التاكسي.. ناس ودنيا وحكايات تبدأ ولا تنتهي، عالم يسير على عجل، يشق الزحام غير مبالٍ بالصعاب، يعكس ثقافة المجتمعات، ويكشف أسراراً ويفضح المستور تحت خمار الليل.. صداقة سريعة بدون مقدمات بين سائق التاكسي وزبائنه، فما هي حكاية التاكسي في عواصم العالم؟
(فاضي يا اسطى؟) سؤال بعده تبدأ الثرثرة والحكايات يستمع إليها سائق التاكسي كاتم الأسرار، ولكن لا مانع من دخوله في حكاوي الناس، بها يتأثر، وعليها يعلق حتى يكتشف أنه في النهاية أصبح جزءاً منها، ربما تغير أحواله وربما أيضاً تزج به في أقسام الشرطة والمستشفيات، ومساعدة الزبون في الركوب والنزول من التاكسي، وربما أيضاً يشارك الزبون في تناول الوجبات الشعبية، الفول والطعمية.
أو الوجبات السريعة فترة الظهيرة، فيتقاسم الزبون «اللقمة» والحكاوي مع «السواق» الذي ينسى همومه وطموحاته الشخصية مجرد أن يخرج من بيته ويركب سيارة التاكسي الخاصة به وبعد أن يتمتم في همس «اصطبحنا وأصبح الملك لله»، «يا رب يسّر طريقنا.. وألهمنا الصبر وارزقنا برزق العيال» بعد الدعوات الصباحية وكأنها أوراد خاصة بسائق التاكسي يبدأ يلتقط الزبائن، يجوب المدينة شرقاً وغرباً مع كل لون وصنف ومستوى من الزبائن، يختلف زبائن النهار عن زبائن الليل.. عالم ودنيا وناس وزحمة.
وتنتهي حكاية كل راكب بمجرد وصوله للمكان الذي يقصده وتنتهي علاقته بسائق التاكسي بمجرد أن يقول له الزبون «على جنب يا أسطى».. هنا فقط تنتهي الحكاية، لتبدأ غيرها، وهكذا طوال الليل والنهار.
ففي القاهرة يجوب التاكسي الكحلي بالأبيض العريق المدينة وضواحيها، يبدأ «السواق» يومه بغسل سيارته والكشف على الزيت والبنزين والعجل، من زبائنه يتعلم الكثير على كل مستوى، معه يركب رجل الشارع الذي، لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، شكاويه من ارتفاع الأسعار ويتطرق «للعيشة واللي عايشنها»، يتكلم في السياسة وكأنه أحد أحزاب المعارضة، وينهي حديثه مع السائق «ربنا يصبرنا على ما ابتلانا»، ليرد السائق «نهارك فل إن شاء الله»!.
وآخر يركب ومعه حقيبة جلدية فاخرة، يرتدي أفخم الملابس، منه تفوح رائحة عطر فرنسي، «جامعة الدول العربية يا اسطى»، هنا يصمت السائق والراكب، ليشق الصمت صوت أم كلثوم في كاسيت السيارة «للصبر حدود»، أغنية من أغاني الست، يرمق السائق الزبون في المرآة بنظرة خاطفة، ولا يعلق لأنه لا يعرف لغة الرقي التي يعكسها شكل الزبون المشغول «باللاب توب» طوال الطريق، ولكنها حكاية مجتمع مخملي، تنتهي بنزول الزبون وتعليق السائق «اوعدنا يا رب».
بين الماضي والحاضر
وفي الزمن الجميل كانت تاكسيات القاهرة الكبرى لها مواقف معينة في الميادين (الدوار) الصغيرة التي تنتهي بها شوارع الأماكن الراقية كالزمالك وجاردن سيتي، وكان السائق يرتدي زياً موحداً، أزرق بالأبيض مثل لون التاكسي وكان يعمل بالعداد (الميتر) الذي يبدأ بستة قروش فقط، وكان يعرف الزبائن بالاسم فغالباً ما يركب معه نخبة المجتمع في حالة تعطل سياراتهم أو لأي ظرف آخر، وكانت وجهة «التوصيلة» مختلفة عن أيامنا هذه، «جروب سليمان باشا يا عم الأسطى»، «نادي الدبلوماسيين لو تكرمت يا اسطى» «وزارة الخارجية»، «هيلتون النيل»، «مدرسة فيكتوريا كولدج» أماكن النخبة..
