بعد الأزمة المالية والاقتصادية الخطيرة والمهددة التي عرفتها اليونان، يرى مراقبون عديدون، أن الدور القادم سيكون على إيطاليا التي تعيش على حافة الأزمة، هذا إذا لم تكن قد أصبحت في حفرتها. ولكن بالمقابل، ينبغي ألا ننسى أن إيطاليا هذه، كانت منذ سنوات قليلة فقط، أحد البلدان الصاعدة في القارة الأوروبية، المتسمة بوجود مجتمع ديناميكي وبنمو اقتصادي متسارع.
هذه الصورة المزدوجة لإيطاليا، بين الماضي القريب (اللامع)، والحاضر القائم المهدد بالخطر، موضوع كتاب رئيس تحرير مجلة "الايكونومست" الأسبق، بيل ايمونت، بعنوان: "إيطاليا الجيدة، إيطاليا السيئة" والذي يقول عنوانه الفرعي: "لماذا ينبغي على إيطاليا أن تتغلب على شياطينها لمواجهة المستقبل".
إن "إيطاليا السيئة" هي التي يرى بها المؤلف، على قاعدة سلسلة من اللقاءات التي قام بها مع شخصيات إيطالية مرموقة، بلاد العار، ذلك في ظل رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني، إذ برزت عيوب النظام القضائي الفاسد، وتبدى خلل خطير في نظام اقتصادي تسيّره المصالح الخاصة، وغدا الفساد مستشريا في كل مكان.
وفي البداية يذكر المؤلف، بكتاب "الكوميديا الإلهية" الشهير لمؤلفه دانتي، إذ يبدو "الجحيم" و"الفردوس" على طرفي نقيض. هذا مع محاولة قراءة طبيعة الانقسام الذي يعيشه المجتمع الإيطالي على ضوء ذلك. ويقول هنا: "إنها صيغة إيطالية جدا للشرخ الاجتماعي.. إن إرث إيطاليا السيئة التي تنحدر نحو الجحيم، واضح جدا، للأسف، حاليا".
ويفتح المؤلف، في هذا السياق، قوسين كي يشير إلى ماريو مونتي، الذي عين رئيسا لوزراء إيطاليا في شهر نوفمبر من عام 2011، إذ يجد أنه يبدو مثالاً نموذجياً لإيطاليا الجيدة، كونه يملك: "إحساسا عميقا بالواجب. ويعرف جيدا أن المشكلة الإيطالية كانت نتيجة ضعف أخلاقي، لدى النخبة ولدى الشعب". ويشير إلى أن إحدى أهم فضائله تتمثل في كونه يتحدث عن المشكلة ولا يخفيها. وتأكيده أيضاً، على أن الحكومات السابقة أثقلت بالديون، أجيالاً كثيرة.
ولكن رغم التشخيص الذي يقدمه مونتي، كما يلفت المؤلف، وشجبه عدم المسؤولية لدى النخب السياسية، فليس من المؤكد نجاحه، مع زملائه في الحكومة. هذا خاصة أن الأسواق المالية العالمية ذات السطوة الكبيرة، وضعت إيطاليا في دوائر الجحيم الضرائبي السفلي نفسه، كما فعلت مع اسبانيا، ومما سيزيد الأوضاع خطورة في الحالتين.
ويرى المؤلف أن سلام إيطاليا ووجهها الجيّد، يكمن إلى حد كبير، في نموذجها موديلها- الاقتصادي السابق الذي حقق لها درجة متقدمة من الازدهار. وذلك بوجود بنوك محافظة ومعدلات توفير مرتفعة لدى الأسر الإيطالية وقطاع إنتاج متحفّز.. هذا كله في مواجهة استراتيجيات مالية محفوفة بالمخاطر.
فضلاً عن أنها أدت ببلدان أوروبية أخرى إلى حافة الخراب. ثم إن السياسات التي انتهجتها الحكومات الإيطالية السابقة دفعت بالبلاد إلى "نادي البلدان الأوروبية السيئة"، بمعنى الحالة الاقتصادية، والذي يضم اليونان وايرلندا واسبانيا والبرتغال.
وتقول الأرقام ان الديون العامة لإيطاليا، تعادل 120 بالمائة من إجمالي إنتاجها الداخلي السنوي للبلاد، والتي لم يتقدم نموّها الاقتصادي في عام 2011 إلا بنسبة 0,4 بالمائة، مما يولّد الشكوك بإمكانية تسديدها لديونها.
ويشرح ايمونت أن إيطاليا عرفت بعد الحرب العالمية الثانية، حالة من الازدهار، جعلت من اقتصادها من بين الأكثر نشاطا على المستوى العالمي كله. ثم أعقبت ذلك عقود من الجمود، بسبب الإفراط في النفقات العامة، والخروج من هذه الحالة السيئة، يتطلب بالضرورة ضغط الميزانيات العامة واللجوء إلى الخصخصة وإنعاش المنافسة، وهو ما يسمح للشركات الإيطالية الصغيرة والمتوسطة، بمواجهة المنافسة العالمية وإنهاض الاقتصاد الوطني.
إن الانتقال، وبالأحرى "العودة"، إلى إيطاليا الجيدة يواجه الكثير من العقبات الكبيرة. وفضلا عن الجريمة المنظمة، الممثلة خاصة بمنظمات المافيا، والتزوير العام في مجال دفع الضرائب وعدم فعالية، بل خلل، النظام القضائي، هناك بحث الشركات عن زيادة أرباحها عبر عقود مع الحكومة والاعتماد على مبدأ الزبائن وليس على الجدارة .
"إيطاليا الجيدة، إيطاليا السيئة"، يراهما المؤلف وجهين لإيطاليا، تتداخل ملامحهما في تحليلات هذا الكتاب، إذ يبدو ميله، واضحا، نحو التشاؤم.
المؤلف في سطور
شغل بيل ايمونت، مهام رئاسة تحرير مجلة "ذي ايكونومسيت" . ويعمل، حاليا، مستقلاً، على المسائل الدولية. ويسهم بالكتابة في : "التايمز" اللندنية، "لاستامبا" في إيطاليا. من مؤلفاته: المتنافسون: كيف يصوغ صراع القوة بين الصين والهند واليابان العقد القادم.
الكتاب: إيطاليا الجيدة، إيطاليا السيئة. لماذا ينبغي على إيطاليا أن تتغلب على شياطينها من أجل مواجهة المستقبل؟
تأليف: بيل ايموت
الناشر: جامعة يال 2012
الصفحات: 313 صفحة
القطع: المتوسط
Good Italy, bad Italy
Bill Emmote
W. W. Norton ذ New York - 2012
313 .p