جمال وأناقة ورقي الاختيار، في منازل النخبة وذوي الاذواق الناعمة، له حضور رقيق، بالألماس نُحت يدوياً، في المعارض وصالات المزادات العالمية جذب كل متذوق للعراقة والنعومة.. إنه الكريستال، أنقى أنواع الزجاج الشفاف ذي الرنين العالي الذي يعكس نقاءه المتفرد بين كل المنمنمات. ألوانه تغازل الطيف في رقتها، من باطن الأرض يستخرج بحرص حتى لاُ يخدش، ولا يتناثر، وربما من هنا بالإضافة لدقة مشغولاته، كان تميزه وارتفاع ثمنه بين كل منمنمات العالم.بالنسبة للمرأة يسيطر عليها بعد الذهب، فالكريستال هو حلم الثراء والفخامة والأبهة، لايوجد بيت عريق أو مقلد للعراقة والأرستقراطية التي كانت، إلاّ وكان للكريستال حضور جميل ورقيق فيه.
هو ثقافة الجمال، تقرأ من مزهريات بلون الزهور، منحوتة بأنامل رقيقة وسكين بحواف من الألماس، هو ثريا تملأ فراغ الشغف، تتدلى وكأنها مظلة تهمس برقي أصحاب المكان، هو المنمنمات والكؤوس والإكسسوارات التي تحيط بضيق الجميلات تحت أضواء المساء.
من مناجم المكسيك تبدأ حكاية الكريستال، في العمق السحيق من طبقات الأرض يتراكم على شكل ألواح عملاقة، يحرك فضول المكتشفين والباحثين عن ثروات في باطن الأرض تجمع بين التفرد والندرة والجمال..
في باطن الأرض داخل طبقات الصخور الرقيقة الناعمة ترقد ألواح الكريستال، بريقها أخاذ يضيء الأعماق وربما من هنا على المكتشفين أن يضعوا نظارات خاصة ومعهم سكين حادة رفيعة حافتها وشفرتها من الألماس الخالص، فلا يكسر الكريستال سوى الألماس، وكأنهما وجهان لثقافة الثراء.
غابات /كهوف الكريستال
المكسيك من أغنى دول العالم بكهوف الكريستال القابعة على أعماق سحيقة، موجودة تلك الكهوف في صحراء المكسيك وبالتحديد في منطقة تعرف باسم «شيهوان»، ويطلق عليها مجازاً من قبل المكتشفين «قصر الكريستال»، ويطل بريق الكريستال من عمق لا يقل عن ألف قدم تحت سطح الأرض، وعلى المغامرين المحنكين أن يرتدوا ملابس خاصة لحمايتهم من برودة الأعماق في هذه الكهوف، التي تم اكتشافها من قبل أخوين كانا يعملان في التنقيب عن الفضة في كهوف المكسيك، وفجأة ظهرت شعاعات الكريستال بجوار عروق الفضة المؤكسدة.
مع «الغاطسين» في باطن الأرض، يغامر العلماء ليأخذوا عينات الكريستال لأبحاثهم، أشهر هؤلاء العلماء دكتور «شتاين أريله» من جامعة «ربجين» في النرويج، والذي جذبته فكرة وجود الكريستال في باطن الأرض، وأوضحت أبحاثه بأنه تراكم بفعل عوامل البرودة والأملاح المعدنية ومواد أخرى على مدار مئات الأعوام قبل اكتشافه، ومن هنا تعتبر المكسيك، أول مصدر للكريستال، بعد بلجيكا التي تربعت على عرش بريقه وجمالياته عشرات السنين، ولكن الكريستال البلجيكي هو الأفضل لارتفاع نسبة نقائه.
