نشأنا جميعا، على اختلاف مستوياتنا، في بيوت تحب القراءة وتحترمها وتحث عليها، فتلبي ذلك الشغف، بتوفير مكتبة داخل المنزل أو بالمساعدة في شراء الكتب أو حتى بالتشجيع على الاشتراك في المكتبات العامة. لكن واقع الحال يشعرنا أن هذا فعليا أصبح مجرد ذكرى.

 وأن ما كان يسمى بــ «مكتبة العائلة» أمر اندثر من بيوتنا ومن حياتنا لصالح الكمبيوتر والإنترنت. والسؤال الملح هنا هل أن هاتين الوسيلتين التكنولوجيتين تغنيان حقا؟ وأيضا هل لاتزال الأسرة تهتم ببناء شخصية وثقافة وتوجهات الأبناء، أم أن البحث عن المادة أسقط كل هذه النقاط من الاهتمام؟

 

 

ترى نهى محمد (ربة منزل)، في إجابتها عن مختلف حيثيات تلك النقاط، أنه لا بد من الاعتناء بوجود المكتبة المنزلية، لافتة إلى أنها شخصيا تهتم بوجود الكتب في المنزل أو تشجع أبنائها على القراءة وشراء الكتب، وأضافت مستدركة:

«.. طبعا الكتب غالية والأفضل أن نشتري بثمنها الطعام أو مستلزمات المدارس». وحول مفردة وقاعدة الثقافة وبناء الشخصية وأفضل الأساليب للحصول عليها في ظل عدم شراء الكتب لغلائها قالت نهى: «يتضمن التليفزيون مئات القنوات عن كل شيء. وهذه ثقافة ومجانية».

 

يكرهون القراءة

عبير الدمياطي (أم لثلاثة أبناء) قالت في هذا الخصوص: «نشأت بالفعل، على حب القراءة والاطلاع. وحاولت تنمية هذا الاتجاه لدى أبنائي بشراء الكتب لهم، ولم أفلح، فشجعتهم على شراء كتب هم يختارونها بأنفسهم. فلم ألق أي تجاوب منهم وعندما بحثت الموضوع معهم كان ردهم أن الكتب المدرسية جعلتهم يكرهون القراءة.

وأن كم الدراسة الكبير في الشتاء يجعلهم يبتعدون عن أي نشاط ثقافي في الصيف طمعا في الراحة والاستجمام». وأضافت: «وجدت أيضا أن هناك أسلوبا جديدا فرض نفسه على كل تعاملات أبنائي نتيجة لطول المناهج الدراسية.

وهو التلخيص. فأي موضوع يريدون تفادي قراءته يبحثون عن ملخص في نقاط سريعة عنه، وهو ما يلغي متعة التذوق اللغوي والاستمتاع بالأسلوب الأدبي، أما الشعر، فعلى حد قولهم، أن كل ما درسوه من شعر يجعلهم يكرهون كل ما يمت للكلمة بصلة، وللأسف وجدت أن هذه ليست آراء أبنائي وحدهم ولكنها توجه عام لكل من في مثل أعمارهم، والتمست لهم العذر حين قرأت إحدى القصائد المقررة عليهم، فقد انتقوا لهم نماذج صعبة وكلمات غير مفهومة».

 

مكتبة مصغرة

ومن جهته، أكد أحمد عاطف (أب لطفلين صغيرين)، حول هذا الموضوع، أنه رغم اعتياده على القراءة وحرصه على عمل مكتبة مصغرة في منزله، إلا أنه يرى أن الإنترنت يغني عن الكتب؛ لذا فقد وجه أبناءه الصغار منذ نعومة أظافرهم لاستخدام الإنترنت في البحث عن المعلومات، فهو يرى أن هذا ما يواكب العصر، خاصة أن الكتب أصبحت غالية ومكلفة على ميزانية الأسرة، وتحديدا كتب الأطفال ذات الطباعة الجيدة، حيث أن أسعارها لا تصدق.

