تحت عنوان "نينجا"، صيغت أساطير ازدهرت في الرسوم المتحركة والسينما والألعاب الإلكترونية. ولكنها تمثل في الحقيقة شخصيات يابانية من زمرة الجواسيس والمخربين والقتلة. وأما الموهبة الكبرى التي تتمتع بها، فهي القدرة الباهرة على التغلغل وامتلاك الإدارة الكبيرة من أجل البقاء والاستمرار.
وفي عمله الأخير، يحاول المؤلف، جون مان البحث عن حقيقة النينجا، إذ يقود قارئه إلى مسيرة تاريخية تعود إلى أكثر من 1000 سنة، وإلى الدور الذي لعبته الشخصيات الحقيقية في الحروب الأهلية التي أدّت إلى توحيد اليابان في عام 1600. وهذا قبل أن تمثّل في مخيلة الغربيين، حتى مخيلة اليابانيين، تلك الصور التي قدمتها بها السينما والرسوم المتحركة، في هيئة "محاربين يلبسون ثياباً سوداء"، ويضعون قناعاً على وجوههم. إلى جانب القدرات البدنية الخارقة، في المعارك، والقيام بحركات بهلوانية، والموهبة في التخفّي. وفي كل الحالات تكمن الورقة الرابحة الرئيسية للنينجا، في المحافظة على السرية.
وهذه الصورة لـ "نينجا" هي قريبة العهد نسبياً، إذ تعود إلى سنوات الثمانينات في القرن الثامن عشر. ويشير المؤلف إلى أنه كان لها سابقاً، تسميات متنوعة مثل: شينوبي ورابا وسوبا وكاجيمينو- هيكي. وكانت قد استخدمت مجموعات النينجا في ما مضى، من قبل العائلات اليابانية الكبرى، لتنفيذ مهمات لحسابها، وخاصة التسلل ليلاً إلى القصور والمعسكرات لإشعال الحرائق، أثناء الليالي ذات الظلام الدامس.
وفي حقبة ماكورا، الممتدة من نهايات القرن الحادي عشر وحتى أواسط ثلاثينات القرن الثالث عشر، عرفت اليابان نزاعات عديدة. ولجأت خلالها العائلات النبيلة، إلى استخدام مرتزقة تمثلوا في النينجا، والذين خدموا السادة الإقطاعيين. وكان رجال النينجا يقيمون، غالباً، آنذاك، في الجبال المجاورة لمقرّات أولئك السادة. وكان السكان ينظرون إليهم على أنهم من طبقات أدنى. ذلك على أساس أنهم كانوا مجموعات من المجرمين والمتسولين والأفّاقين. وما يؤكده المؤلف هو أن رجال "نينجا" كانوا في الأصل قوات من المحاربين الذين يشابهون إلى حد كبير الميليشيات المدنية الحديثة.
ويشير المؤلف إلى أن مختلف المناطق اليابانية استخدمت كلمات مختلفة للدلالة على نينجا، وكذلك اختلفت الكلمات أيضاً خلال الحقب التاريخية المتعاقبة. ولكن مهما اختلفت الألفاظ المستخدمة للدلالة على هذه الفئة: نينجا، فإنها حافظت دائماً على قدر كبير من الاستقلالية. ولكنهم كانوا، في الوقت نفسه، كما يصفهم جون مان، نوعاً من المجموعات الخاصة التي يمكن استئجارها.
وكانت، تضم، أو لا تضم، حسب المناطق والحقب الزمنية، بعض مجموعات الساموراي اليابانية الشهيرة. والمهم أنه كانت مهنتها الدائمة، القيام بالعمليات السرية. والعمليات السرية التي يقوم بها رجال النينجا من النموذج المرفوض اجتماعياً، إذ إنه، وحتى في حالة النجاح الكامل، تبقى هوية الفاعلين من الأسرار الكبرى التي لا ينبغي البوح بها. وهناك بعض النظريات التي تقول ان الأصول البعيدة لمحاربي النينجا تعود إلى الصين. وتقول أخرى انهم من "زهّاد الجيل" الذين تطلق عليهم تسمية "يامابوشي".
ومن الأفكار التي تتكرر في هذا الكتاب تأكيد المؤلف على أن مركز الاهتمام الرئيسي لرجال الـنينجا لم يكن أبداً، فنون الحرب والقتال، ولكن بالأحرى، إتقان مجموعة من استراتيجيات التسلل وتقنيات التجسس، هذا بالإضافة إلى الخبرة الواسعة في مجال إشعال الحرائق. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن مهمات الـنينجا سابقاً، هي التي تتوازى اليوم مع المهمات التي تنفذها مجموعات القوات الخاصة لهذا البلد أو ذاك. والفارق الوحيد الكبير هو في البنية والهيكلية التنظيمية، إذ كانت مجموعات النينجا تتمتع باستقلالية كاملة.
ويشير المؤلف إلى أن الحاكم الأول الذي وحّد اليابان، القائد الحربي المعروف في القرن السادس عشر، اودا نوباناغا، شنّ حرباً ضد النينجا من أجل تعزيز سلطته. وجرى عندها حرق جميع الوثائق الخاصة بتقنياتهم واستراتيجياتهم، التي كانت مخبأة بعناية، في مزارع ومعابد متنوعة. ولكن بعد عقود عديدة تالية، قام "الشتات" الذين يمثلون إحدى مجموعات النينجا بكتابة مجموعة من الوثائق الخاصة بـ"دليل عمل" المعنيين. وذلك في أواسط القرن السادس عشر.
واعتباراً من سنوات الخمسينات من القرن المذكور، شاعت صورة جديدة للنينجا في اليابان، مع انتشار روايات ورسوم مانغا المتحركة. وفي سنوات الستينات والسبعينات في القرن الـ20، راجت موجة أفلام الـنينجا في الغرب.
ويخلص الكتاب إلى التأكيد على ان النينجا هم في الأصل، رجال ملثمون، بأغلبيتهم، أحياناً يعيشون في الظل ويتحركون من دون أن يلحظهم أحد، ذلك من أجل تنفيذ مهماتهم "المستحيلة".
الكتاب: نينجا.. 1000 عام من حياة جنود الظل
تأليف: جون مان
الناشر: بانتام برس لندن 2012
الصفحات:304 صفحة
القطع: المتوسط
Ninja
John Man
Bantam Pressذ London - 2012
304 p