جلست الصغيرة، كعادتها دائماً، في ركن ملون طفولي داخل حجرتها، لتلعب بدميتها. ولكنها كل حين تذهب لحجرة جدتها لتلتقط بعضاً من حبات الشوكولاته السويسرية وحبات الكستناء (مارون غلاسيه) البلجيكية الرائعة داخل علبة مربعة عاجية محفورة يدوياً لتأخذ شكل الدانتيلا الناعمة، وقد شكلت هذه العلبة الأنيقة بؤرة فضول صغيرتنا التي خاطبت جدتها فجأة: «حلوة قوي العلبة دي». بدلالها المعهود تنتظر من جدتها أن تعطيها لها ضمن ألعابها في ركنها المفضل، ولكن يبدو أن الأمر تطور عندما قالت لها جدتها: «سأروي لك حكايتها.. حكاية العاج».
ببساطة مفرطة وبمعلوماتية صادقة بدأت الجدة تحكي وتروي وكأنها تحكي جزءاً من حياتها هي شخصياً، قالت: حبيبتي كنت أنا وجدك رحمة الله عليه قد انتقلنا لعاصمة إفريقية في منطقة ساحل العاج، حيث كان يعمل جدك في مركز دبلوماسي مرموق وقتذاك. ومرة ذهبنا مع وفد سياحي إلى مكان طبيعي رائع داخل سيارة مجهزة وآمنة ومعنا أناس أفارقة شرعوا يقصون علينا قصة العاج وحروبه، في أسى وحزن بالغين.
برغم تبسيط الحكاية، حكاية مجموعات الفيلة في إفريقيا، وخاصة في كينيا وساحل العاج، تركت الصغيرة بالخفة ذاتها مكانها بجوار جدتها المستمرة في الحكي، ولكنها لم تكن تعلم بأنها تركت جدتها مع ذكريات زمان، ومنها ذكريات القارة السوداء التي يختلط فيها الجمال بالشجن والثراء بالفقر، والحب والعنف معاً، منظومة قارة كثرت فيها الثقوب، حسبما وصفها يوماً الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس بأنها «القارة السوداء ذات الثقوب في ثوبها الوقور».
طوال اليوم وحديث النفس مع الذكريات يلح على الجدة، فأكملت الحكاية.
ثروة
اشتهرت إفريقيا بثروة حيوانية برية، أهمها الأفيال ذات الأنياب العاجية الطويلة، التي تُعتبر أجود أنواع العاج في العالم كله على الإطلاق، ولأنه في أحيان كثيرة تتحول النعمة إلى نقمة، فإنه بسبب هذه الأنياب العاجية النادرة قامت حروب غير متكافئة بين صيادي الفيلة وبين هذا الحيوان العملاق الذي يسير في جماعات كبيرة تتصدرها الإناث، لحماية القطيع الكبير الذي ينتسب إليه صغار الفيلة التي تلقى حتفها بسبب الجفاف والمجاعة، وليس بسبب أنيابها العاجية التي لم تنبت بعد، ملحمة حربية بين الإنسان والحيوان من أجل الثراء.
يخرج المقاتلون الملثمون في شبه جيش متوسط العدد، يمتطون صهوة جيادهم بنية أو سوداء اللون مدربة على خوض الأماكن الوعرة في إفريقيا، يبدأ المقاتلون العارفون بطبائع وعادات الأفيال الإفريقية، يبدأون بهجوم بالأسهم السامة، عندما تتوجه جماعات الأفيال للماء لتشرب وتستحم، بعد أن تنثر على أجسادها ذات الجلد السميك المجعد الرمال والأتربة للتخلص من الحشرات اللاصقة على سطح جلدها عندما تستحم في الماء.
وتبدأ المعركة غير المتكافئة بين الصيادين وبين الأفيال المسالمة بفطرتها، والتي لا تحتاج من الدنيا سوى بقعة ظل ونهر وبعض من الأعشاب الخضراء تسد بها جوعها، وكانت صديقة للإنسان في كل مكان في العالم، بما في ذلك إفريقيا التي قست عليها بعد أن كانت الفيلة المتعاونة تنقل جذوع الأشجار العملاقة لماء النهر من أجل الاتجار بالأخشاب.
