القراءة هواية يلتقي قسم كبير من البشر في ممارستها.. وهكذا يكرس الكاتب والروائي والمحامي الفرنسي، ايمانويل بييرا، كتابه الأخير لـ "محبّة القراءة"، كما يقول عنوانه.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين عشرة فصول قصيرة، تحمل عناوين متنوعة، تدور جميعها حول موضوع القراءة، وما ينضوي في إطار عالمها. وهكذا جاءت تحمل عناوين: محبّة قراءة الكتب ومحبّة الكتب ومحبّة إعادة القراءة. وأيضاً: محبّة المكتبات ومحبّة القراءة بصوت عالٍ ومحبة مشاركة الآخرين في قراءاتنا ومحبّة الكتب القديمة ومحبّة الكتّاب. وأخيراً، محبّة الكتابة.
التقديم الذي اختاره المؤلف لكتابه، عبّر عنه من خلال جملة للمفكّر الفرنسي الكبير مونتسكيو: "لم أعرف في حياتي حزناً لم تستطع ساعة من القراءة أن تزيله". وعلى قاعدة هذا القول يرى ايمانويل بييرا، أن أي إنسان يستطيع أن يكسب الكثير من الفوائد عبر القراءة.
ويضرب مثالاً، على الآفاق الواسعة التي تفتحها القراءة، الجنرال هنري بينتيغا، الذي كان رئيساً لأركان الجيوش الفرنسية، وقدّم كتاباً تحت عنوان "محبّة الجيش"، أثبت فيه أنه لم يمضِ حياته في الثكنات العسكرية، بل زخر عمله بأسماء كتّاب من أمثال: روسّو وهوغو ومالارمية وكامو وستيفان زفايغ. وذلك كلّه من أجل دفع القارئ إلى محبّة الجيش واحترام الالتزام والعمل في خدمة الدولة، من خلال محبّة القراءة.
ويسأل المؤلف: "هل محبّة القراءة رذيلة؟ مرض؟". ويجيب: "لا هذا ولا ذاك.. حتى الجنون الذي ربما يضعه المبدعون في قالب أدبي، يغدو ثروة لا نفاذ لها، بحيث تساعد كثّر على عيش لحظات من السعادة المتجددة. هوكذا عندما أبدع سرفانتس شخصيّة (دونكيخوته)، التي دفعها الجنون إلى محاربة طواحين الهواء، إنما ساعدنا على فهم أفضل للعالم.. وبعد أربعة قرون من الزمن لا تزال هذه الرواية تعد بمثابة الرواية الحديثة الأولى.. وهي الأكثر قراءة في العالم...".
و"محبّة القراءة تنتقل بالعدوى"، كما يقول المؤلف، مبيناً أن محبّة الأهل للقراءة، ربما تساعد في نقل فيروسها إلى الأبناء. ولكن هذا ليس شرطاً ملزماً. فالمؤلف نفسه يعترف أن الكتاب الوحيد الذي كان متوفراً في بيتهم هو دليل الهاتف. بل ويرى أنه من الأفضل أن يكون الأهل لا يحبون القراءة من كونهم يرغمون أبناءهم على ذلك.
ويوضح المؤلف أن القراءة، ومثل الحب، يأمل جميع البشر بحقّه فيها، مشدداً على أن أولئك الذين يزعمون أنهم لا يحبّون القراءة، إنّما لم يسعفهم الحظ للوقوع على كتاب يجعلهم يكتشفون أن القراءة إذا لم تجلب لهم السعادة، فهي تحرّك على الأقل خفقان قلوبهم. ولا يتردد في القول ان الباعة المتجولين للكتب في الأرياف الفرنسية، خلال القرن الثامن عشر، المعروف بقرن التنوير، أسهموا بدرجة ما، في خلق مخيلة جماعية فرنسية.
وبعد أن يشرح المؤلف من موقعه كرجل، قانون التعريفات الإدارية والضرائبية للكتاب، يشير إلى التعريف المختصر الذي يحتويه قاموس الأكاديمية الفرنسية، الذي اعتبر أن الكتاب: "جمع من الأوراق المطبوعة أو المخطوطة المكرّسة للقراءة". وكذا تحديده القول انه لا حياة ولا معنى للكتاب إذا لم يكن هناك من يقرأه.
ويتبنّى المؤلف لحسابه جملة كتبها جول رونار في يومياته. وجاء فيها: "تمّت تربيتي على يد مكتبة". ويشير ايمانويل بييرا إلى كتاب سابق له يحمل عنوان قلق الاستيقاظ، الذي يروي فيه كيف عرف "ولادة ثانية"، عندما اكتشف في حيّه المكتبة التي دفعته نحوها أول معلّمة له في المدرسة الابتدائية.
ويبين أنه لا يمكن لأحد أن يعطي المكتبات حقّها، من حيث الأهمية والدور الذي لعبته في تعميم المعرفة. ويلفت في هذا السياق، إلى أن ما يوفره بلد مثل فرنسا من المكتبات العامّة، يبدو متواضعاً بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويشدد المؤلف على أن القراءة هي أيضاً دعوة للتنقّل من كتاب إلى آخر، ومن كاتب إلى آخر، ومن عالم إلى آخر، طبقاً لما يوضحه المؤلف. ويجد أنه، من هنا بالتحديد، تأتي أهمية المكتبات المكرّسة لبيع الكتب، بما فيها تلك المتخصصّة بمشرب أو بميدان معين، لافتاً إلى أن تقديم كتاب ليس أمراً عادياً، هذا بمعنى أنه هدية تختلف عن غيرها. فالشخص الذي يقدّم لك كتاباً إنّما يقدّم شيئاً من ذاته. هذا فضلاً عن أن الفعل من هذا القبيل، حركة ترمي إلى تقاسم لحظة معاشة. وبكل الحالات يرى المؤلف أن الكتب والقراءة مدرسة رائعة للحياة، ولا شك أنها ليست المدرسة الوحيدة، لكن أحد أفضل المدارس.
الكتاب: محبّة القراءة
تأليف: ايمانويل بييرا
الناشر: دو مينيل باريس 2012
الصفحات: 134 صفحة
القطع: الصغير
Aimer lire
Emmanuel Pierrat
Du Mesnil - Paris- 2012
134 .P