي اتخذ من خان الخليلي والجمالية وقصر الشوق والسكرية أماكن خاصة جداً له انتقلت لرواياته، من ضمن شخصياته التي تتسم بالواقعية شخصية «المعلم نونو»، الذي رسم له محفوظ صورة وقورة لها أبعاد خاصة جداً، فهو ــ المعلم نونو ــ رجل سعيد بدنياه، مثقف له منهج لأن مهنته تتطلب ذلك، فكان معلماً وقوراً، ويعمل بعد الظهر خطاطاً في حي خان الخليلي، وهي مهنة قريبة من مهنة التدريس، حيث كان في ذلك الوقت تعليم الخط العربي وأيضاً الأجنبي المنحدر عن اللاتينية ضمن المناهج الوقورة التي خرجت أجيالا راقية ربما يكون بعض منها على قيد الحياة، ينظر في ذهول ليس فقط لأحوال «المعلم»، وإنما لأحوال الكون كله الذي خرج عن كل ما هو مألوف وإنساني وجميل.
المعلم «نونو» ــ كما رسم شخصيته نجيب محفوظ كان قدرياً، يتوكل على الله ولا يحمل للدنيا هماً، فاشتهر بجملته الشهيرة التي زادت من جماليات وأيضاً عمق وحبكة الرواية ــ فيقول المعلم «نونو» صاحب الرؤية الثاقبة: «ملعون أبو الدنيا» فهي كلمات فلسفية لرؤية قدرته والتي لا تعني المعنى الحرفي للكلمات وإنما تعني: «دع الهموم واضحك واعبد ربك، فالدنيا دنيا الله والفعل فعله والأمر أمره والنهاية له، فعلام الحزن والتفكير والهَمْ؟!».
2000 معلم
«ملعون أبو الدنيا» وفي الواقع هي ضمن الرؤى الفلسفية لنجيب محفوظ شخصياً الذي اتخذ من بيت القاضي رقم 6 وهو المنزل الذي ولد فيه، منطلقاً ليس بالبعيد عن مكان مولده هو منطقة خان الخليلي والحسين الذي كان له في كل مقهى في الحي مكان ومع كل فرد فيه حكاية، فكانت رؤيته واقعية تعكس قلب المجتمع المصري وتجربته الحياتية التي أوضحها في كل أعماله التي نال عليها بكل جدارة جائزة نوبل للآداب.
وتعتبر كلية دار العلوم جامعة القاهرة وهي الكلية الوحيدة على مستوى العالم العربي والإسلامي، مع كلية دار العلوم في إسلام آباد، هي التي تخرج نخبة المعلمين الدارسين لأصول اللغة العربية واللغات السامية والفلسفة والمنطق والأديان المقارنة وفقه التشريع الإسلامي، هي الكلية التي أثرت مصر والعالم العربي بأكبر نخبة، عدداً وعلماً، ليكونوا خيرة المعلمين على أعلى مستوى.. ومازالت الكلية ذاتها تبث كل عام قرابة الألفي معلم متخصص.
عوائق راهنه
جامعات أجنبية في القاهرة وبعض من عواصم العالم العربي تخرج معلمين متخصصين في كل لغات العالم، وقد افتتحت في جامعة الأزهر الشريف كلية لتعليم اللغات الأجنبية لطلاب وطالبات الأزهر ليكون لهم ــ كمدرسين ــ الريادة في الغرب لتوضيح الإسلام وتعاليمه وتفنيد دعاوى الغرب بأنه دين يعتمد على فكرة الإرهاب التي هو ــ الإسلام ــ بريء منها تماماً، نخبة جديدة من المدرسين في أنحاء مصر يقومون بعمل مجموعات مجانية في دور الأيتام ليعلموا الصغار والكبار فهم قواعد العلم والمعرفة وهم يعملون هذا العمل الجليل خارجين من تحت عباءة المجتمع المدني والجمعيات الأهلية؛ بالإضافة إلى البرامج التلفزيونية المتخصصة الفضائية التي تبث دروس تقوية لكل المراحل الدراسية في مصر، وهي تجربة رائدة عاكسة معلمين على أعلى مستوى.. فالمعلم اليوم تتسع دائرة تعليمه من خلال المحطات الفضائية جنباً إلى جنب مع دوره الريادي في مدرسته التي يحاول جاهداً تقديم رسالته أمام طلبة ذوي طموحات بعرض الأفق، لا يعيرون الاهتمام اللازم للدراسة واحترام المعلم الذي كاد أن يكون رسولا. حسبما وصفه أحمد بك شوقي في قصيدته الشهيرة «المعلم».
فالمعلم هو الذي يحمل الأجيال القادمة على كتفيه ويسير بها لبناء الأوطان والمجتمعات، وقبل ذلك كله بناء الشخصية التي ستكون يوماً في مراكز القيادة والصدارة، ولكن عوائق كثيرة تقف أمام المعلم في العواصم العربية أولها على الإطلاق التغيير الجذري الذي تشهده شخصية الطلبة الذين انجذبوا إلى مصادر جذب أجنبية مخربة، فابتعدوا عن دائرة المعرفة الحقيقية «المعلم والمدرسة»، فهم جيل الانترنت والمعلومة السريعة التي تقفز أمام عيونهم، فينسونها بالسرعة ذاتها. هم أجيال الفضائيات التي لا تخضع لرقابة حقيقية، أجيال المحمول والرسائل السريعة التي تزيد من تخريب العقول والابتعاد عن كل ما هو راسخ وجاد، يمكن للمعلم والمدرسة معاً ترسيخه في أذهان هؤلاء الخارجين على المألوف وسط غياب أسري حقيقي.