ولغة حديث راقية، «ذهبت مع الريح» ومعها زمن لا يتكرر.. زمن مفرداته جمال وناسه لا يعرفون سوى خير الحديث ورغد العيش وفتح «بيوت الغلابة».. هكذا كان.. وهكذا تغير الزمن ودارت دورته، فاختلف الحديث وتغيرت لغته لتتكون مفردات هي في الحقيقة «لغة موازية» لجماليات العربية التي كانت.
حكاوينا مع التاكسي لا تنتهي، ففي القاهرة حالياً أنواع مختلفة وحديثة من التاكسيات، «ليموزين» يُؤجر باليوم وتبلغ تكلفته لأهل البلد ثلاثمئة جنيه لمدة ثماني ساعات خلالها يقضي الزبون كل مشاوريه، ربما في صمت أو في سياق أحاديث متفرقة متباعدة، يتخللها تناول وجبة سريعة على مستويات مختلفة يتقاسمها الزبون مع السائق الأنيق الذي يرتدي زياً رسمياً تفرضه عليه شركة الليموزين التابع لها، ويمنحه الراكب «بقشيشاً» مناسباً بعد دفع الثلاثمئة جنيه في نهاية المطاف، والذي غالباً ما ينتهي في ساقية الصاوي لمشاهدة مسرحية ثقافية أو باليه أوركسترا سيمفوني، هؤلاء هم زبائن الليموزين.
تاكسي «للسيدات فقط» يجوب شوارع القاهرة بلونه الزهري (البمبي) وغالباً يكون السائق سيدة، تدخل مع الراكبات في أحاديث تبدأ بالشكوى من الزحام والتعليم والسياسة وتنتهي بوضع المرأة في المجتمع، وتتطرق للصرعات الحديثة وألوان الشعر والإعلانات والأغاني الهابطة وتنتهي بجملة «ها يا ست الكل.. واشوفك على خير» فتركن السائقة لتركب زبونة أخرى ويبدأ حديث ربما يكون مختلفاً..
وهكذا تقضي السائقة يومها مع نساء من طبقات مختلفة من المجتمع المصري، من مختلف المستويات والأعمار، ثقافة الشباب لا بد وأن تمر بالتاكسي، فتقف السائقة لشابة بالجينز والشعر الإفريقي المجعد وهو آخر صرعة في عالم تصفيف الشعر معروف باسم «آفريكانو هير» هانبرياج بماركة عالمية على ظهر الشابة، تبدأ حديثها مع السائقة «انترنت كافيه» «عندك كاسيت أجنبي» حديث «روشنة» ولغة ومظهر جديد على مجتمع عريق!
التاكسي « المثقف»
«تاكسي المعرفة»، أحد مشاريع التاكسيات الجديدة في القاهرة، يجوب شوارعها في تجربة فريدة من نوعها في العالم، تتخذ من القراءة نوعاً من المتعة والإفادة للراكب بدلاً من الثرثرة المعهودة، ففي التاكسي مكتبة صغيرة معلقة على الكرسيين الأماميين من الخلف عبارة عن كيس بلاستيكي عملاق به كتب ثقافية يستفيد منها الراكب خاصة في طول المسافة التي يقضيها في التاكسي بسبب الازدحام أو طول الطريق، وهو مشروع قامت به إحدى الشركات الإعلامية في مصر لإعادة الكتاب للقارئ وزيادة المعرفة لدى المواطن المصري والسائح أو الزائر للبلاد، وهي خدمة مجانية تُقدم للراكب خاصة بعد ارتفاع أسعار الكتب في مصر.
وفي البداية آثار التاكسي «المثقف» هذا ومعه بعض الركاب وإعجاب آخرين، كما آثار العديد من التساؤلات حول جدواه ومدى استمراريته، ولكنه في النهاية تجربة مصرية رائدة.
وماذا عن التاكسي الطائر في القاهرة؟
أطلقته إحدى شركات الطيران الخاص بمصر، وهو عبارة عن طائرة مروحية من طراز «تربو»، الهدف منه التغلب وتجاوز الازدحام خاصة في أوقات الذروة والمواسم السياحية والمناسبات كشهر رمضان والأعياد، والتاكسي الطائر مزوّد بتكنولوجيا التشغيل الحديثة وخدمات وإمكانيات متطورة لخدمة الركاب.
«التاكسي الطائر»
ينطلق التاكسي الطائر من مطار القاهرة أو أي نقاط إقلاع مباشرة إلى العديد من النقاط البعيدة دون الحاجة إلى إعادة التزويد بالوقود، وأيضاً يتميز التاكسي الطائر في التنقل بين محافظات مصر بتكلفة الأوتوبيس السريع، وأيضاً مزوّد بالإسعافات الأولية وطبيب في حالة طلب هذه النوعية من الخدمة والتي تسعف السيدات للتوصيل لمستشفيات التوليد في حالة الضرورة القصوى لذلك.