ولكن للإنسان قسوته أمام الثراء، هذا هو مفتاح القصيد، والدافع لقتل حيوان محب للحياة.
يبدأ الصيادون قذف السهام نحو المفاصل الكبيرة للحيوان، مثل مفصل الفخذ والركبتين والرقبة فيخر ساقطاً لأن حركته تُشل، يقع ونافورة من دمائه تغطي المكان وتكسو جلده المجعد السميك وخرطومه الذي لا يزال يتحرك شمالاً ويميناً حركة بطيئة، وكأنها التقطت بطريقة التصوير البطيء، وآذانه المروحية العملاقة تنكمش لتلتصق بوجهه المستطيل، وتذبل عيونه الضيقة التي يشوبها حزن يضاهي حزن الإنسان، ولكن في صمت وانكسار، فالمعركة غير متكافئة، تكتيكها الهجوم المفاجئ الذي يشل حركة الأفيال في دقائق في مشهد درامي فظيع.
ولا يكتفي الصيادون بتصويب السهام السامة للفيلة، بل يشرعون بتصويب الرصاص إليها، بدءاً بالعيون ثم الدماغ، ثم إحداث ثقوب بالرصاص على امتداد الجسد العملاق الذي سقط على الأرض بغتة وخلسة ومراوغة، هنا فقط يتأكد الصيادون ان الفيل وكل قطيعه ودّع الحياة، لا شيء إلا من أجل ثراء الإنسان، إنها ملحمة تقشعر لها الأبدان بالفعل.
ولكن في أحيان كثيرة يصوب الصيادون بنادقهم وسهامهم صوب الحراس من بعد لأن المكان مؤمن بطرق عالية التقنية، وبرغم ذلك يمكن نشوب معركة بين الحراس والصيادين، أحياناً يلقى خلالها أحد الحراس حتفه، وهذا نادراً ما يحدث.
وفي منطقة الجفاف وندرة المياه، تبحث الفيلة التي تسير في مجموعات كبيرة تكون الفيلة هدفاً سهلاً للغاية لأنها تكون منهكة من دون طعام وماء فيسهل صيدها، ومقابل ذلك وضعت المناطق المكشوفة في السهول والصحاري تحت غطاء من طائرات هليوكوبتر (مروحيات) مجهزة وبها جنود من بلاد كثيرة من العالم وفقاً لمعاهدات حماية مثل هذه المناطق جنباً إلى جنب مع جهود الحكومات الإفريقية، وذلك فقط للحفاظ على الثروات الوطنية في القارة السوداء، ومنها أنياب العاج وريش النعام وجلود الفهود والنمور التي ترتديها عارضات الأزياء بكل بساطة ولا مبالاة عن أصل هذه الأزياء التابعة لكبريات بيوت الأزياء العالمية التي تغلف العالم كله وتلهث وراءها النساء في كل صوب.
وتظل لغة الصراع بين الصيادين غير الشرعيين والحراس الدوليين والمحليين الذين لم يكتفوا بالتحليق بساتر من المروحيات الواقية والمؤمنة للمكان وإنما أيضاً تظهر الحراسة الأرضية التي تأخذ شكل خيم الكترونية صادة للرصاص، ولأن لغة المراوغة والقنص والتلصص هي لغة المكان، ولأن الثروة تكفل لمريديها كل الطرق للوصول إلى الهدف، يكون الصراع هنا بين الإنسان والإنسان من أجل بقاء حيوانات نادرة الخوف عليها من الانقراض بسبب القتل والجفاف وتصدر الإناث منها للصفوف الأولى للقطيع، فتقل الأجيال الجديدة من الأفيال وغيرها من حيوانات البراري.
وبرغم الحراسات المكثفة في مواقع وجود الأفيال، إلا أن قراصنة العاج لهم أيضاً خططهم التي تمكِّنهم من تحقيق حلمهم في الثراء بطرقهم المعتادة والمعروفة لهم عن كيفية الانفلات من التقنيات الحراسية حتى يصوبوا سهامهم وبنادقهم نحو الضحايا من الأفيال وأسراب النعام الإفريقي ذي الريش الطويل الأسود، الذي ينتقل في شكل مراوح وديكور في منازل النخبة على امتداد العالم.
