مع إمعان الزمن الجميل الذي كان مفعماً بالعلاقات الإنسانيّة النبيلة، والخيّرة، والمُحبة، وطافحاً بالبساطة والتعاون والغيريّة والتكافل، بالابتعاد والغياب. ومع ازدياد سطوة الذراع التكنولوجيّة
على حياتنا، بدأت العزلة الباردة تتدفق إلى عقلنا وتفكيرنا وسلوكنا اليومي، جاعلةً منا جزراً منعزلة.أما في البلاد المتطورة، فقد انهار هذا الحصن منذ عقود طويلة، بدليل أن العائلة الصغيرة هذه، لا تجتمع ويلتم شملها، سوى في أعياد الميلاد. ويبدو أننا أصبحنا اليوم على الدرب إياه!
من أجل هذا، وكلما استرد أحدنا (نحن أبناء الجيل الذي عاش جوانب من مرحلة الزمن الجميل) أنفاسه، وصفن وتأمل فيما آلت إليه الحالة الاجتماعيّة اليوم، وقارنها بتلك الذاهبة مع الزمن الجميل. أو حدث ما يُحرّض على العودة إلى تلك الأيام، كهطول الثلج، أو حدوث عواصف هوج، أو ملاحظة حالة من التكافل والتعاون والمحبة، قائمة بين الناس، لسبب أو لآخر، سرعان ما تنتعش الذاكرة، ويتوهج الإحساس، ويتوقد الشوق، وتهفو الروح إلى تلك الأيام الجميلة، فتحييها وتحيا هي من خلالها، هارةً عنها الصدأ، والتعود، وآثار الحروب المتواصلة على جبهة العيش، والاستمرار في الحياة.
صور مُشتهاة
في هذه الأيام القائظة، ألحت على ذاكرتي صور الشتاء القارس الذي كان يزور بلدتنا (مصياف) خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ووسائل التدفئة البسيطة التي كانت تُستعمل آنذاك، لمجابهة الجنرال ثلج وتداعياته من الجليد والبرد والطقوس التي كانت ترافق عشايا وأماسي ذلك الزمن الجميل الهارب.
في تلك الأيام، كان الحصول على الدفء في الشتاء الريفي الجردي، شاقاً ومُزنراً بالتعب والجهد ويحتاج إلى إجراءات عديدة. فمع أول موجة للبرد القارس، تترمد العشايا، وترحل أسراب الطيور الصيفيّة والخريفيّة، إلى الجانب الدافئ من العالم، لتحل محلها طيور الشتاء والبرد و(الكنكنة) في البيوت الطينيّة المقرورة أياماً وشهوراً، تنتهي مع اكتناز المروج والحقول والشجر وأسطحة البيوت وجدرانها، بألوان الربيع وأزهاره البريّة التي كانت تنبت في كل مكان تطاله الأمطار، ويحمل ريحةً من التراب!
أذكر جيداً، أنه مع قدوم أولى موجات البرد القارس المعلنة عن قدوم (الشتويّة) ورحيل الخريف وشهوره الخرس، كانت تُجهز النسوة في بلدتنا، كوانين ومواقد من تراب جنزاري اللون يدعى (تراب سم الموت) والأحرى أن يدعى (تراب سم النار) لقدرته العجيبة على تحمل النار ومقاومتها طوال فصل الشتاء.
كان البرد المعترف به من قبل رجال الجرود العالية المتوجة بالحراج المتنوعة الأشجار والدغلات (السنديان، البطم، العرعر، القطلب) هو ذاك الذي تحمله معها الرياح الشرقيّة في كانون الثاني، والذي يعني بدء مرحلة (الكنكنة) الشتويّة في البيوت، فهذا كانون، وعلى الإنسان أن (يكنّ) في بيته إن لم يكن مجنوناً!
رغم بساطة الكوانين والمواقد الطينيّة، وحصر مهامها باحتضان النار، إلا أن النسوة كنّ يتبارين في زخرفتها وإخراجها بالشكل اللائق، فهي سترافق العائلة طوال أيام الشتاء، وكانت هذه المواقد والكوانين على نوعين. الأول على شكل دائرة تتوسط الغرفة الرئيسة في البيت، وتُثبت بأرضها، والثاني متعدد القياسات والأشكال ومتحرك، يمكن نقله من مكان إلى آخر في البيت، بوساطة أذنين ينفران من جانبيه.
شتاء وحكايا
ولأن التدفئة بالمواقد والكوانين الطينيّة، لم تكن منتظمة ومستمرة طوال الليل الشتوي الجهم، كان لا بد لناس تلك الأيام، من التلهي عنه وعن الضجر، بالحكايا وأخبار المواسم القادمة مع المطر والبرد والعواصف. ففي مثل تلك الليالي الشتويّة القارسة البرد، ومع وحاويح الصغار، وتوقدات أذهانهم وخيالاتهم الطفلة، وضجر الكبار، من (الكنكنة) الطويلة، وابتعادهم القسري عن حقولهم وكرومهم، كان لا بد لهم من التلهي وتحريك رتابة الساعات بالحكايا، حيث لم تكن هناك أي وسيلة أخرى لذلك.
