جان رونوار أحد أكبر المخرجين السينمائيين في كل العصور . وإذا كانت سيرة حياته قد شكّلت موضوع العديد من الأعمال، فإن العمل الصادر قبل أسابيع قليلة، للكاتب والناقد الفرنسي باسكال ميريجو، ربما يكون من أكثرها اكتمالا، إذ أمضى مؤلفه ثمانية أعوام كاملة في إعداده، وزاد عدد صفحاته عن ال 1100 صفحة. نقّب مؤلف الكتاب.
كما يشير في المقدّمة، بأطنان من الوثائق، وفتح في جامعة كاليفورنيا الأميركية 113 علبة كرتون، تحوي كل منها على 50 ملفا. وقرأ آلاف الرسائل، وحاول من خلال ذلك كله، أن يضع أي حدث في سياقه. وكان هدفه الأكثر إلحاحا، رسم صورة، عامّة وخاصّة، لرجل متعدد الوجوه، ومتناقض وساحر وباعث للحيرة.
جان رونوار من مواليد باريس عام 1894، توفي في بيفرلي هيل في ولاية كاليفورنيا الأميركية عام 1979. وهو الابن الثاني للرسام الشهير اوغست رونوار، ومن ما يذكره باسكال ميريجو، أن الرسام ـ الأب، قال بلهجة غريبة يوم ولادة ابنه ما مفاده :" إنه لأمر مثير للضحك تماما..ولادة ابن يدعى جان".
بلغ جان رونوار ذروة شهرته خلال سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي،العشرين. ذلك قبل أن يفتح الباب أمام ما عُرف بـ "الموجة الجديدة" في السينما الفرنسية.
وهذه المراحل يعود إليها باسكال ميريجو بالتفصيل، في حديثه عن المحطات الأساسية في سيرة حياة جان رونوار. وهذا مع التمييز بين البدايات والفترة الواقعية والالتزام السياسي والمرحلة الأميركية وفترة الأفلام الأخيرة. ويشير بأشكال مختلفة، إلى أنه إذا كان رونوار قد نال إعجاب الجميع، فإن تقييم أعماله أثار الكثير من الجدل. كما أن المعجبين برونوار يؤيدون باستمرار كل ما يفعله، وهو المعروف بلقب "المعلّم".
ويبين المؤلف أنه انخرط جان رونوار في الجيش الفرنسي عام 1912، وشارك في الحرب العالمية الأولى وأصيب عام 1915 برصاصة، فعاش بعدها يعاني من العرج، طيلة حياته. وكان مهددا بقطع ساقه. ومن تجربته في تلك الحرب، كانت بعد ذلك رائعته السينمائية في فيلم "الوهم الكبير".
وأثناء وجوده في نقاهة في العاصمة باريس، برفقة والده، بعد وفاة والدته، عندما كان في المستشفى، بدأ ولعه بالسينما، إذ كان يمضي حياته في دور العرض لمشاهدة 25 فيلما أسبوعيا. وكان إعجابه كبيرا بشارلي شابلن شارلو على التحديد، كما يشير المؤلف. وفي عام 1916 عاد إلى جبهة القتال، لكن في سلاح الطيران تلك المرّة، إذ خدم في سرب للاستطلاع، ما تطلّب منه تعلّم التصوير. وهكذا كانت هناك علاقة وثيقة ما بين الحرب وبين عمل رونوار في ميدان السينما.
ويبين المؤلف أنه كانت بدايات جان رونوار في السينما مخيّبة للآمال بالنسبة له . وينقل المؤلف من رسالة بعثها إلى أخيه كلود عام 1925، أسفه الشديد للمرارات الكبرى التي تعرفها بداية عمله في السينما. وبعد الفشل الكبير الذي عرفه فيلمه "نانا"، لجأ رونوار إلى بيع لوحات أبيه الفنية مع احتفاظه بالإطارات. ومن ثم كان حفل الافتتاح بالنسبة لفيلم "الوهم الكبير" في يونيو عام 1937، ويصفه المؤلف بأنه "فيلم عن الحرب من دون حرب". إذ لقي نجاحا كبيرا كما رحّب فيه جميع النقاد الذين أشادوا بنبرته البسيطة والزاخرة بالرجولة. وأمام ذلك النجاح تحرّك رونوار في جميع الاتجاهات .
وينقل المؤلف عن كاتب سيناريو فيلم "الوهم الكبير" شارل سباك، تلخيصه لحالة التقلّب التي كان يعيشها بالجملة التالية:"لقد كان ـ رونوار ـ شيوعيا. وصادف فاشيا ينتعل حذاء جميلا. وبسبب حبّه للجلد الجميل، نسي أن الشيوعية والفاشية ليستا كلمتين مترادفتين".
ويؤكد المؤلف، اعتمادا على رسائل كتبها رونوار لمسؤولين في حكومة المارشال بيتان، التي تعاونت مع الألمان، أنه أعلن عن اعتزازه بعرض أحد مشروعاته على المارشال، وتحدّث عن أولئك غير المرغوب بهم، الذين يحتكرون أدوات الإنتاج.
ويشير المؤلف إلى أن رونوار حدد في لقاء معه، أنه يقصد بذلك " المنتجين الأجانب واليهود". ويكرّس المؤلف الكثير من الصفحات لوصف رحلة رونوار إلى الولايات المتحدة، حيث بدأت سنوات المنفى الأميركي التي كانت " مريحة ومخيّبة للآمال" بالوقت نفسه. ويؤكّد أن هوليود لم تفتح له ذراعيها خلال زمن الأفلام الستة التي أخرجها فيها.
المؤلف في سطور
يعمل باسكال ميريجو، منذ عام 1996، ناقدا سينمائيا في مجلة "نوفيل اوبسرفاتور" الباريسية الأسبوعية. وكان قد اشتغل في حقل النقد السينمائي في صحيفة "لوموند". وسبق له وقدّم سيرة حياة عدد من العاملين في حقل السينما، من بينهم : المخرج النمساوي "جوزيف فون ستيرنبيرغ". ولديه روايات عديدة.
الكتاب: جان لونوار
تأليف: باسكال ميريجو
الناشر: فلاماريون باريس 2012
الصفحات: 1102 صفحة
القطع: الصغير
Jean Renoir
Pascal Merigeau
Flammarion - Paris- 2012
1102 .P