بعد أن قدّم الباحث مالك شبل، العديد من الكتب حول الإسلام والعالم الإسلامي، يكرّس كتابه الأخير لبلد مولده الجزائر، تحت عنوان: "قاموس عاشق للجزائر"، وذلك في إطار السلسلة التي تصدر عن دار نشر "بلون" في باريس، تحت عنوان: "قاموس عاشق لـ..."، حيث يمثل هذا الكتاب الإصدار رقم 60 منها. ويتزامن صدور هذا العمل مع الذكرى الخمسين لاستقلال الجزائر عام 1962.
الميزة الأساسية في هذا العمل القاموسي عن الجزائر، قد تكون كامنة في إمكانية القراءة عن أي موضوع مطروح، من دون مراعاة أي تسلسل، أو خشية من ضياع سياق الأحداث، مثل ما هو الحال في الأعمال الروائية. وبالمقابل لا شك في أن اختيار الموضوعات المطروحة المداخل- في مثل هذا العمل يخضع لعملية انتقائية ذاتية.
والحب والهوى يظهران بوضوح منذ البداية، عندما يتحدث مالك شبل عن الجزائر، موطنه الأصلي .. ذات المشاهد المتنوعة، مثل: البحر وما يرتبط معه من ذكريات الطفولة. ويعرب المؤلف عن عمق تعلّقه بملاعب الطفولة قريبا من بلدة سكيكدة. وأيضا بتلك المناطق السحرية التي تغمرها أشعة الشمس خلال فترة طويلة من السنة. وعلى خلفية الحنين التي يرسمها شبل بالكلمات، يتولّد لدى القارئ الإحساس بأنه يتحدث عن بلد استثنائي.
وبعد الحديث عن طبيعة الجزائر وشمسها وشطآنها وجبالها وسهولها، ينتقل المؤلف للتعرض لـرجالها. أولئك الأجداد الذين أشادوا عظمتها. والأسماء التي يذكرها شبل كثيرة، ومن بينها :فرحات عباس الذي يصفه بأنه رجل السياسة البارع، ولكنه المنسي من قبل التاريخ الرسمي الجزائري. وأسماء أخرى كثيرة يعتبرها المؤلف كـنقاط علاّم في التاريخ الجزائري الحديث، وليس أقلها أهمية الأمير عبد القادر الجزائري الذي يمثل أحد الرموز الجزائرية للتاريخ، وكريم بلقاسم.
ولا ينسى المؤلف أحد رموز الأدب والإبداع الجزائريين، أي كاتب ياسين، صاحب رؤية نجمة الشهيرة والعديد من الأعمال الأخرى التي اشتهرت في المسرح الجزائري، وأبعد منه العربي. ومن بين الذين يؤكّد مالك شبل على أهميتهم في التاريخ الجزائري الحديث أولئك "المجهولين" الذين خاضوا غمار حرب التحرير في الجبال والوديان، لدحر الظلم والاحتلال الذي كانت تعاني منه بلادهم.
ولا يقصر مالك شبل "قاموسه العاشق للجزائر" على شخصيات البلاد، السياسية والأدبية والفنية والدينية، ولكنه يكرّس عددا من الصفحات لمظاهر الحياة اليومية، مثل :المطبخ الجزائري الذي يعطي للجزائر هويتها الخاصة في هذا الميدان، إذ إن العديد من "أطباق الطعام" الجزائرية انتقلت إلى فرنسا، لتصبح مكوّنا هاما في المطبخ الفرنسي، هذا فضلا عن أن تسميتها دخلت القاموس اللغوي.
ثم إن التمور الجزائرية المعروفة بتوصيف "دقلة نور"، غدت بمثابة ماركة تدل على جودة منتجات أرض الجزائر. ويخصص المؤلف عددا من مداخل الكتاب لأولئك الكتّاب الفرنسيين الذين ولدوا في الجزائر، أو عاشوا فيها شطرا كبيرا من حياتهم، من أمثال: كامو ولويس غارديل . ويذكر شبل أن عددا من الذين أطلقت عليهم صفة الثوريين إنما عملوا على زيادة ثرواتهم الشخصية على حساب المصلحة العامة. وهكذا باتت الجزائر "الجميلة" أقل جمالا، بسبب ما فعله فيها الكثير من أبنائها، بعد نيل البلاد استقلالها السياسي.
يختار المؤلف مداخل هذا الكتاب- القاموس تبعا لما يعتبره جديرا بذلك، بدءا من تاريخ الجزائر القديم والحديث والمعاصر، وذلك منذ العصور القديمة، وحتى مرحلة وواقع الجزائر عام 2010. ولكنه لا يقتصر في حديثه عن الجزائر على مسائل المسار التاريخي، قديمه وحديثه، ولكنه يحاول التغلغل في روائح الجزائر وعطورها. وفي ثقافتها الشعبية وكتّابها وأدبائها، وكذا هوياتها المتعددة، من غير أن ينسى ثمارها المشبعة بالشمس.
وفي هذه الهوقات التي يحتفل فيها الجزائريون بالذكرى الخمسين لاستقلال بلادهم، ربما يتميّز قاموس مالك شبل "العاشق للجزائر"، عن السلسلة الطويلة من الكتب التي صدرت بهذه المناسبة، برؤيته الشاملة، ومن خلال تاريخها الشامل، منذ العصر الروماني القديم وحتى عهد الاستعمار الفرنسي، ووصولا إلى الحقبة الراهنة. وكذلك عبر توصيف جغرافيتها وسكانها ومدنها ومطبخها وكرم سكانها. وطبعا من غير أن يتجنب الحديث عن الموضوعات المثيرة للجدل أو الحساسة، كما أشار منذ البداية، وبروح نقدية كاملة. ويجري التعرّض أيضا لمختلف القضايا الراهنة، من دون تكريس مداخل خاصة بها في هذا القاموس.
وهكذا، يبدو مالك شبل وكأنه يخط مجموعة فكرية متكاملة عن الجزائر في كتاب- قاموس عن الجزائر، ذلك بكل ما فيها من خرائب تيمغاد الرومانية، وحتى بحر تيبازا والصحراء الجزائرية ولوحات اوجين دولاكروا، وكذلك ذكريات وأحداث احتلال الجزائر عام 1830 من قبل الجنود الفرنسيين، إلى غاية جلائهم عنها عام 1962، وأيضا عن الأمير عبد القادر الجزائري، وحتى الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.
الكتاب: قاموس عاشق للجزائر
تأليف: مالك شبل
الناشر: بلون باريس 2012
الصفحات: 755 صفحة
القطع : المتوسط
Dictionnaire amoureux de lصAlgérie
Malek Chebel
Plon - Paris- 2012
755 .P