وتوضح الأبحاث أن منطقة كهوف المكسيك، قبل تحولها لصحراء شاسعة، كانت في الأصل منطقة غابات كثيفة ومطيرة منذ ثلاثين ألف عام، ويرجع ذلك بوجود مسحته من النباتات على بعض ألواح الكريستال في العمق السحيق، هكذا أوضحت الباحثة د. مارسيا ماركيوري من فريق البحث والتنقيب عن الكريستال، ومازالت حكاية الكريستال وثقافة جمالياته تفرض حضورها البراق، فالكريستال هو أنقى أنواع الزجاج، وأكثرها صلابة رغم رقته، وهو يختلف عن الزجاج بأن له القدرة على عكس الضوء المسلط عليه، وللكريستال عدة أنواع، منها الشفاف الأبيض وهو من أجود الأنواع واشتهرت به بلجيكا وتنافسها في الشهرة حاليا المكسيك، وهناك الكريستال الملون الذي يعكس قرابة العشرين لوناً، أشهرها تدرجات الأزرق من السماوي حتى لون الكحلي الداكن والأرجواني، وجميعها ألوان طبيعية موجودة هكذا في باطن الأرض، ومن هنا يكون ارتفاع ثمنه، لأنها ألوان لا يؤثر فيها الزمن، ويعتبر الكريستال المشغول والمنحوت بالفضة وخيوط الذهب الأكثر ثمنا في العالم لأنه يحتوي هذين المعدنين، فيتجانس معهما أثناء النحت اليدوي عليه. وتعتبر عملية النحت والنقش اليدوي أهم مراحل إبداع الكريستال على الإطلاق، والقطعة الكريستالية الصغيرة في حجم 2 سم تأخذ ستة أيام من النحت عليها، مما يفسر سعره العالي، وثقافة اقتناء الكريستال، وخاصة الثريات التي يزيد بريقها عندما تضاء، ترجع إلى ثقافة زمن بأكمله كان للجمال فيه مكانه، وتقدير الجمال فيه رمز من رموز هذا الزمان الذي ولىّ وترك وراءه بعض مفراداته، ومنها الكريستال والذهب المنقوش والبساط اليدوي النادر المصنع من الحرير وجداريات «الجوبلان» الفرنسي يدوية الصنع.
والكريستال الموجود ضمن اطار الجماليات وثقافة الاقتناء يرجع تاريخه لمئات السنين، ففي مصر، مثلا لا يخلو منزل من منازل الطبقة الارستقراطية التي كانت، من ثريات كريستالين ومنمنمات ومجوهرات يدخل الكريستال فيها.
وتعتبر ثريات قصور الملك فاروق، خاصة في قصر رأس التين والمنتزه بالإسكندرية، أندر أنواع الكريستال في العالم على الإطلاق، ومازالت صالات المزادات العريقة بالإسكندرية وخاصة في شارع سعد زغلول والنبي دانيال، وهي مناطق للمزادات العريقة، فيها تباع أندر أنواع الكريستال في العالم، يحضرها خبراء من أنحاء العالم خاصة من وسط أوروبا التي مازالت ثقافة الجمال فيها عالية لم «تذهب مع الريح» بعد!
«سواروفسكي» هو اسم علامة بارزة في مجال ريادة المنمنمات الرقيقة المصنعة من الكريستال والمنحوتة يدوياً، والتي أنتجت اساساً في النمسا بواسطة دانيال سواروفسكي الذي ولد في 24 أكتوبر 1862 ـــ 23 يناير 1956 في البلاط الملكي النمساوي، وفي العام 1892 حصل على براءة اختراع آلة كهربائية دقيقة لقطع وشطف الكريستال.
ومجموعة كريستال سواروفسكي العالمية، والتي تعتبر من أشهر أنواع الكريستال، تضم نحت المنمنمات المتناهية في الصغر والمجوهرات والأزياء الراقية التي يدخل الكريستال في نسيجها أثناء الصناعة.
وكان شعار كريستال سواروفسكي «زهرة أديليوسي» والتي استبدلت في العام 1988 بشعار «البجعة».