أيضاً يستخدم هذا التاكسي في إخماد الحرائق في البنايات والأبراج السكنية المرتفعة.
«سير سيدا رفيج»، لغة بين العربية والأوردو، تتداول في منطقة الخليج يعرفها كل المقيمين على أرض الدولة في الإمارات ودول مجلس التعاون، وتُعتبر خدمات التاكسي في الإمارات متقدمة خاصة بعد سيطرة العديد من الشركات على هذه الخدمة التي يعمل بها سائقون هنود وباكستان، لا ثرثرة ولا كلام، سوى توجيه السائق (الرفيج) للمكان الذي يريد الراكب الذهاب إليه.
يرتدي سائقو التاكسي زياً موحداً «يونيفورم»، تجدهم ملتزمون بالأدب وعدم المراوغة في الأجرة، لأن التاكسي يعمل بنظام العداد.
تاكسيات النخبة من رواد الدرجة الأولى ورجال الأعمال على متن الطائرات، يصل إليهم في منازلهم تاكسي المطار التابع لخطوط طيران الإمارات، تاكسي باللون الأسود والنوافذ «الفوميه» على درجة عالية من الأناقة، مزوّد بهاتف، يقل ركاب الدرجتين الأولى ورجال الأعمال مجاناً من المطار للمنزل والعكس.
تاكسيات الغرب
في ألمانيا تسيطر على التاكسيات شركات خاصة، ترسل التاكسي المطلوب بمواصفات معينة حسب رغبة الراكب، ترسله إلى المنزل بعد أن يتصل الراكب برقم خاص بهذه الشركات غالباً لا يتكلم السائق ذو الملابس الأنيقة والقفازات البيضاء ــ لا يتكلم سوى الألمانية ــ وأحياناً الإنجليزية.
ولكن على الراكب أن يوضح هاتفياً للشركة وجهته بالتحديد وتقوم الشركة بتزويد السائق بهذه المعلومات، وبالتالي فالحوار فيما بين الراكب والسائق الألماني لا تعدو سوى التحية والشكر وتقديم النقود، وهو الحال في معظم الدول الأوروبية.
وفي كندا والولايات المتحدة تكون خدمة التاكسي أو «الكاب» مثلما يطلقون عليها هناك متطورة آمنة، مزوّدة بكاميرا ترصد سلوكيات السائق مع الراكب والعكس وذلك من خلال شبكة مراقبة في مراكز الشرطة المختلفة، أيضاً يوجد حاجز زجاجي بين الراكب والسائق لمزيد من الأمان.
تاكسيات الطوارئ سواء الطائرة منها أو الموجودة على الأرض خدمة رائعة في الغرب كله، فهي مزودة بالإسعافات الأولية وطبيب ممارس عام.
في الفن السابع للتاكسي مكانة فيه، ففي السينما المصرية كان للتاكسي دور هام في العديد من الأفلام أهمها فيلم «ليلة ساخنة» بطولة نور الشريف ولبلبة وسيد زيان وعزت أبوعوف وسلوى عثمان، من إنتاج عام 1996 ومن إخراج عاطف الطيب.
تدور أحداث الفيلم حول سائق تاكسي (نور الشريف) خلال ليلة رأس السنة في جمع مصاريف العلاج لوالدته، فيقابل أثناء عمله امرأة (لبلبة) تسعى للرزق لترميم منزلها، ولكن تنتهي بهما الأحداث بمقاومة جماعة إرهابية معهم مخدرات وحقيبة مملوءة بالنقود التي تصبح ـــ بعد الصراع ـــ من نصيب السائق والراكبة لتحل كل مشاكلهما.
وربما يعكس كل من الفن السابع والدراما أن للتاكسي وظائف كثيرة غير توصيل الزبائن مثل ما عكسه مسلسل رأفت الهجان من عمل بعض رجال المخابرات في مهنة التاكسي حفاظاً على سرية المهمة.وإذا كان التاكسي وسيلة مواصلات ضرورية ومهمة وآخذة في التطور، فهو من جانب آخر يعكس ثقافة وأحوال المجتمعات المختلفة مجسدة في راكب التاكسي من الزبائن من طبقات اجتماعية وثقافية متباينة، فهو دنيا وناس في حراك مستمر لا يهدأ أبداً.