يبين كتاب "المشكلات الفلسفية عند ابن حزم والبصري وابن رشد"، لمؤلفه الدكتور بركات محمد مراد، غنى المضمون الفكري في الحضارة الاسلامية، بشأن الحوار الانساني والتعايش والتبادل الثقافي، معتنيا بإبراز فرادة وقيمة دعوات الحوار والتقارب الفكري ضمن القرآن الكريم، وأيضا في المنتج الفكري الذي صاغه رجالات الادب والفكر والفلسفة في الحضارة الاسلامية.
ويوضح مراد أن الجدل من خصائص الإنسان ومميزاته، وأنه إذا تتبعنا المقامات القرآنية التي تناولت الحديث عن الجدل، نجد منها ما يفيد بأنه منزع جبلِّي في الإنسان، فالقرآن يصرح ببيان خاصية من خاصيات الكائن البشري وميزة من مميزاته، وهي كونه: أكثر الأشياء جدلا، وبذا نراه قادرا على الدفاع عن كيانه، وعن ذاتيته، بشكل تلقائي؛ وهو ما يولِّد فيه جبلَّة الميل للخصام، وحب المراء، فهو ينازع ويعاند، ويجادل إثباتا لوجوده وتأكيدا لبقائه، وإظهارا لشخصيته .
ثم يتناول المؤلف آداب الجدل العامة والخاصة عند ابن حزم الألأندلسي، فيرى أن هناك آدابا عامة وخاصة للجدل عند كل مفكّر ومتكلِّـــم وفيلســـوف في الإسلام، وأن ابن حزم يبين طريقته في الجدل والمناظرة بقوله: "إن طريقتنا في ذلك أن نخير الخصم بين أن يكون سائلا أو مسؤولا، فأيهما تخير أجبناه. فإن رد الخيار إلينا اخترنا أن يكون هو السائل.. حسما للأعذار.. وتوفية لمطالبهم.. .". وكذلك يوضح أن من سأل فأجابه خصمه، فسكت عن المعارضة يكون بذلك قد انقطعت مناظرته.
ويضع ابن حزم الشروط والآداب العامة والخاصة التي ينبغي أن يلتزم بها كل طرفي المناظرة. وأما الشروط الخاصة التي ينبغي على كلا المتناظرين الالتزام بها، فرأى أنها تمثِّل جوهر المجادلة. وعد الإخلال بها إخلالا بالمناظرة، ومنها :
أن يكون هدف المجادلة والغرض منها، طلب الحق ومحاولة إدراكه، ضرورة تنزه المناظر عن الأغراض الذاتية، عدم معارضة الخطأ بالخطأ، النزاهة والإنصاف والابتعاد عن آفة التقليد والتعصب.
ويشير مراد إلى انه يرى ابن حزم أن من أذن لخصمه في أن يكون السائل، فواجب عليه في حكم المناظرة أن يجيب، فإن لم يفعل، فقد ظلم أو جهل إلا أن يكون هناك أمير مخوف يمنع من البوح بالجواب؛ لذلك يجب أن تكون المناظرة مع الأمن إلا من بذل نفسه لله تعالى، وعرف ما يطلب وما يبذل من ذلك، فله الفوز إن أراد نصر الإسلام أو الحق فيما اختلف فيه المسلمون.
وينتقل المؤلف إلى الحديث عن الحسن البصري كفقيه للبصرة وسيد للتابعين، إذ أراد البصري أن يتلمس المثل الأعلى، ورأى أن هذا المثل كان في الماضي، وتحديدا في عصر الأمجاد، عصر الصحابة، والذين كانت الدنيا أهون على أحدهم من تراب قدميه، حسب البصري، الذي يتابع: "..
ولقد رأيت أقواما يمسي أحدهم وما يجد عنده إلا قوته، فيقول لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله عز وجلَّ، فيتصدق ببعضه، وإن كان أحوج ممن يتصدق به عليه" .
ويتناول مراد المؤلف بعض آراء البصري في بعض القضايا الكلامية، مثل الإيمان ومرتكب الكبيرة والجبر والاختيار. ويبين في هذا الصدد، أنه رأى البصري أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وعلى هذا القول الإيمان يزيد وينقص، وفي ضوء هذه المعاني، يرى الحسن أن الإيمان الجدير باسم الإيمان هو ما يدفع إلى العمل به، فالإيمان في نظره يستلزم العمل
. وعلى هذا فمن لم يؤد الصلاة فهو غير مؤمن بوجوبها، وليس معنى هذا أنه كافر بها؛ لأن الكافر بالصلاة يكون مؤمنا بعدم وجوبها. وليس تارك الصلاة كذلك، بل هو لم يبلغ بعد درجة الإيمان بها، كما لم ينزل أيضا إلى درجة الإيمان بعدم وجوبها.
أما بالنسبة لمرتكب الكبيرة فرأي البصري بشأنها مبني على رأيه في الإيمان؛ إذ يرى أن مرتكب الكبيرة منافق. وأما مسألة الجبر والاختيار، فالروايات عن الحسن فيها مسألة متضاربة، وحاول أصحاب كلُّ رأي جره إلى رأيهم . ثم يسهب المؤلف في الحديث عن مكانة العقل عند ابن رشد، وبين أن العقل يمثل ركيزة أساسية ومحور مهم في فلسفته.
حيث كان ابن رشد يقظا نبيها حين عرف أن العقل قدرة إنسانية متعاظمة، قادر على معرفة الأشياء، ومعرفة الاطراد الناموسي في الطبيعة، وعرف أن كمال هذه القوة الإنسانية هو العقل الفعال المشترك في النوع الإنساني. وقد عرف مفكرو أوروبا خلال النهضة انتباه ابن رشد لهذا. كما فطن إلى أن العقل النظري يرتقي هو نفسه، وأن لا سبيل إلى الارتقاء إلا في الاعتناء بالعلوم، إذ بدون العلوم يمتنع ارتقاء العقل إلى الكمال. وهذا ما يتحقق فعلا في كل ارتقاء يشهده الإنسان على مستوى كل الحضارات البشرية السابقة واللاحقة.
المؤلف في سطور
الدكتور بركات محمد مراد، كاتب وباحث مصري، من مواليد عام 1950. حصل على الماجستير ودكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية من كلية دار العلوم في جامعة القاهرة. يعمل أستاذا للفلسفة الإسلامية بجامعة عين شمس بالقاهرة، ورئيسا لقسم الفلسفة بالجامعة نفسها. لديه عدد من المؤلفات، منها: تأملات في فلسفة ابن رشد، الكندي رائد الفلسفة الإسلامية، ابن ماجد والملاحة البحرية ، حقوق الملكية الفكرية.
الكتاب: المشكلات الفلسفية عند ابن حزم والبصري وابن رشد
تأليف: الدكتور بركات محمد مراد
الناشر: المجلة العربية - الرياض - السعودية- سلسلة كتاب المجلة العربية - العدد 191 - 2012م
الصفحات: 183 صفحة
القطع: الصغير