 

جهاز تكييف بثمن الكتب

يوجد لدى يسرية حسين (ربة منزل)،مشكلة من نوع مختلف، فزوجها مولع بالكتب وهو ما يكلفه مبالغ مالية طائلة، وهي ترى أن الأبناء لا يستفيدون من هذه الكتب؛ لأنها ليست سهلة أو بسيطة المحتوى، وليست في مجال اهتماماتهم، كما أن زوجها نفسه لا يجد الوقت الكافي لقراءتها؛ لذا فالعملية برأيها، إهدار للمال. وتشير في هذا الصدد إلى أنها كانت تتمنى أن يشتري زوجها لها، جهاز تكييف بثمن هذه الكتب.

وفي مقابل تلك الآراء، تلفت ابتسام محمود (طبيبة)، إلى إنها تحرص على زيارة معرض الكتاب في كل عام. وتدخر له مسبقا، وقبل عدة أشهر، وذلك حتى تستطيع شراء أكبر قدر من الكتب، وتقول إنها تصطحب ابنتها معها لتعودها على اختيار الكتب والقراءة، وبالفعل أصبحت ابنتها ذات الخمسة عشر عاما مهتمة بالقراءة، وإن كانت مبتعدة عن المجالات الأدبية ومتوجهة نحو الكتب المتعلقة بالكمبيوتر والعلوم.

وبدوره، يذكر المهندس أسامة عبد الجبار، انه انتقى مجموعة من المجلدات الدينية الفقهية الكبيرة التي كلفته عدة آلاف من الجنيهات، واشتراها بالتقسيط على فترة طويلة؛ ما يجعل ثمنها بسيطا، ولكنه على الرغم من ذلك فقد لاحظ انصراف الأبناء عن القراءة وتوجههم إلى الألعاب الإلكترونية واستخدام الإنترنت، وللأسف فهم يستخدمونه في ما لا يفيد، فقد وجد أنهم يظلون لساعات يتحادثون مع أصدقائهم فقط، أي أنهم لا يستفيدون من الإنترنت في معرفة أية معلومة.

تقسيط الكتب

ويؤكد أسامة محمد (مدير مبيعات في إحدى الشركات العاملة على بيع الكتب بالتقسيط)، أن بعض دور النشر لجأت إلى تقسيط الكتب، خاصة المجلدات الكبيرة وكتب التفسير المتعددة الأجزاء والمجموعات الثقافية الكبيرة، وذلك كنوع من التنشيط في ظل وجود ركود حركة البيع المباشر لهذه الكتب لارتفاع أسعارها، فكثيرا ما يتعدى سعر المجموعة الألف جنيه.

وهو ما يعد عبئا كبيرا على ميزانية الأسرة. ولكن بنظام التقسيط يمكن شراء عدد كبير من الكتب ودفع قسط شهري في متوسط ‬50 إلى ‬100 جنيه؛ ما ساهم في تيسير وتشجيع اقتناء الكتب وعمل المكتبات المنزلية، ولكن الملاحظ أن الشباب أقل اهتماما بالقراءة، وأن الأكبر سنا هم الفئة الرئيسية التي تفضل شراء الكتب. ويقول المهندس هشام هاني (استشاري نظم معلومات وكمبيوتر) بشان هذه المسالة:

«لا شك أن انتشار الإنترنت أثر سلبا على اقتناء الكتب؛ لأن المعلومات كلها أصبحت متاحة على الإنترنت مجانا وبضغطة زر، ولكن المشكلة أن هناك عادات وأساليب اختلفت، فالإنترنت فرض الإيجاز والسرعة وفتح أفاقًا جديدة للمعرفة. ويبقى على الأهل دورهم في توجيه الأبناء إلى استخدام الإنترنت بإيجابية، أي في المعرفة وليس فقط في اللعب والمحادثة، وكذلك توعية ومراقبة الأبناء.