من خلال هذه الحكايا، تعرفنا ونحن صغار، إلى عنترة وعبلة والزير سالم وأبوزيد الهلالي ودياب بن غانم والأمير حسن وعياض والأميرة وضحى وسيف بن ذي يزن.. وغيرهم من فوارس العرب ومليحاتهم.تعرفنا إليهم، عبر حكايا الجدات والضليعين من الرواة. فما ان تبدأ السهرة الشتويّة المقرورة، ويتجمع الأهل والجيران، في بيت واحد منهم، وتُزود النسوة المواقد والكوانين بالحطب الجردي العطري الرائحة، حتى يتحلق الجميع حول النار، منتظرين الأطعمة البسيطة والشهيّة التي كانت ترافق مثل هذه السهرات، وهي عادةً من خيرات الأرض وغلالها كالتين المجفف، بأكثر من طريقة ووسيلة وأسلوب، والدبس، والجوز، والزبيب. إضافة إلى أطعمة كانت تُحضر في حينها، مباشرةً فوق النار وفيها، كالبوشار، والكستناء، وثمر البلوط الحلو (الدّوام) والبطاطا الحلوة، والشوندر، وغزل البنات، وتحميص البطم والفستق ... الخ. بعدها تأتي الحكايا التي لا تزال منقوشة في أذهان الذين عاشوا تلك الأيام، ولا زالوا على قيد الحياة. وهي حكايا كانت تشكل قناعات مطلقة لدى الكبار، وأخذت طريقها إلى أذهان الصغار، بهذا الشكل أو ذاك.
في هذه الأجواء، تمتد الساعات الشتويّة، ويوغل السهر بين رائحة الحطب المشتعل والأطعمة البسيطة، وبين صور فوارس الأمس وحسانه، هؤلاء الذين رافقوا طفولة ذلك الزمن، في الريف وفي المدينة، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من ذاكرتها. لذلك عندما جاء صندوق الدنيا أو (صندوق العجائب) ليُعرف الناس بالصورة والكلمة، على هؤلاء الأبطال والحسان، أنعش ذاكرتهم البصريّة وأسعدها لدى البعض، وأصابها بالإحباط لدى البعض الآخر، لعدم تطابق صورهم المرسومة في أذهانهم، بفعل القص الشفاهي، مع صور صندوق الدنيا، وفيما بعد، مع صور السينما والتلفاز، في الوقت الذي كان بعض الناس، يجدون تطابقاً كبيراً، بين الصور التي رسمتها خيالاتهم لأبطال الحكايا الشعبيّة وحسانها، وبين هيئات وملامح أشخاص يعيشون بينهم في الحياة الشعبيّة، وهؤلاء في الأصل، مفتونون بأبطال الحكايا والسير الشعبية، وعلى قناعة مطلقة بقدراتهم الفذة والخارقة التي تقدمها الحكايا، كما كانوا يجدون فيهم، تمثيلاً أميناً للقيم الشهمة والنبيلة والخيّرة، ما دفعهم لمحاولة تقمص أشكالهم وهيئاتهم وسلوكهم وقيمهم.
مخزون ثر
هذا العالم الإنساني البسيط والعجيب الذي انحسر أو يكاد، من حياتنا المعاصرة، بكل خيالاته وسذاجته وسحره المطهم بالغرابة والعذاب والجهد والسعادة الحقيقيّة: مخزون ثر، سرعان ما يتوهج كلما توفر ما يساعده على ذلك، لأنه شكّل جانباً من البنيّة الأساسيّة لذاكرة الناس البصريّة التي رغم تطور وسائل الاتصال البصري وإمكاناتها الهائلة، في تجسيد الحكاية نصاً وصورة وموسيقا وحركة، لم تقارب ما تحمله ذاكرة الناس، من صور مُتخيّلة، ترسخت في أذهانهم، عن طريق الرواة والحكواتيّة والآباء والأجداد، وبعضهم كان يملك قدرات مذهلة، على رسم هيئاتها وأفعالها شفاهياً، مشفوعاً ومدعوماً، بالحركة، وبتعبيرات قسمات الوجه.
والحقيقة، وبقدر ما كان تأثير هذه الصور المُتخيّلة يستمر ويتفاعل في خيالات الناس وذاكرتهم، رغم بساطة وسيلة نقلها إليهم، نجد اليوم أن الصورة المتحركة، المدعومة بمؤثرات صوتيّة، والمنقولة إلى الناس، بأحدث وسائل الاتصال البصري، أينما تواجدوا، تعجز عن ممارسة نفس الفعل والتأثير في الناس، إذ سرعان ما تتلاشى بمجرد توقف الجهاز الذي ينقلها عن العمل، دون أن تترك أثراً يُذكر، في ذاكرة الناس وأحاسيسهم.
الجاهز والمُتخيل
هذه الظاهرة المهمة، جديرة بالبحث والتوقف عندها مطولاً، لأنها المفتاح للدخول إلى حالة الكسل الذهني والتخيلي التي حملتها إلينا وسائط الاتصال البصريّة الحديثة، ونحن في عقر دارنا، وباتت تمارس علينا كسلاً جسدياً موازياً، من جراء مكوث الناس، فترات طويلة أمام شاشاتها التي لم تعد مقتصرة على السينما والتلفاز، وإنما تجاوزتها إلى الحاسوب ووسائط أخرى كثيرة منها: المحمول، والآي بود.. وغيرهما. لقد أصبحت الحكايا، والحدث، والمعلومة، والهيئة، تأتينا جاهزة وبكبسة زر، إلى بيوتنا، وأمكنة عملنا، ومطارح قضاء عطلنا، ووسائل تنقلنا، وتغادرنا بنفس السرعة، عكس ما فعلته بنا الحكاية الشفاهيّة المروية مباشرة من الرواة، أو بوساطة المذياع. فمن منا لا يذكر، وبكثير من التفاصيل واللهفة والتأثر، ما كان يأتينا عبر المذياع، من ألحان وأغانٍ، وأشعار وتمثيليات واسكتشات، قبل أن يزاحمه التلفاز والانترنت على هذا الدور.