شكل البحث عن الذهب حلما جميلا ومؤرقا في الوقت نفسه، طالما راود الكثيرين، أغنياء كانوا أم فقراء. كما استقرت قصص البحث عن الكنز كهاجس ملحّ وكبير لدى الناس في حقبة زمنية ليست ببعيدة، فحزموا الأمتعة وشدوا الرحال إلى جزر بعيدة أطلقوا عليها « جزر الكنز». وهي مثلت فعليا الجزر الخيالية التي دارت حولها أحاديث الليالي الغابرة في زمن كانت فيه للأشياء قيمتها الحقيقية وألقها ووهجها، فكم من مدن باتت محط الأنظار بسبب ما تحويه من كنوز. وكم من الجزر والبلدان تركز الذهب كسبب رئيسي وراء الهجرة إليها، وذلك مثل الكولورادو.
أصبحت حمى الذهب تسيطر على العقول منذ سنوات طويلة. ونحن نجد، حتى يومنا هذا، الكثيرين يجدون في البحث عن مخابئ ذهب يشاع عن وجودها هنا وهناك.
خصائص الذهب كعنصر كيميائي
خصائص الذهب كثيرة ومتنوعة تميزه عن غيره من المعادن، حيث يمتاز بخصائص فيزيائية وكيميائية فريدة جعلت منه معدنا قيما وأساسيا لمختلف الاستخدامات اليومية، فهو معدن يحافظ على خصائصه النوعية، ويتميز باصفرار ولمعان لونه، لا يتلف ولا يتأثر بالحرارة أو البرودة ويتميز بليونته وقابليته للسحب والتشكيل. ويعتبر الذهب من أكثر المعادن الموصلة للتيار الكهربائي، فهو يستخدم في الأجهزة الكهربائية الدقيقة. ويتواجد الذهب في الطبيعة على هيئة حبيبات داخل الصخور، وفي قيعان الأنهار أو على شكل عروق في باطن الأرض، وغالبا ما يوجد الذهب مع معادن أخرى، كالنحاس والرصاص.
لقد كان هاجس العلماء عبر العصور، هو تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، ما مهد إلى ظهور علم جديد وهو الخيمياء. وقد بلغ هذا العلم أوجه على يد العالم العربي الشهير جابر بن حيان. وأما اليوم فقد صارت أسطورة الخيمياء حقيقة بعد أن استطاع العلماء تحويل بعض الذرات إلى ذهب، عن طريق صدم هذه العناصر بالنيترونات أو بأنوية ذرات أخرى، أو في المفاعلات النووية. ولكن مازالت هذه الطريقة باهظة الثمن.
لمحة عن تاريخ الذهب
اهتم العلماء اهتماما كبيرا بهذا الفلز نظرا لقيمته الفريدة، حيث يعود تاريخه إلى عهد السومريين في عام 3000 قبل الميلاد، إذ اكتشف علماء الآثار تحفا ذهبية ومجوهرات في القبر الملكي في أور جنوب العراق.
وقد استخدم الذهب في عصر الفراعنة لتمثيل الشمس بسبب بريقه ولونه فكان هو الهدية الأكثر شيوعا التي تقدم إلى إله الشمس الذي اتخذه المصريون القدماء كأعلى الآلهة، واستخدم أيضا كقوالب لتوابيت الملوك. وكانوا يصنعون منه أواني وملاعق يأكلون ويشربون فيها. وعلاوة على ذلك استخدم الذهب في العلاج فقد استخدمته المرأة المصرية لوجهها للتدليك ولإعطاء البشرة نضارة وشبابا. فافتتنوا بهذا المعدن، وأمروا بدفنهم مع مجوهراتهم الذهبية، حيث كان ينظر إليه بأنه معدن لا غنى عنه في الحياة الأخرى.