حكايات وثقافات
وصناعة وحنت الكريستال نوع من الثقافة الراقية لبعض الشعوب، خاصة شعوب وسط أوروبا المنتجة له، والتي بدأت أخيراً استيراد بعض منه من المكسيك، ومن أجل خلق الكريستال وابداعاته وخاصة الكريستال الذي ينكسر عليه شعاع الضوء في طيف قوس قزح، غطت سواروفسكي ـــ الشركة العملاقة ــ بعض من بلورات الكريستال بتلبيسات معدنية معالجة كيميائياً.وللكريستال حكايات في ثقافات الشعوب الأوروبية الخاصة، فتاريخه يدرس ضمن مناهج التعليم الأوروبي وخاصة ألمانيا وبلجيكا، ويعتبر فيلم «طيف الأوبرا» من مظاهر ثقافة الكريستال والراعي للفيلم شركة سواروفسكي، حيث ظهرت فيه إبداعات سواروفسكي ومنها نجمة تتصدر شجرة عيد الميلاد (الكريسماس) قطرها 9 اقدام، وهي تعرض حاليا في مركز «روكفلر» في مدينة نيويورك منذ العام 2004.ولا يقتصر الكريستال وثقافة اقتنائه عند حدود وجوده في منازل النخبة الارستقراطية، وإنما هو أيضا له حضور رائع في عالم الفن والشعر والتشكيل، ففي مجال المسرح كان للكريستال حضور يخطف العقل والنفس من خلال مسرحية «مملكة الكريستال» اعداد الفنان حيدر أبو حيدر، وفكرة النص مستوحاة من نص شعر بعنوان «عبدينيل» للشاعر موفق محمد، والمسرحية من اخراج الفنان سلام الصكر والمسرحية قدمتها فرقة بابل العراقية وهي من روافد فن المسرح العراقي الرفيع والأصيل، الذي مازال حتى الآن يلعب دوراً وطنياً على الثقافة المستندة على قيم النبل والسلام بتناغمها مع ما هو مشرق في الفكر الإنساني الذي ينتصر للحب والسلام والحياة للإنسان.
..في الفن السابع
وفي السينما، يعتبر فيلم «كريستال» بطولة شريهان وهشام سليم وعلا رامي وعبدالمنعم مدبلولي وصلاح قابيل، واخراج عادل عوض وانتاج هاني جرجس، من كلاسيكيات السينما المصرية، فهو رمز لمفهوم الحب النقي في نقاء الكريستال، وهي فكرة تجريدية اشتهر بها أيضاً العديد من الشعراء العرب، من أمثال صلاح جاهين وفاروق جويدة، ونزار قباني الذي يشبه المرأة في أشعاره بأنها قطعة كريستال ناعمة، والعلاج بالكريستال، له تاريخ طويل في مجال العلاجات القديمة التي يعود للحضارات القديمة، مثل الفراعنة الذين كانوا يستخدمون الزجاج النقي في الجراحة والعلاج بمسحوق الكريستال للبشرة المرنصية بأمراض جلدية مثل الصدفية.
وفي الحضارة الصينية يستخدم الكريستال في علاج تحفيز الطاقة الإنسانية التي تكمن مراكزها في راحة اليد والتي يعرف أسرارها الصينيون والفراعنة. أما الطب الحديث، فيعالج بمسحوق الكريستال بعض الخلايا السرطانية، ولكن هذا العلاج مازال يستخدم في حدود ضيقة، وسوف يعمم في أواخر 2010 وهو أمل لمرضى سرطان الجهاز الليمفاوي بصفة خاصة.ويدخل مسحوق الكريستال في العديد من مواد التجميل والكريمات، التي تنتمي للماركات العالمية الكبرى، وربما من هنا كان الارتفاع المبالغ فيه في سعرها، لأن للكريستال، فاعلية عالية في الحفاظ على خلايا البشرة شابة وحيوية ويؤخر عمر شيخوخة البشرة وظهور التجاعيد.وربما لكل هذه المحاور معاً يكوّن الكريستال ثقافة وجماليات الشعوب فضلاً عن تقدمها العلمي والبحثي والجيولوجي.