ينطلق كتاب "نقد الفكر الجاهز أسئلة الثورة والإصلاح في الوطن العربي", لمحمد بهضوض من فرضية مؤداها أن هناك فكراً جاهزاً ما فتئ ينتشر في العالم، يتكون من خطاب تبسيطي جاهز، ويعتمد على الرأي والمزاج، ويرى الأشياء بشكل معياري أو مانوي، ويقدم حلولاً جاهزة لكل مشاكل العالم، بعيداً عن المحاكمات المنطقية والطرق العقلية في التفكير والاستنتاج .
فالفكر الجاهز بحسب المؤلف يستسهل مسألة إدراك الواقع وتغييره، كما يستطيع أصحاب هذا الفكر أن يفهموا العالم ويفسروه بجمل بسيطة وسطحية، فالعالم ومشاكله الكبرى واضحة وسهلة الحل، لدرجة أن كل شخص تجد عنده منظومة للتبسيط جاهزة لتحليل وفرض تصور معين للإنسان والعالم .
غير أن المؤلف يوجه نقداً جذرياً للفكر الجاهز ونظرياته، لأن مسألة إدراك الواقع وتفسيره ليست بالأمر الهين . ولو كان العالم يقدم نفسه بكل الوضوح الذي يدعيه الفكر الجاهز لما كانت هناك حاجة للأساطير والديانات والنظريات الكبرى، التي حاولت تفسير العالم، وهداية الانسان الى سواء السبيل .
وللفكر الجاهز تجليات كثيرة، فهو يظهر في الدين حين تعطى الأسبقية للإيمان على العقل، وللدين على الانسان، وللقراءة الرسمية للنص على القراءة الإنسانية، وللشرع على الواقع، وللأحادية على التعددية . كما يتجلى في الاقتصاد حين يصبح المال هو كل شيء، وفي الحقل الاجتماعي حين تسود تقاليد الجماعة والهوية على تقاليد الانفتاح والتعدد والآخر.
وفي الإعلام حين تسود الغوغائية والثرثرة، ويصبح الشكل هو المضمون، وتطغى عناصر الدعاية والإعلان والإثارة على ما عداها من عناصر العقلانية . أما في المجال السياسي فيظهر الفكر الجاهز حين تتحول السياسة إلى لعبة ميكافيلية أو آلية لاحتكار السلطة باسم العصبية أو القومية أو الإثنية أو الطبقة .
وبعد نقاش طويل عبر فصول الكتاب لقضايا تتعلق بالتاريخ وعلاقته بالحقيقة والتأويل، وبالواقع وعلاقته بالفكر، وبالحقيقة وعلاقتها بالعدالة، وبالسياسة وعلاقتها بأساليب الانتقال الديمقراطي، وبالحضارة وعلاقتها بالهوية والثقافة، وبالأخلاق وعلاقتها بالقيم... الخ، وبعد الاستعانة بعدد من المفكرين من الغرب والشرق، من أمثال : إدغار موران، عبد الله العروي، هيجل، هنري لوفيغر، أرنست رينان، محمد مجتهد شبستري، جيل دولوز، امانويل كانط، كارل ماركس.. الخ، ينتهي المؤلف الى أن الفكر الجاهز لا يصل لفهم الواقع، ولا لدراسة وتحليل التاريخ، ولا يعرف طبيعته الحقيقية، أو ماهي آليات عمل الحضارات .
ففي مجال العلاقة بين الفكر والواقع ينتهي بهضوض إلى أن هذا المجال وقع ضحية نظريات وتصورات غربية جاهزة عن العالم والإنسان، لم تعد اليوم قادرة على مواكبة التحولات . الأمر الذي يؤكد وجود حاجة لفكر أكثر ملاءمة وانفتاحاً، لأن هناك حاجة ماسة لفهم الواقع باعتباره مستويات متعددة وأنساقا متداخلة.
أما في مجال التاريخ والذاكرة فقد اتضح للمؤلف أنه عرضة للفهم الاختزالي والتهويمات الخيالية والاستغلال السياسي، فالتاريخ يجب أن يكون منبعاً للدروس والتجارب وليس سبباً للانتقام، أو عقبة في طريق العدالة والتطور، كما تبين للمؤلف أن الهوية هي مجال مركب بامتياز، ويخضع لتحولات المعرفة والواقع، ولذلك فهي في تطور دائم، وقد آن الأوان لكي نخرج من صورة الهوية النمطية الجاهزة والثابتة .
الكتاب: نقد الفكر الجاهز أسئلة الثورة والإصلاح في الوطن العربي
المؤلف: محمد بهضوض
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون منشورات الاختلاف بيروت - الجزائر 2012
الصفحات:326 صفحة
القطع: الكبير