لا بد لمن عاش العقود الأولى والمتوسطة من القرن العشرين، ويعيش العقد الحالي، من ملاحظة التغيرات الكبيرة التي حدثت على صعيد المناخ، فثمة تبدلات بيّنة عليه، حوّلت فصول السنة الأربعة، إلى فصل شبه واحد، بحيث لم يعد الإنسان يميز كثيراً، بين شتاء وصيف، ولا بين ربيع وخريف، إذ باتت الخضار والفواكه والنباتات المختلفة، تُستنبت في كل الفصول، وتحضر في كل الفصول، في حين كانت في السابق، لا تظهر ولا تحضر إلا في فصلها ووقتها، ما يجعلها مرغوبة ومطلوبة وذات نكهة، خلافاً لخضار وفاكهة هذه الأيام، الخالية من النكهة و«الطعمة»، فهي شكل جميل دون نكهة أو طعم، بسبب استنباتها ضمن ظروف مناخيّة مصطنعة (بيوت البلاستيك)، أو حفظها في البرادات وإنزالها إلى السوق في غير أيامها ومواسمها.

 

لم تعد النقلة بين الفصول حادة أو واضحة، بحيث لا يشعر المرء حالياً بالفروقات بين شتاء وصيف، ولا بين خريف وربيع، بسبب المناخ المعتدل السائد في كل الفصول، والمسيطر على جميعها، إذ تحول البرد القارس عن زيارته فصل الشتاء، وبات لا يتمثل ويتزين بملح الأرض الأبيض الساحر الذي يظهر في كانون الثاني أو شباط أو حتى آذار، بعد أن كان هداراً بالثلوج والأمطار التي كان لا يتمكن مع موسمها راعي القطعان، من الاهتداء إلى باب داره، على حد المثل الشعبي القائل: (آذار الهدار، فيه الصواعق والأمطار)، أو: (خبئ قرماتك الكبار لعمك آذار)، أي تمون بجذوع الأشجار الضخمة لبرد وصقيع شهر آذار. ولم يعد الإنسان «يكن» في كانون، من شدة برده (هذا كانون، كُن في بيتك يا مجنون) ... كل هذه الصور الحقيقيّة التي كانت تحملها الأيام والشهور والفصول، تلاشت وغابت، لتظهر صورة جديدة تشابه الأيام والشهور والفصول، إن على صعيد المناخ، أو الخضار والفواكه والأزاهير والنباتات التي صارت تُستنبت في كل الأوقات، أو تُخبأ لكل الأوقات، بوساطة البرادات، حيث لم تعد غلال الصيف تنقطع في الشتاء، ولا غلال الشتاء تغيب عن فصل الصيف، وهكذا هو الأمر مع غلال الخريف والربيع.

 

الزمن الجميل

بناءً على ما تقدم، ونتيجة لهذا التداخل غير الصحي ولا السليم، بين مناخات فصول السنة وغلالها، صار الناس الذين عاشوا جوانب من الأيام الخوالي، ويعيشون هذه الأيام، يطلقون على العقود الماضية (الزمن الجميل) والجمال هنا، لا يقتصر على الفروق التي كانت قائمة بين الفصول، واشتياقهم لغلالها التي ما كانت تظهر إلا في وقتها، أو مجففة بوساطة ضوء الشمس ولفح الريح، وإنما يطول نفوس الناس وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم، ومظاهر حياتهم كافة. إذ إن مصطلح (الزمن الجميل) ينسحب على كل شيء ظهر في تلك الأيام الراحلة التي كانت مفعمة بالأصالة والمحبة وروح التعاون والتكافل، والبساطة والطيبة، وبالرجال .. لا بأشباه الرجال!

 

الجنرال الأبيض

الثلج .. ملح الأرض والجنرال المسيطر (إذا ما حل)، على كل شيء في الأرض، هو: «ملمح من ملامح الزمن الجميل الذي كان دائم الزيارة لسوريّا والبلدان العربية، في شتاءات ذلك الزمن، أما اليوم، فزيارته نادرة، وإن فعلها، يأتي ضعيفاً منهكاً، فيهطل لساعات قليلة ويذوب في ساعات قليلة أيضاً، الأمر الذي يجعله مثل الفواكه والخضار البلاستيكيّة، بلا نكهة أو طعم، عكس زياراته في خمسينات وستينات ومطالع سبعينات القرن الماضي. يومها كان الشتاء شتاءً حقيقياً، وما إن يحط الرحال، حاملاً أمطاره وثلوجه وعواصفه الهوج وبرده القارس وجليده، حتى تتشبع الكائنات والبيوت والطبيعة والأشياء بالرطوبة المطرزة بقتامة كئيبة، فتسكن الليل والنهار في وقت واحد، وتبقى هذه الحالة مستمرة ومتواصلة، طوال أجندة الشتاء المسطرة في دفتر الفصول.

