بماذا يفكّر البشر وهم يجرون؟..الإجابة على مثل هذا السؤال تشكّل صميم كتاب الفيلسوف الفرنسي غيّوم لوبلان، الذي يحمل عنوان: "الجري، تأملات بدنية".
ويفيد المؤلف بأنه لا شك في أن الجري ليس رياضة فلسفية. وهذا على الرغم من أن اليونان القدماء، آباء الفلسفة، كانوا قد كالوا المديح للسلحفاة التي تجيد المشي. لكن الامر لم يمنع غيّوم لوبلان، الذي جدف طويلا في بحور الفلسفة، من أن يقطع مع التقاليد الفلسفية، بأنه لرياضة الجري بعد فلسفي. وكذا أن يتحدث عن ما يمكن أن يفكّر فيه أولئك الذين يشاركون في سباقات الماراثون، التي تستمر ساعات وساعات.
ويبين غيّوم لوبلان، أنه هو نفسه، يمارس رياضة الجري، موضحا كيف يمكن للجري أن يكون امتحانا للفلسفات. ذلك أن الانطلاق في الجري، تحت عباءة كانط، كما يوصف، يمكن أن ينتهي إلى الأخذ بأفكار سبينوزا. ويضيف: "الجري امتحان لوجود سلطة داخلية".
كما يشدد على أن الجري ليس تطبيقا جسديا لفلسفة قد تكون في الذهن. بل إنه تجربة داخلية تسمح بفهم استثنائي للزمن". ذلك أن الجري يجلب أفكارا عابرة لا تجد مكانها في عالم الحياة العامة، وهو تجربة داخلية بالمعنى الذي يكون فيه العدّاء وحيدا، لو كان برفقة آخرين. بهذا المعنى، يرى المؤلف في الجري، طريقة لعبور الزمن. كذلك، وخاصة، طريقة للتوقف عن التفلسف، أي بمعنى ""تفريغ الذهن".
وبالمقابل يلاحظ المؤلف، أن هناك بالتأكيد، من يقومون أثناء ممارسة الجري، بنوع من تقليد المنافسة الاقتصادية. ويجد مثال ذلك، لدى الذين يشاركون في الماراثون، ويعملون في الشركات الكبرى، أو ربما لدى الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. فهؤلاء، كما يشير، يحاولون التحقق عبر جريهم، من وحدة الروح والجسد.
بيما يفكر آخرون بمن يحبون، وبليلة الأمس أو ليلة الغد. وأما المؤلف فإنه يحدد غرضه من الجري، في استرخاء ذهنه والإحساس بأنه خارج كل الأمكنة المحددة. ويضيف إنه يجري كي لا يغدو المطلوب منه، "التمييز بين المتعة والألم". وهذا ما يسميه ولوج الحقيقة في عالم لا مرجعيات فيه. ويشرح أنه كان مأخوذا دائما، بالتفكير في أشياء لا أحد يفكّر فيها. ويقصد بذلك خاصة، الأشياء الصغيرة(غير المرئية)، في حياتنا اليومية، مثل ممارسة الجري.
وهكذا لاحظ أنه يجري كل يوم تقريبا منذ حوالي ثلاثين سنة، ووجد أنه من المهم التفكير والتأمل بالإجابة على أسئلة من نوع: لماذا تتكرر مثل هذه الحركة؟ وما الذي يعنيه ذلك في العمق؟ ومن هنا بالتحديد انطلقت فكرة هذا الكتاب بالارتباط مع قناعة مفادها، أن هناك قدرا كبيرا من الفلسفة في الأفعال العادية للبشر، ويكفي التبصّر قليلا لمعرفة ذلك.
ويشير المؤلف إلى أن الكتابة عن الجري هي مثل الجري نفسه، إذ قد لا يعرف صاحبه دائما إلى أين يمكن أن يؤدي فيه. ومن هنا بالتحديد، جاء تعبير "تأملات بدنية" في عنوان الكتاب. ويجد المؤلف أن لرياضة الجري دلالاتها الاجتماعية أيضا، ذلك أنها كانت لفترات طويلة من الزمن، حصرا على الشرائح الفقيرة التي لم يكن لديها أية وسائل أخرى لـلانتقال إلى أمكنة أخرى.
وبالنسبة لعدد من الحالات الهامشية، يكون الجري بمثابة وسيلة للهروب، اعتمادا على الساقين للاستمرار بالاستمتاع بالحرية. ويلفت إلى أن عددا مهما من الذين فازوا بسباقات الماراثون، كانوا قد بدؤوا حياتهم في أحضان الفقر، وعرفوا الجري حفاة الأقدام.
المؤلف في سطور
غيّوم لوبلان، فيلسوف فرنسي. يعمل أستاذا للفلسفة في مدينة بوردو. وأولى اهتمامه بشكل خاص، لدراسة المجتمع. من مؤلفاته: فكر فوكو، عدم الشفافية الاجتماعية، ماذا نفعل بهشاشتنا؟
الكتاب: الجري.. تأملات بدنية
تأليف: غيوم لوبلان
الناشر: فلاماريون - باريس- 2012
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Courir, méditations physiques
Guillaume Le Blanc
Flammarion - Paris- 2012
288 .p