يبحث الكاتب والباحث في التاريخ الثقافي الأميركي وليام د. رومنسكي، في عمله الأخير، بعنوان: "إصلاح هوليوود"، عن الدور الذي لعبه البروتستانتيون الأميركيون، في سبيل دعم النزعات التحررية في السينما الهوليوودية، منذ قرن من الزمن.
ويشرح المؤلف ما يراه: واقع العلاقات المعقّدة التي بين البروتستانت في أميركا، وبين القائمين على الصناعة السينمائية في هوليوود. ولكن ليس ذلك فحسب، وإنّما أيضاً التعاون عبر مجموعة من اللجان والمجالس والهيئات الأخرى التي يصب عملها، جميعها، في البحث عن سبل استخدام السينما والأفلام التي تنتج في هوليوود، من أجل ما وجد البروتستانت الأميركيون أنه "تحسين أخلاق الأمّة".
تتمثل المادّة الأساسية التي يأخذ منها المؤلف معلوماته وشواهده، في المحادثات والمقابلات الشخصية التي أجراها. وفي العديد من المصادر التي لم يتم الاطلاع عليها سابقاً، وفي الدوريات السينمائية المتخصصة. ويتبين، طبقاً لما يوضحه المؤلف، التأكيد فيها على وجود ميل نحو إنتاج أفلام ذات طابع أخلاقي فردي، يتماشى مع توجهات الكنيسة البروتستانتية الأميركية، الأكثر حضوراً.
ولا يتردد المؤلف في القول إن قوى سياسية وثقافية أميركية خاضت حروباً ثقافية حقيقية، في ميدان إنتاج أفلام التسلية، بشكل خاص. كونها تمسّ أوسع الشرائح في المجتمع الأميركي. كما يؤكد أن الكنيسة الأميركية مارست ضغوطاً حقيقية في اتجاهات مختلفة، على المخرجين والعاملين في حقل السينما، باسم المحافظة على أخلاق الأمّة الأميركية.
وكان قادة الكنيسة البروتستانتية قد أدركوا مدى التأثير الذي يمكن للسينما أن تلعبه على مستوى الأخلاق العامّة، باعتبارها أداة تواصل مع الجمهور العريض. وعلى غرار وسائل الاتصال الجديدة الأخرى، مثل الإذاعة قبل اختراع التلفزيون بعدّة عقود، كانت السينما وسيلة لنشر الأفكار ذاتها، على الذين يؤمّون صالات العرض. وبذا كانت السينما بمثابة نموذج جديد للفن الشعبي والرائج تجارياً في المدن؛ ولكن أيضاً أداة فعّالة للتأثير على الرأي العام.
ومن خلال الدور الذي بدا أن السينما تلعبه، انطلق قادة الكنيسة البروتستانتية الأكثر قوّة في الولايات المتحدة الأميركية، في البحث عن السبل التي تجعل الأفلام السينمائية أحد روافد الثقافة الأميركية، والتي يعتبرون أنفسهم بمثابة رعاتها وحماتها.
ويرى المؤلف أن الأفلام التي كانت تنتجها هوليوود، اتجهت أكثر فأكثر نحو الطبقة الوسطى، وعدت في الوقت نفسه، وسيلة لتلبية ما تحتاجه الطبقة العاملة، لتمضية أوقات فراغها، ولخلق أجواء أفضل للخطاب العام، ولدفع برامج الإصلاح إلى الأمام.
ويحدد المؤلف الهدف الأساسي لرعاة الكنيسة البروتستانتية من هذه الوسيلة الإعلامية، ووسيلة التواصل الجماهيري العام، في استبعاد أي نفوذ آخر في المجال الثقافي عينه، وجعل السينما حليفاً للبيت والمدرسة والكنيسة. ومن هنا جاء الاهتمام عن قرب بتوجيه السينما في هوليوود نحو إنتاج أفلام، تخدم المنظومة الأخلاقية التي يراد تعزيز مواقعها في الثقافة الشعبية الأميركية.
ويتبين المؤلف حقيقة أن التوجه نحو عملية إصلاح أخلاقي تساهم فيها الصناعة السينمائية، وجد ترجمته على المستوى العملي والإداري، في تأسيس العديد من لجان التمحيص التي لعبت في الواقع، دوراً رقابياً حيال المسائل الأخلاقية الدقيقة. كما شاركت في النقاشات الخاصّة بحريّة التعبير وبالحدود الأخلاقية المسموح فيها، وبالعمل على تغيير التوجّه في إنتاج الأفلام السينمائية.
وإذا كان من الشائع القول ان الكنيسة المسيحية في أميركا دخلت أحياناً في حروب مع هوليوود، كما ظهر في الإدانات الصريحة والقويّة لبعض الأفلام السينمائية الشهيرة، مثل فيلم "ذهب مع الريح" وفيلم "حياة بريان" وغيرهما، فإن مؤلف الكتاب يرى العلاقات بين الطرفين أكثر تعقيداً. ويقدّم أمثلة عديدة على تدخّل المجموعات البروتستانتية ذات النفوذ، في تعيين المشرفين على استوديوهات الإنتاج السينمائي في هوليوود، منذ النصف الأول في القرن العشرين.
ويصل المؤلف إلى القول إنه ينبغي إدراك أهمية تلك المجموعات المعنيّة من أجل فهم السينما الأميركية. والقول ان صعود الصناعة السينمائية تزامن مع مرحلة انتقالية تاريخية عرفها المجتمع الأميركي خلال سنوات العشرينات وحتى الستينات من القرن العشرين.
ويرى أن تلك المرحلة عرفت تداخلاً تاريخياً بين الدينامية البروتستانتية الأميركية، وبين صناعة الأفلام السينمائية الملتزمة في الصراع على السلطة الثقافية، مبيناً أن ذلك التداخل كان في صميم محاولة تحديد دور السينما في المجتمع الأميركي.
الكتاب: إصلاح هوليوود
تأليف: وليام رومنسكي
الناشر: جامعة اكسفورد2012
الصفحات:336 صفحة
القطع: المتوسط
Reforming Hollywood
William Romanovsky
Oxford university press- 2012
336 .P