سحرها يغازل العالم كله، غموضها المحبب يحرك فضول القادمين إليها من كل صوب، إنها اليابان، بلاد المهرجانات الملونة بألوان الطبيعة، ومعاني الخصب والانتماء لتاريخ عريق يُقرأ من خلال المهرجانات السنوية التي تشق الطرقات والشوارع، وتنطلق عالية في السماء، ومن هنا أطلق على هذه المهرجانات المحلقة في العالي« المهرجانات المعلقة بين السماء والأرض».إنها بلاد الجيشا والشاي الأخضر والكيمونو و«الأكيبانا» فن ــ تنسيق الزهور ــ وبراعم الكرز وحقول الأرز، كل ذلك وأكثر تشكله اليابان في مهرجاناتها السنوية المقسمة لشهور، ففي كل شهر مهرجانات تخطف الأبصار.
في شهر يناير من كل عام تقام مهرجانات متنوعة، يقسم الشهر لأيام، ففي خلال الأيام الخمسة الأولى منه يطلق عليها أسم «شوجاتسو»، وهي احتفالية بعام مضى وقدوم عام جديد، تجوب الشوارع خلالها مهرجانات «براعم الكرز» التي تتفتح في الربيع وتجفف طوال العام، ويحتفل بها مع بداية الأيام الخمسة الأولى من شهر يناير، تظاهرة من اليابانيات اللاتي يحملن سلال الكرز الأحمر، وينثرنه في الطرقات والشوارع لتكتسي به كبساط ثمين، تصاحب مهرجان براعم الكرز الأحمر فرق موسيقية تجوب الطرقات وسط حشد كبير من أبناء الشعب الياباني والزوار لبلاد الجمال والأساطير، تعزف الفرق الموسيقية هذه الموسيقى اليابانية التراثية المعروفة باسم «جاجاكو» ولآلة تشبه الناي (فلوت) لها البطولة في هذه الموسيقى تعرف هذه الآلة باسم «يوكوبو»، مشهد هذا المهرجان كأنه جدارية يطل من خلالها التاريخ والواقع معاً، في إطار من الجمال والسحر الياباني، الذي يلوح للعالم كله بدعوة مفتوحة للحضور إليها.
في الوقت نفسه ترتفع في السماء «طيارات ورقية» ملونة، تأخذ أشكالاً متعددة، أهمها شكل الدمى والأسماك والزهور، يحركها اختصاصيون في هذا الفن، عن طريق خيوط حريرية، تصطف الحشود في هذه الاحتفالية الملونة، ويصفقون بإيقاع يعرف باسم «كانجاشو» يعتبره اليابانيون ايقاعاً يحفز على النشاط والهّمة. يتزامن مع مهرجان الكرز الأحمر والطيارات الورقية الملونة مهرجان آخر تميز إلى اليوم الخامس من شهر يناير، هو مهرجان شراء السهام اليابانية القديمة والمعروفة باسم «شينتو» اعتقاداً بأنها تجلب القوة، وتعيد التاريخ القديم الذي يقفز به كل ياباني، والطريف هنا أن الذاهبين لشراء السهام لابد وأن يرتدوا الملابس اليابانية التراثية، ويبدأ المهرجان في الشوارع والطرقات، حيث ترفع السيدات والصغار السهام للأعلى كنوع من التباهي بها، تصاحب هذا المهرجان موسيقى عسكرية تهز أوتار القلب من إيقاعها الحاد.
طعام واحتفال وموسيقى
يعتبر شهر يناير الذي يطلق عليه اليابانيون اسم «شهر الشهور»، لأنه يمثل بداية عام جديد، يعتبر هذا الشهر أكثر شهور العام في الاحتفالات المتعددة، التي تأخذ شكل المهرجانات في الشوارع والحدائق والمنازل أيضاً.
مهرجان العرائس (دول فستيفال) ويسمى باليابانية «هينا ماكسوري» وتعرض فيه أشكال للدمى القديمة في اليابان، التي كان تستخدم كمنمنمات جمالية تصنع من الخشب الملون، وترمز لتاريخ السيدات ودورهن في حضارة اليابان، عربات ملونة مكسوة بالزهور الملونة ترص عليها الدمى الخشبية، ويوزع مشروب الأرز المحلى، وهو مشروب شعبي في اليابان مع فطائر الأرز البيضاء، أيضاً يحتفل في المنازل بالمهرجان، ولابد أن يرتدي الصغار الكيمونو، ويرصون الدمى الخشبية الملونة وتبدأ الجدة أو الأم بسرد تاريخ اليابان بطريقة مبسطة للصغار، وهم يأكلون كعكة الأرز، مهرجان منزلي رائع يعكس حضارة شعب يطل على العالم بشموخ.ويخرج الكبار للطرقات حاملين الدمى الملونة في مهرجان كبير تصاحبه الفرق الموسيقية التي تعزف معزوفات تراثية وحديثة معاً.حكاية المهرجانات اليابانية ممتدة في جمال وتنسيق رائعين، فهناك مهرجان الخصب والنماء، هكذا يسمونه، ويرجع تاريخ هذا المهرجان لعام 300 قبل الميلاد، حيث كانت تخرج حشود من الفلاحين ومعهم محاصيلهم الزراعية في تظاهرة كبيرة، ينشدون فيها دعوات باستمرار الخصب وحفظ البلاد من الشر، واليوم تخرج حشود العاملين في مجال الزراعة، التي تستخدم فيها الميكنة الحديثة، يستعرضون مهاراتهم، في شكل مهرجان يجوب البلاد اليابانية جميعها في منتصف شهر يناير، شهر الشهور ويتسابقون في تنسيق المهرجان الأفضل الذي يحصد الجوائز، وفازت «كيوتو» في يناير الماضي بأفضل مهرجان للخصب والنماء.