بينما سلع الغرب هذه المصدرة إلينا، لا يسمح لطلبة المدارس حتى الثانوية منها بحمل «الموبايل»، وهناك رقابة بقبضة حديدية على المدارس والمعلمين إلاّ في بعض الحالات الاستثنائية.
المعلم في السينما المصرية التي أظهرته على غير حقيقته، وبالغ الكتاب والمخرجون في وصفه وإظهاره بطريقة سلبية بحتة لا تليق به كمعلم الأجيال، ولم تحافظ في الحد الأدنى على حقوق إنسانيته، فكان التخريب المرئي لهذه الشخصية المبجلة، كما وصفها الناقد السينمائي الكبير رفيق الصبان بقوله «لم تهدر السينما المصرية حق أحد سوى المدرس الذي تظهره في شكل ساذج ضعيف، أو متشدد قاس ينفض الطلاب من حوله».
ومن نماذج هذه الأفلام فيلم «غزل البنات» إنتاج عام 1949 للمخرج والممثل أنور وجدي، وبطولة العظيم نجيب بك الريحاني الذي يقوم بدور مدرس اللغة العربية لابنة الباشا، وأظهره الفيلم بشخصية ذات ملابس مهلهلة فقيرة، خائفة، يسخر منه الباشا كمدرس خصوصي لابنته «ليلى مراد» التي تتهم المدرس بسرقة سوار من الماس خاص بها وهو بريء من هذه التهمة. وفي بداية الستينات قدم المخرج طلبة رضوان فيلما مصريا بعنوان «السفيرة عزيزة» بطولة شكري سرحان وسعاد حسني ووداد حمدي وعبدالمنعم إبراهيم الذي يتحدث طوال الفيلم باللغة العربية فيقابل بالسخرية، وهي دلالة على عدم احترام هذه اللغة العظيمة؛ بالإضافة لتحويل شكري سرحان المدرس أيضاً لشخصية خائفة من والد سعاد حسني الذي يقطن بجوار شقة المدرس، ويحط من قدره معتمداً على ثرائه مقابل فقر المدرس «شكري سرحان».
ومازالت السينما في مصر تكمل مسيرتها في تشويه صورة المدرس إلاّ من بعض الاستثناءات مثل فيلم «آخر الرجال المحترمين» بطولة نور الشريف وبوسي وأحمد راتب وسناء يونس، فيعكس الفيلم شخصية المدرس المتحضر المستنير الذي جسدها نور الشريف.
ويعتبر فيلم «مبروك رمضان أبو العلمين حمودة» بطولة محمد هنيدي الذي يقدم المدرس في شكل متشدد هستيري لا يعكس الواقع الحقيقي للمدرسين في مصر، وربما في نهاية الفيلم الذي ختم في مشاهده الأخيرة بشكل رائع لمدرس هستيري متزمت، عندما أجمع الطلبة على الولاء والطاعة لمدرسهم.
.. في المسرح
لا يقل سخرية من المدرس من خلال العديد من المسرحيات، أشهرها على الإطلاق «مدرسة المشاغبين» والتي شهدت سخرية الطلبة التي جسدها عادل إمام وسعيد صالح وهادي الجيار ويونس شلبي، عكسوهم على أنهم شلة من المهرجين يستخفون بمدرستهم سهير البابلي والناظر حسن مصطفى، ولكن كانت النهاية الكثير من الاحترام لمدرسة ظلت صابرة بتحدٍ هائل لخلق شخصيات سوية من هؤلاء الطلبة الضائعين.
وقال النقاد وقتذاك حين عرض المسرحية وعدد من علماء الاجتماع والمثقفين بأن المسرحية بسبب سخريتها من رموز السلطة وقتذاك ممثلين في ناظر المدرسة «حسن مصطفى» والأب «نظيم شعراوي» والمدرس «عبدالله فرغلي وسهير البابلي» تمثل انعكاساً رمزياً لحدوث الفوضى في المجتمع وانحطاط القيم وأيضاً تدني مستوى الأدب العام.
ولكن المدافعين عن المسرحية من أمثال علي سالم وهو كاتب المسرحية، يقول بأن هذا العمل المسرحي انعكاس لفترة انهارت فيها العديد من القيم التقليدية الراسخة في المجتمع المصري والعربي انعكاساً لنكسة 1967، هي الفترة التي تغير فيها المجتمع وأطلق عليه علماء الاجتماع «فترة ما بعد النكسة».
وإذا كانت صورة ومضمون المعلم في السينما والدراما العربية تتأرجح بين الهزل والجد، ولكن في النهاية العديد من الأفلام والأعمال الفنية أرجعت للمعلم العربي هيبته. وقد تناول الفن التشكيلي المصري والعالمي المعلم في العديد من اللوحات، من أشهرها على المستوى المصري لوحة «المدرس» للفنان البهجوري، والتي نال عليها العديد من الجوائر.
ولوحة الفنان العالمي «جاكوب تانمان»، المرسومة بألوان الزيت بعنوان «عندما ينحني ظهر المعلم»، وهي لوحة تجسد التعب في هذه المهنة، فازت بالعديد من الجوائز العالمية.