كان العالم الآسيوي عامّة، من الصين إلى الهند وتركيا، يعيش حياة من الأزمة، في نهاية القرن التاسع عشر. وكانت مجتمعات هذا العالم تعاني حالة من الجمود، حيث إنها بقيت على حالها دون تطوّر كبير منذ عدّة قرون. ويضاف إلى ذلك، حالة من العجز في مواجهة الجيوش الغربية، وفي القدرة على المنافسة التجارية للغرب الذي كان يتمتع بثمرات الثورة الصناعية الكبرى التي انطلقت في العديد من بلدانه.. هذه هي التوصيفات التي يطلقها الباحث الهندي بانكاج ميشرا في كتابه الأخير، الذي يحمل عنوان :" من حطام الإمبراطورية"، وعنوان فرعي :"المثقفون الذين أعادوا صياغة آسيا".
يكرس المؤلف اهتمامه بالتحديد، للكيفية التي ردّت فيها النخب الآسيوية على الحداثة الغربية أو على ما أطلق عليه البعض تسمية "البرابرة البيض". وفي كل الأحوال يجد انه ساد لدى النخب المعنية، الشعور بضرورة الرد على الغرب المادي وذي الأخلاق المتردية.
ويحدد ميشرا ثلاثة مشارب للرد لجأت إليها النخب الآسيوية . والفئة الأولى يجدها في أولئك التقليديين الذين اعتقدوا منذ زمن طويل، أن التقاليد الدينية العريقة المتأصّلة في القارة ستنتصر في نهاية الأمر. والفئة الثانية يمثلها المعتدلون. وأمّا الفئة الثالثة والأخيرة، فتخصّ فئة الثوريين من أمثال ماوتسي تونغ الصيني ومصطفى كمال اتاتورك التركي.
ويشرح المؤلف أنه منذ ما يزيد على قرن من الزمن، قامت مجموعة من المثقفين المتميزين في بلدان القارّة الآسيوية، ومع الاستقلال التام في نشاطاتها وبعيدا عن إقامتها أية شبكات كانت، بالبحث عن إرساء الأسس لتقاليد فكرية آسيوية خاصّة، تحترم الخصوصيات والهويات النابعة من الأرض، بحيث تحاكي، في الوقت نفسه، الحداثة الغربية، أو تأخذ مواقف واضحة حيالها.
وفي جميع الحالات، كان المحرّك الأساسي لجميع الاتجاهات والمشارب الفكرية التي انبثقت في سياق صعود الغرب، حماية القارّة من وقوعها تحت هيمنته . ذلك فضلاً عن بروز التيارات التحررية في حالة البلدان التي كانت تعاني من الاستعمار، مثل الهند التي كانت تشكّل جزءا من الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية لعقود طويلة من الزمن.
وضمن فصول الكتاب، يقدّم المؤلف موجزا عن سيرة حياة أهم المفكرين المعنيين، وعن فلسفتهم وعن الأهداف العريضة التي سعوا من أجل تحقيقها. ولعلّ أهم ما في هذا العمل هو محاولة مؤلفه فتح باب النقاش الفكري والمتجدد، حول مسألة مطروحة على الفكر والمفكرين في القارّة الآسيوية كلها.
وتخص فكرة التصادم بين آسيا والغرب. ويلقي ميشرا أضواء جديدة على السلوك الجماعي ومدى الانفعال الذي خلقته فكرة التصادم، والثمن الباهظ الذي تمّ دفعه من قبل الجميع، والأذى الذي ألحقه كل طرف بالآخر، على طول الطريق. ومن خلال قراءات محددة ودقيقة لمفكرين آسيويين كبار، خلال القرنين السابقين، يقوم ميشرا، وربما للمرّة الأولى، بإيجاد العرى والروابط القائمة بين أطروحاتهم، بحيث يبدو الأمر وكأن حوارا حقيقيا يتمّ بينهم، رغم أنهم كانوا يعملون مستقلين بعضهم عن البعض الآخر. ولم تكن هناك وسائل الاتصال التي يزخر بها العالم اليوم.
ويؤكد المؤلف أن المفكرين المعنيين كانوا جزءا من العالم، وليسوا محصورين في ثنائية الغرب وبقية العالم. بل يرى أنه ينبغي على الغرب نفسه، أن يعيد قراءته للشرق، بعيدا عن الأفكار السائدة فيه منذ قرون.
وإذا كان المؤلف يتعرّض لفكر مشاهير الآسيويين، فإنه يركّز بالأحرى على شخصيتين فكريتين غير معروفتين كثيرا في العالم: جمال الدين الأفغاني الذي عاش مطرودا متنقلا بين أفغانستان والهند وتركيا ومصر؛ المفكّر الصيني ليانغ كي شاو الذي يقدمه المؤلف على أنه أوّل مفكر صيني اعتقد بأنه ينبغي على الصين إحداث قطيعة جذرية مع الكونفوشيوسية "تعاليم كونفوشيوس" .
ويصف الأفغاني بالصحافي المتجوّل والمعلّم والناشط الاجتماعي والذي كان يعمل في المقاهي والمساجد والبيوت. إن الكتاب، وبالعموم، يثبت فيه ميشرا أنه مؤرخ بارع للأفكار، يعرف كيفية فتح آفاق واسعة على الماضي . هذا فضلاً عن أنه يعيد إلى الواجهة شخصيات فكرية كبيرة، تعود المؤرخون الغربيون على تجاهلها.
الكتاب: من حطام الإمبراطورية.. المثقفون الذين أعادوا صياغة آسيا
تأليف: بانكاج ميشرا
الناشر: فارار وستراوس وجيرو نيويورك 2012
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
From the ruins of Empire
Pankaj Mishra
New York ذ Farrar ,Straus andGirou -2012
368 .P