وفي النصف الثاني من يناير للموسيقى اليابانية بكل أنواعها حضور راق تتحول شوارع المدن اليابانية إلى مسرح مفتوح يستمتع الحضور والسياح بالاستماع للنغم الياباني التقليدي القديم المصاحب لمسرح «النو» ويرجع تاريخ هذه الموسيقى التي تصاحب الفرق المسرحية إلى القرن الرابع عشر، حيث كان المسرح الياباني مزدهراً.
«موسيقى مسرح «النو»
يجوب الموسيقيون بها الشوارع تستمر يومين خلال النصف الثاني من شهر يناير الذي يتفاءل به اليابانيون، وهذه الموسيقى كانت تعزف للساموراي قديماً، ويشتمل مهرجان الموسيقى على الساموراي، وهم المحاربون القدامى، يقلدهم شباب اليوم، الذين يجوبون الطرقات على إيقاع الموسيقى.
مهرجانات ملونة تعكس حضارة شعب أدهش العالم بإطلالته وتاريخه ومهرجاناته، التي تعتبر ثاني أكبر وأفضل مهرجانات العالم بعد المهرجانات الصينية العملاقة.
نوع جديد من المهرجانات اليابانية يأخذ الشكل الثابت في أركان الشوارع والطرقات لتحويلها إلى مشاهد مسرحية مجانية، تعرض فيها مقاطع من المسرح الياباني القديم والحديث معاً في أشكال غاية في الدقة والحبكة؛ أيضاً يعرضون الرقصات اليابانية الكلاسيكية، والحضور من السياح والشعب الياباني لا يسعهما سوى متابعة هذه الجداريات اليابانية المتحركة في شكل مهرجانات سنوية تجوب الشوارع وأركانها في يناير شهر التفاؤل والجمال.
وللشاي الياباني الأخضر حضور قوي وجميل، يأخذ الصدارة في المهرجانات اليابانية، خلال النصف الثاني من شهر يناير، سيارات عملاقة مغطاة بأوراق الشاي الأخضر ذي النكهة المميزة التي يفضلها الشعب الياباني وداخل هذه السيارات التي تجوب الشوارع يابانيات يقدمن الشاي للحضور بقدر الإمكان على نغمات الموسيقى، ويمتلئ المكان بعبق ودخان الشاي الأخضر ويعرف مهرجان واحتفالية الشاي الأخضر الياباني باسم «شانويو» وهو نبتة متفردة في المذاق والعبق يرجع تاريخها لقبل الميلاد بمائتي عام تقريباً، ويعتبر الشاي الأخضر من المشروبات التي كانت تقدم قديماً للنبلاء في اليابان، ثم أصبح المشروب الياباني الشعبي، الذي يحتل المرتبة الأولى في تظاهرة المهرجانات اليابانية العالمية.
مهرجان العطور اليابانية المستخلصة من زهور النرجس والياسمين ونبتة الشاي الأخضر يجوب شوارع أوساكا؟ حيث تقوم اليابانيات خلال المهرجان بنثر العطور على حشود السياح والناس التي تملأ المكان.
وللأزياء اليابانية التقليدية مكانة كبيرة في المهرجانات اليابانية، التي يحتفل بها خلال شهر يناير بصفة خاصة، عروض أزياء مفتوحة تأخذ من الأرصفة منصة للعروض، تبدأ بعرض الكيمونو الياباني وتتدرج الملابس، وصولاً إلى الملابس الحديثة، التي أصبحت اليابان من الدول الرائدة في تصميمها وتصديرها، ومن أشهر المصممين اليابانيين «آشيرا ين» وكواكوبو راي» و«مياكي إيسي»، ولهم الفضل في الانتقال بين التصميمات اليابانية القديمة والصرعات العالمية الحديثة، ولكن بلمحة يابانية كلاسيكية.