تحفر رواية "نيام حتى اليقظة"، للروائي والإعلامي اللبناني زهير هواري، عميقاً، في بئر الذاكرة، ذاكرته وذاكرة الوطن، فتتقاطع الأحداث لتحاكي تجربة ذاتية نهلت من معين صاحبها وتأثرت بوجعه الفكري الاجتماعي، معطوفة على ما أفرزته الحرب اللبنانية (1975- 1990)، وأثرها المباشر على حياته وأحلامه الكبيرة.

والرواية" أشبه بدراما حقيقية قاسية، تمثل الصراع بين الحياة والموت، بين الفرح والألم، بين الأمل واليأس، بين الحبّ والشقاء، وبين السعادة والتعاسة.. هي قراءة درامية تعكس الواقع كما هو، من جهة انشطاره وتقاطعه ما بين موضوعة الحياة وموضوعة الموت، إذ تدور أحداثها أثناء الحرب الأهلية في لبنان..

أما شخوصها، فهي حقيقية، ولكنها تسربلت في صورة جثث طواها موت ما. وهكذا ما بين خط فاصل بين الحياة والموت، ينحو الراوي إلى نقد "إشكالية الموت"، من جانبها الميتافيزيقي، منحى القسوة والسخرية المرّة، بصوت خانق يذهب بعيداً متجاوزاً حدود بلده الصغير إلى قضية الإنسان الوجودية وتناقضات وجوده وتعقيداتها.

و"نيام حتى اليقظة" موزّعة على ستة مشاهد- فصول. وفي المقدّمة، يرسم الراوي إطاراً فلسفياً للموت، الذي هو "شغلنا الشاغل بألف شكل وشكل.. فعندما ننهض صباحاً وننظّم مواعيدنا اليومية، إنما نفعل لأننا نريد أن ننظّم موتنا".. و"النوم هو أحد أشكال الموت الأكثر شيوعاً".

ويعرّج هواري على موت الوطن بقوله: "هذا الوطن يستحق الحياة، وهؤلاء الذين ماتوا لهم علينا الوفاء". ومن ثم يرفع الكاتب- البطل الستارة عن المشهد الأول، حيث نزف القلب مزدوج: نزف على زوجته "مي" التي استشهدت في عملية تفجير مبنى ضخم في شارع عفيف الطيبي في بيروت. وإذ يفتح نافذة النص على أتون الحرب الأهلية، فيصف مشاهد القصف والتفجير والتدمير إبان الحرب الأهلية اللبنانية العبثية التي لم توفّر الحجر ولا البشر، فإنه ينهي المشهد الأول بـ(يوميّات) الغزو الإسرائيلي للبنان.

وفي الفصل الثاني، (موت أم)، يصف الراوي وبإسهاب موت "أمّونة". وكسراً للسياق الزمني، نرى "مي" على مسرح الحدث، ترفض موت أمها كما سبق ورفض زهير موتها في الفصل الأول. ويتوسط فصل (مناضلون) الرواية، ويشكل اغتيال كمال جنبلاط قلب الحدث.ومن بئر الذاكرة أيضاً، ينتشل الراوي حدثاً يعود الى طفولته، حدث موت جارتهم "أم طوني"، أنجيل، الذي شغل القرية ومن فيها، معنوناً الفصل "موت أول".

تتتابع المشاهد، ونتعرّف معه إلى كثير من التفاصيل والعلاقات الإنسانية في مجتمع القرية. ويتساءل بعد كل هذه السنوات التي مضت: هل ماتت أنجيل حقاً؟ هل كانت في التابوت أم بقيت خارجه؟ ولماذا ماتت؟.. أسئلة غامضة، ويبقى حدث الموت جاثماً على صدر الراوي، وهنا يصيبه في الصميم فيصرخ "أمي يا..."، وهو عنوان الفصل الخامس في الرواية.

ولعل هذا الفصل هو أجمل فصول الكتاب وأكثرها حناناً ومحاسبة للذات، حتى إن هواري اختار أن يختصر نداء أمه، وكأن اللغة عاجزة عن ابتداع الصفة التي تستحقها هذه الأم، واختار العبارة الأكثر سوداوية لتعبّر عن مزاجه وموقفه من موتها: "الحياة هي الموت" (كلود برنار).

وفي المشهد أو الفصل الأخير، "موت مؤجل"، تنتصر الحياة على الموت، برغم مرارة التجربة التي مرّ بها الراوي. ومجدّداً، يختلط الخاص بالعام، بل ويتماهى معه، وما السرطان الذي أصاب زهير في الأمعاء الغليظة إلا السرطان نفسه الذي نخر كيان الوطن..

ونجد أن الراوي يموت ببطء، والموت أمامه والحياة وراءه، ولم تعد رصاصـــــات القنّاصين وتقاتل المليشيات تهمّه، فـ"الآن هو الســرطان ولا شيء آخر أشدّ رهبة ورعباً من عزرائيل أو إبليس أو الشيطان". وقبل أن تسدل الستارة على المشهد الأخير، نراه في بلدته يسير في السهل، يتسلّق التلال وينزل المنخفضات.

 

 

 

 

 

الكتاب: نيام حتى اليقظة رواية

تأليف: زهير هواري

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

الصفحات:207 صفحات

القطع: المتوسط