يحكي كتاب " " من الاسكندرونة إلى الإسكندرية ..محطات من السيرة الذاتية"، لمؤلفه، الكاتب وليد إخلاصي، عن مراحل وقصص حياة الكاتب نفسه. إذ يبين في مستهله أنه ولد في مدينة الاسكندرونة، الواقعة تحت السيطرة التركية حاليا.
وكان والده عون الله إخلاصي، مديراً للأوقاف في المدينة. ونقل معه زوجته وولدين، ليقيموا جميعا في المدينة البحرية، بعيداً عن حلب العتيقة . وهكذا ولد الابن الثالث لهما، وليد، هناك في الاسكندرونة . ويطلعنا المؤلف على أنه كان قرار انتقال والده إلى حمص قد ابتدأ مفعوله في يوم من أيام العام 1937، حيث استقرت الأسرة في منزل في جورة الشياح. وتقرر أن يلتحق بالروضة القريبة من دارهم، فكان يذهب إليها ماشياً، وأتقن عبور الحارة .
وفي حمص يبلّل سرواله عندما يرى المجنون، آكل الموتى . ولكنه يعطيه كمية من الحلوى ويمسّد شعره، ثم يفلت هارباً إلى البيت.
وهناك حادثة أخرى يذكرها إخلاصي، وهي عندما أطلق الرصاص على مظاهرة ضد الفرنسيين وسقط أحد الشهداء، فحمل على الأكتاف، وكان الجمع يخلط بين التكبير والأناشيد الوطنية . وبعد ذلك، ينتقل المؤلف ليروي كيف ترحل القافلة الصغيرة(الأسرة) إلى حماة. وكان ذلك في عام 1940، ومن ثم نقلت الأسرة إلى حلب، وقبلها كان الوالد يتكلم بحبّ عن المدينة، وعن قدمها في التاريخ وآثارها، وجوامعها. وعند دخول حلب ظهرت لوليد إخلاصي، كما يقول، وكأنها أول مدينة كبرى يشاهدها، بينما قلعة حلب في منتصفها تستأثر بالنظر، فيبدو كلّ شيء من حولها وقد بني لغرض إظهارها كحالة لا يمكن تكرارها في بلد آخر.
ويحدثنا وليد إخلاصي، بعدها، كيف سكنت الأسرة في منزل قديم بمدينة سيف الدولة. ومن ثم قُبل وليد في مدرسة الحمدانية طالباً في الصف الثاني، وهي مدرسة تقع في حي الفرافرة.
وكان اليوم الأول في المدرسة يبتدئ عادة بتحية العلم، وعلى إيقاع الطبل يرتفع العلم السوري على السارية، فترتصّ الصفوف، يتقدمها المدير نفسه، ويبدأ التلاميذ ترديد النشيد الوطني :" حماة الديار عليكم سلام وهكذا كان طقس الصباح يشكل جانباً من المحبة للوطن وفي المدرسة يتعرف الكاتب على دم "الحردون" ليخلصه من الضربات الموجعة على الأيدي التي يرسلها المدير إلى التلاميذ.
وكانت الجدّة بحكاياتها الشيقة التي لا تتوقف عن " ألف ليلة وليلة " وعن " كتاب" اللباد " قد أدهشته بخرافات كثيرة وضعتها أمام عيونه، هو وأخوته، كحقائق لا يمكن إنكارها، وكان دور الأم التي لم تتلق أية فرصة في التعليم، كبيراً، إذ كانت تعدّ الحبر لهم، كما أنها تحيل ورق الصرّ إلى دفاتر تخيطها بالمسلة .
كما كان حصولهم على " الراديو "، ووضعه في الصالون كضيف مقدر تتطلع إليه العيون وتنصت لصوته الآذان، فرحة لا تعادلها فرحة أخرى . وكانت الأخبار التي تبثها " إذاعة الشرق الأدنى " هي المفضلة عند الشي ، بينما الحفلة الشهرية لأم كلثوم قد جمعت حولها الأهل والضيوف لتجعل الصالون وكأنه سوق الجمعة .
وأصبحت القراءة واحدة من الهوايات. ولم تكن دار الكتب الوطنية المصدر الوحيد في تقديم الكتب مجاناً لقراءتها، بل إنّ دكاكين "السويقة "، أتاحت لـوليد إخلاصي استئجار الكتب منها.
وكان بيت الأسرة يقع في منتصف المسافة بين دار الكتب الوطنية وخان الشربجي القائم في منطقة " باب أنطاكية ". ويتعرف على أصحاب الفستق السوداني، ويزورهم في البيت، ويقارن بينهم وبين الفلسطينيين الذين احتوتهم قرية النيرب، القريبة من حلب . وأثناء ذلك يتعرف على جدّ هيثم الكواكبي الذي صادقه في المدرسة: عبد الرحمن الكواكبي. كذلك سيجمعه مقعد الدراسة بصباح أبو قوس الذي أصبح فيما بعد صباح فخري، إذ منحه فخري البارودي ذلك الاسم . ويلتحق صيفاً بمدرسة الحفّاظ .
ويطلعنا إخلاصي في سرده سيرته، على أنه كان الشيخ بكري الكردي يعمل في الجامع الكبير ، لكنه عرف بين أهل حلب على أنه موسيقي، ولديه مؤلفات من الأغاني المتداولة والأناشيد الدينية، فقام بتدريب أخيه، وعندما تقدم الأب بمبلغ من المال كمكافأة رمزية لجهود الشيخ بكري، رفض الأخير ذلك.
وفي أمسية نيسانية وصلت إليهم أخبار عن تجمع المئات من المتظاهرين غير العابئين بالرصاص الذي يرسله الجنود في الفضاء، ثم سمع صوت المنادي يؤكد على أن القلعة سقطت بيد المتظاهرين وأن الوقت قد حان لإعلان الاستقلال.
الكتاب: من الاسكندرونة إلى الإسكندرية محطات من السيرة الذاتية
تأليف: وليد إخلاصي
الناشر: الهيئة العامّة السورية للكتاب وزارة الثقافة دمشق 2011
الصفحات: 160 صفحة
القطع: المتوسط