كانت الرطوبة الشتوية تتغلغل في ثياب الناس وأشيائهم لتصل إلى أرواحهم وعظامهم، وتستمر طيلة أيام الشتاء، لعدم قدرة ثياب تلك الأيام، ووسائل التدفئة لبسيطة والمحدودة القدرات يومها، على طردها أو الحد منها. والتدفئة هذه كانت تقوم على عنصر أساس هو (الحطب)، وغالبه كان رطباً هو الآخر، ومع ذلك سرعان ما يتقد بعد أن يطلق غيوماً من الدخان في أرجاء البيت، وكانت وسيلة التدفئة منتشرة في المناطق الجبليّة الغنية بالإحراج.

 

مدفأة العرايا

في تلك الأيام، كانت الشمس الشتويّة الحادة، وحدها القادرة على منح الإنسان الريفي شيئاً من الشعور بالدفء، في حال تمكنت من كشح الغيوم السوداء المدلهمة، وأطلت على الكون الرطب المقرور، فالشمس الشتويّة هذه، كما يقول المثل الشعبي، مدفأة العرايا. ولم تك أشعة الشمس، في تلك الأيام المقرورة، من شتويات الزمن الجميل، تدفئ الإنسان فحسب، بل وموجودات بيته من أشياء وحيوانات، حيث كانت جميعها تخرج لتعانق دفء الشمس القادم من نوافذ الغيوم المفتوحة على الأرض، علها تتخلص (ولو قليلاً) من سطوة الرطوبة المتغلغلة فيها. وكانت تتحول جدران وأسطح المنازل الجبليّة الريفيّة المشيدة من الحجارة الطبيعيّة والطين الممزوج بالتبن أو القش، إلى حدائق رافلة بكل أنواع العشب والأزاهير البريّة والنباتات، بفعل الأمطار الغزيرة والرطوبة الكثيفة، ومنها (البابونج) و(لباس القطة) و(شقائق النعمان). كما كانت أسطح هذه المنازل تتحول إلى مراعٍ خصبة (للسخالي والجدايا)، وهي أبناء الماعز التي كانت تربيته منتشرة بكثرة في المناطق الجبليّة الوعرة، لقدرتها على تحمل هذه الطبيعة، وتأقلمها معها. ولأن الماعز أصبحت من عوامل تدمير الثروة الحراجيّة في سوريا، صدرت قرارات بمنع تربيتها في تلك المناطق، ولا زالت.

 

حكايا ثلجيّة

لا تزال هذه الصور الساحرة، القاسية والجميلة، محفورة في أذهان من عاشوا في ذلك الزمن الجميل، ومكتوبة على جدران قلوبهم وذاكرتهم ووجدانهم، تواكبها صور وتفاصيل وحكايا عن الشتاء والثلج: ملح الأرض، وجنرال الطبيعة القوي، والأبيض الجميل، والعاشق النرجسي النزعة. فهو إذا هطل، سيطر على كل شيء في الطبيعة، بما في ذلك قلوب الناس وأرواحهم، مانحاً السعادة لعيونهم وقلوبهم وأطفالهم، ومشكلا البشارة والأمل بقدوم صيف مثقل بالمواسم الطيّبة والخيّرة. وقد كانت «كلما (أثلجت) أفرجت»، على حد تعبير الأمهات والآباء. وثمة طيور خاصة كانت ترافق موجات الثلج هذه، مثل: (الزرازير) و(أبو سعد)، وهو ما يُعرف أيضاً باسم (اللقلق) و(الطربيس) وهو طائر سمين يصعب اصطياده، ما جعل الرجال يتفننون بعملية قنصه .. وغيرها الكثير من الطيور التي اختفت، ولم تعد تزور البلاد، لا في الشتاء، ولا في الصيف، لأسباب عدة، أبرزها وأهمها الاعتداء الغاشم الذي يمارسه الإنسان على البيئة وموجوداتها وعناصرها.

إن هذه المتع الرائعة التي كانت ترافق زيارة الثلج للريف السوري الجميلٍ (لا سيما الجبلي منه) لا تزال بلدان عديدة من العالم تعيشها، وبشكل خاص في روسيا وأوروبا، إنما بنكهات مختلفة، حيث يقوم الثلج باستعمار بعض الدول لمدد طويلة، فتدوم إلى غالبية شهور السنة، لكن دون أن يرافقه سطوة للرطوبة أو قشعريرة للبرد القارس، أو انهمار شلالات النور من نوافذ الغيوم في السماء، عقب كل ثلجة، ذلك لأن انسداد السماء، قد يستمر أياما وأسابيع، وربما شهوراً، في تلك البلاد. ولكن أناس تلك البلاد تأقلموا مع هذه الحالة، وأعدوا لها العدة بتوفير الدفء الجيد، في البيت وفي وسائل النقل ومكان العمل والسهر. كما تحصنوا ضد الثلج، هذا الجنرال الطاغي بالثياب المناسبة، بدءاً من القدم وانتهاءً بالرأس، إضافة إلى أنواع لا تحصى من المشروبات المضادة للبرودة القارسة التي يحملها الجنرال ثلج معه، للإنسان والطبيعة في آنٍ معاً.