بين الفن والأساطير
يعتبر الفن شكلا من أشكال التعبير الإنساني عن خلجات النفس البشرية وكل ما يدور حولها، فالطبيعة بعطائها اللامحدود، قدمت لنا كل ما هو جميل ويصلح لأن يكون مادة يستخدمها الشعراء ويتغنون بها. كما هناك الذهب الذي ارتبط على مر العصور بالجمال واللمعان وبقيمة الأشياء وغلائها، فما أكثر الأغنيات التي تغنت بالذهب وربطته بالحبيب، وقد غنت فيروز: «غالي الذهب غالي». وما أكثر الروايات التي تحدثت عن الكنوز والبحث عن الذهب، مثل رواية «جزيرة الكنز» لستيفنسون، ومسلسل «النسر الذهبي» الذي شاهدناه في طفولتنا على شاشات التلفزة، فارتبطت صورة الذهب ولمعانه بأحلامنا ورؤانا في مخيلات طفولتنا المبكرة. وقلما خلت روايات إزابيل الليندي من ذكر جزر الذهب وتوق أبطالها في الوصول إليها. وقد انطلق الرحالة الإيطالي الشهير، ومكتشف العالم الجديد كريستوف كولومبس، في رحلته إلى أراض مجهولة لايعرف عنها شيئا، بحثا عن الشهرة والثراء. وكانت رحلاته موفقة فعاد بالذهب الكثير. ولن ننسى بالطبع الرواية العالمية الشهيرة «الخيميائي» لباولو كويلو التي تحدثت عن راع أندلسي شاب مضى للبحث عن حلمه المتمثل بكنز مدفون قرب أهرامات مصر، إلى أن يلتقي برجل يعلمه «الخيمياء» ويحثه على المضي بحثا عن حلمه في العثور على الكنز .
وأما عن السينما، فما أكثرها الأفلام التي صبت في خانة البحث عن الكنوز، وأهمها كان ذلك الفيلم الرائع لشارلي شابلن بعنوان «البحث عن الذهب»، وهو من أعظم الأفلام السينمائية الصامتة التي يبلغ فيها شارلي شابلن قمة فنه السينمائي، لمعالجته لسيكولوجيا الباحثين عن الذهب، وتقع الأحداث في منطقة ألاسكا قبل أن تصبح ولاية أميركية، وذلك خلال فترة حمى الذهب، حيث توجه آلاف الحالمين إلى تلك المنطقة، سعيا وراء الثراء.
الذهب محرك الاقتصاد
لربما اختلفت أهمية الذهب كقيمة اقتصادية على مر العقود على الرغم من ثبات سعره عالميا. ففي بداية القرن الأخير اعتمدته أميركا قاعدة لعملتها وفي عام 1944 قامت الدول بالالتزام بغطاء ذهبي محدد لكل دولار، حتى ان السعر العالمي للذهب كان يؤثر على التداولات النقدية والبورصة. لكن سرعان ما ألغي الغطاء الذهبي في عام 1971، واستبدل بالدولار بعد الهيمنة الأميركية على العالم، وتمت صياغة النظام النقدي الحديث بهدف جلب الاستقرار للنظام النقدي العالمي، وتشجيع حركة التجارة، فصار الدولار الورقي عملة مرجعية لباقي العملات العالمية، لكن بعد الانهيار الاقتصادي العالمي الحديث، ووقوع الأزمة المالية العالمية التي شاهدنا تبعاتها مؤخرا، وهذا الصراع الاقتصادي العالمي أدى إلى تذبذب أسعار صرف العملات، كل هذه الأسباب جعلت الاقتصاد العالمي بأمس الحاجة إلى عودة هذا الملك الأصفر، إلى التربع على عرش الاقتصاد العالمي.
حرفة لم تشفع أصالتها لدى الزمن
إن صياغة الذهب فن عريق، وهو من أقدم الحرف في التاريخ، فقد برع المصريون القدماء في تشكيل الذهب ولحامه. وكانت مصر وبلاد ما بين النهرين، الموطن الأصلي لهذه الصناعة. كما أن صائغي الذهب في حضارة «الشافين» في بيرو، صنعوا الأواني والتحف الذهبية منذ عام 1200 قبل الميلاد، وقد بلغت هذه الحرفة قمة تطورها في عصر النهضة في إيطاليا . وهذه المهنة التي توارثها الناس أبا عن جد، بدأت تواجه عقبات جمة في دول كثيرة. وذلك كنتيجة طبيعية لحالة الركود الاقتصادي التي تعاني منها كافة الصناعات، وخصوصا بعد ارتفاع سعر الذهب. فها هي أسواق الإمارات تشهد انخفاضا في المبيعات، تراوح بين 50 ــ 70 ٪ حتى أنها كادت تخلو من الناس. وسوريا ليست أوفر حظا من الإمارات، فبالرغم من أن 70٪ من أعضاء مجلس الذهب العالمي هم من السوريين لكن سوريا فقدت 80 ٪ من العاملين في هذه المهنة أخيرا، وذلك بعد هبوط الطلب في السوق. هكذا باتت هذه المهنة لا تشهد انتعاشا إلا في المناسبات. وأما غير ذلك فتجد غالبا أن سوق الذهب يشهد ركودا خطيرا في حركة التداول. وبعد أن كان مهر العروس العربية يدفع بالذهب فلربما غدا نراه يدفع بالألماس، بعد أن قلب الذهب موازين القوى.