المياه القاتلة
منابع المياه يصعب تلويثها، حتى لا تنفق الأفيال وغيرها من الحيوانات والإنسان في المقدمة، ولكنها إذا كانت تشكل مصدر الحياة إلا أنها من ناحية أخرى تشكل نهاية الحياة للأفيال العاشقة للمياه للشرب والاستحمام الذي يشكل قمة الانتعاش للأفيال المنهكة تحت الشمس ومساحات شاسعة من الجفاف وصحراء ممتدة في قسوة لا ترحم من تطأ قدمه عليها، بمجرد ظهور الأفيال عند مصبات المياه لا بد وأن يُصاب منها في حدود الستين فيلاً برصاص القناصة الذين لهم طرقهم في مقاومة كل أنواع الحراسة، فالأرض أرضهم يعفرون أسرارها ومخابئها والتعامل مع الصخور العملاقة وما بداخلها من دهاليز يصعب أن يصل إليها الساتر الواقي من المروحيات، فلكل مكان أسراره التي لا يبوح بها إلا لسكانه، حتى وإن كانوا من أعداء الحياة، فالقسوة ترضخ كل شيء تحت سطوتها وسيطرتها وشهوة الثراء الجشعة.ولكن من ناحية أخرى للمجتمع الدولي في مجال حماية البيئة والثروات الوطنية خطط إيجابية متجددة، قوات حراسة دولية بدأت تزيد من حضورها في تلك المناطق، ابتداء من العام 2002 وهو العام الذي شهد تراجعاً كبيراً وصلت نسبته إلى 27٪ من قبل الأفيال، والقضاء على الصيادين غير الشرعيين بعد حرب متبادلة فيما بينهم وبين الحراسة الدولية.
والحراسة الأكثر تشدداً تكون عند مصبات المسطحات المائية والتي من أهمها «تانجا»، وهو نهر صغير هو تجمع للفيلة والأوز البري وخال من التماسيح، ومن هنا بطريقة فطرية تذهب إليه الفيلة وبقية الحيوانات من أجل الارتواء.
ومن ضمن الحروب القاسية الضارية تسمم ماء النهيرات والينابيع الصغيرة بالزئبق من قبل الصيادين غير الشرعيين فتنفق كل الحيوانات والطيور وأحياناً البشر. ورداً على هذه الحرب الكيميائية تقوم قوات الحراسات الدولية بردم هذه المنافذ المائية، ووضع مزيد من الحراسة، ومؤخراً يتم اصطياد النمــــــور والفهـــــود الصغيرة لتربيتــها في الأسر ثم بيعها لكبريــــات حدائــق الحيوان العالمية بمبالغ باهظـــة. فيلجأ الصيادون إلى تصويب سهم من مادة مخدرة للأم الأنثى للفهد أو النمور والغزلان ثم سرقة أولادها الصغار في غفلة منها، وأحياناً كثيرة تنفق هذه الصغار بسبب بعدها عن أمها، قبل وصولها للأسر الذي ستتربى فيه. آثار جانبيـــة ذات مشاهد درامية تملأ المكان، فالخوف من الرصاص والقنص والعدو والحرب كل هذه المفردات العملية التي تخيم على المكان، تجعله يعج بهستيريا الخوف من قبل سكان المكان من الحيوانات الأخرى، كالقردة والظراف والغزلان التي تعدو مصوبة ساقيهـــا للريح، ولكن لا مفر من الإصابات، فأينما وجد الرصاص كان المـــوت لكل شيء، ولا يسمع في المكان سوى أنين حيوانات جريحة قد تعجــــز في المستقبــــل عن حمايـــة نفسهــــا، وآثار دــماء تتســـع رقعتهـــا وبقايـــــا أفيال قُطعت وجوهها وخراطيمها لنزع الأنيـــاب العاجية، نزعة شر تحاول القوات الحراسية الدولية التصدي لها، تنجح بنسبة 70٪ والباقـــي يأخـــذ شكل الفناء.
ستظل النهاية مفتوحة كأفلام الرعب والعنف، وستظل ذكريات الجدة متوهجة بداخلها، تتأرجح فيما بين الزمن الجميل ومشاهد من القارة ذات الثقوب في ثوبها الأسود.