يرصد كتـــاب "رحلة عمـــر .. ثروات مصـــر بين عبد الناصر والسادات"، لمؤلفه الدكتور رشــــدي سعيد، مضمـــون وملامح تجربة طويلة لعالم في مجال الجيولوجيا (المؤلف نفسه)، جمعت بين تقلبــــات متتالية في النظام المصري، وذلك من خلال عيون عالِم قبطي بارز، عاصـــر فتـــرة ما بعد ثورة 1919 والتجربة الليبراليـــة القصيرة في هـــذه الفترة، وتصاعد المد الديني المتمثـــل في جماعــــة الإخــــوان المسلمين، ثم ثورة 1952، والتي عُين بعــدها نائبـــاً في مجلس الشعب عام 1964، واستمر تعيينه في برلمان 1969، وبرلمان 1971.

كما عاصر نكبة يونيو 1967، ونصر أكتوبر 1973، وما تلا ذلك من سنوات الانفتــــاح والفســـاد المالي والإداري الذي عاشته مصر، وتصاعد التيار السلفـــي الـــذي شارك في صناعة وترسيخ مشاعر التمييز ضد الأقبـــاط والفتنــــة الطائفية، ومن ثم هجرتـــه من البلاد إلى الولايات المتحدة عام 1981.

ويسجل الدكتور سعيد في مقدمة كتابه، أنه ولد في القاهرة في سنة 1920.. وأنه عـــاش السنـــوات الأولى مـــن حياته وقـــت النهضـــة الكـــبرى التي أحدثتــهـــا ثـــــورة 1919.

وينتقل المؤلف إلى ما أحدثته الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها من زعزعة للكثير من الأفكار، والتي جاء بها عصر النهضة الذي عاشته مصر منذ ثورة 1919، ففي هذه السنوات وقعت أحداث جسام كان من أكبرها أثراً إنشاء دولة إسرائيل إثـــر الهزيمـــة المفجعــة للجيوش العربية على أرض فلسطين في سنة 1948، والتي نـــزل إنشاؤهـــا كالصاعقة التي قضت على الكثير من الآمـــال، وزادت من روح الثورة التي ما لبثت أن جاءت بالفعل بعد أحداث عاصفة في سنة 1952.

ويأسف الدكتور سعيــــد لأن أفكار ومؤسسات عصر النهضة التي جاءت مع ثورة سنة 1919، لم تستطع أن تعيـــش هذه الأحداث.. ويتحول سعيد إلى الحديـــث عن ما عايشـــه مع ثــــورة 1952، بكل أحداثهـــا المتلاطمــــــة، والتي شارك في الكثير منها، آمــلاً أن تُعـــاد بواسطتهـــا الثقة إلى أفكار عصر النهضة.

وأن يتم تطويرها وإصلاحها حتى تُستكمل عن طريقها المسيرة التي بدأها الآباء، ويُبنى بواسطتها النظام الديمقراطي السليم، ولكن الأحداث الكبيرة التي لاحقت الثـــورة، والحروب التي كان على الثــــــورة أن تخوضهـــا، والمؤامـــرات الخارجية والداخلية التي كان عليها أن تتعامل معها، أعاقت تحقيـــق هـــذا الأمـــل، وأفـــرزت أفكــــاراً جديدة لتبرير الإجراءات التي كان على الثورة أن تأخذهـــا للحفاظ على أمنها، بل وعـــلى أمن الوطن نفسه.

. ومنــــذ سنة 1951 يؤكد الدكتور سعيد أنه ظلَّ منكباً على البحث العلمي وتدريب الطلاب في قســـم الجيولوجيا، في كليـــة العلوم جامعـــة القاهرة، فطـــوال السنوات العشر التي تلت هذا التاريخ لم يكـــن هنـــاك مكان لأحد في ميدان العمل السياسي الذي كان رجال الثورة قد احتكـــروه، وقصروا العمـــل فيه على مجموعة صغيرة من الثقات، ما أحدث تباعداً مع المثقفيــــن الذين كــــان رجـــال الثـــورة يتوجســـون منهــــم، وأحدث انفصـــال سوريـــا سنة 1961 من دولة الوحدة التي أقامتهــــا مـــع مصــــر، تغيُّراً في توجهات القيــــادة السياسية، بعد أن تأكد لها أن هذا الانفصال جزء من مؤامرة كبيرة، تدبرها قوى خارجية للتخلص منها.

وعُيِّن الدكتور رشدي سعيد في مجلس الشعب عام 1964، ويقول عنه بأنــــه لم يكن برلماناً بالمعنـــى الذي تعـــارفت عليه الديمقراطيات الغربية ذات الأحــــزاب المتعددة.. وظــل هذا النمط من الديمقراطيـــة المحدودة التي بدأت ببرلمان سنة 1964، كما يقول المؤلف، سائداً في مصر، حتى الوقت الحالي، على الرغم من التغيرات الهائلة التي حدثت في مصر والعالم.

وعلى الرغم من التغير الكامـــل لشكل البرلمان في مصر ذاتها في السبعينيات من القرن الماضي، ومنذ انتخابات 1964 وحتى انتخابات 1995، أجريـــت ثمانية انتخابات لم يحظ الأقباط بالنجاح في أيٍّ منها بأية نسبـــة معقولــــة، ما اضطر القيادة السياسيــــة إلى زيــــادة عددهـــــم عن طريــــق التعيين.

وهكذا.. يسجل الدكتور رشدي سعيد، وبعد بلوغه سن الثمانين ـ في مزج رائع بين رحلة عمر الإنسان وتفاعلاتها مع الأحداث السياسية والاجتماعية، لمحـــات من حياته وفصولاً من سيرته الذاتية وتفاعلاتها مع الأحداث المتلاطمة التي شاهدها منذ مولد الدولة الحديثة في مصر، عقب دستور 1923.

 

 

الكتاب: رحلة عمر.. ثروات مصر بين عبد الناصر والسادات

تأليف: د. رشدي سعيد

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 2012

الصفحات:207 صفحات

القطع: المتوسط